كَما أَنَّ تَحْديدَ الرئيسِ السّيسي لِلأَهْدافِ المَرْجُوَّةِ وَالتي رَكَّزَها في الرِّيادَةِ في الصِّحَّةِ وَالتَّعْليمِ وَالتَّنْمِيَةِ الصِّناعِيَّةِ وَالزِّراعِيَّةِ المُتَقَدِّمَةِ وَالجاذِبَةِ لِلِاسْتِثْماراتِ وَتَثْبيتِ الِاسْتِقْرارِ كَضَرورَةٍ لِلتَّنْمِيَةِ المُسْتَدامَةِ وَمُكافَحَةِ الفَسادِ وَحِمايَةِ المالِ العامّ، يَسْتَدْعي مُراجَعَةَ أَداءِ الحُكوماتِ المُتَعاقِبَةِ في عَهْدِهِ وَمَدى اقْتِرابِها أَوِ ابْتِعادِها عَنْ تِلْكَ الأَهْداف.
عام 2013 هو العام الوحيد الذي تدهورت فيه قيمة الناتج المحلي الإجمالي
أَمّا مَسْأَلَةُ الإِسْراعِ بِتَخارُجِ الدَّوْلَةِ مِنَ النَّشاطِ الِاقْتِصادِيّ، أَيْ الخَصْخَصَة، فَإِنَّهُ يَبْقى مَوْضِعَ اخْتِلافٍ جَوْهَرِيٍّ مع السِّياساتِ الِاقْتِصادِيَّةِ لِعَهْدِ الرَّئيس، مِثْلَما كانَ الأَمْرُ في عَهْدِ مُبارَك، فَأَسْوَأُ ما تَقومُ بِهِ أَيُّ حُكومَةٍ هُوَ تَوْجيهُ الأَمْوالِ المُتاحَةِ لِلِاسْتِثْمار، إِلى شِراءِ أُصولٍ قائِمَةٍ فِعْلِيًّا، بَدَلًا مِنْ تَوْجيهِها لِبِناءِ مَشْروعاتٍ جَديدَةٍ تُضيفُ طاقاتٍ إِنْتاجِيَّةً وَفُرَصَ عَمَلٍ جَديدَة، وَهَذا البَيْعُ لِلمَشْروعاتِ الإِنْتاجِيَّةِ العامَّةِ التي بَنَتْها حُكوماتٌ سابِقَة، يُسْتَخْدَمُ لِتَمْويلِ إِنْفاقٍ جارٍ لِحُكوماتٍ غَيْرِ قادِرَةٍ عَلى تَحْقيقِ التَّوازُنِ المالِيّ، وَهُوَ أَيْضًا أَمْرٌ سَلْبِيّ.
الدُّوَلُ تُحْمى بِشُعوبِها وَلا تَتَفادى الوجودَ في قَلْبِها!
قَبْلَ تَناوُلِ القَضايا الِاقْتِصادِيَّةِ الوارِدَةِ في الخِطاب، لا بُدَّ مِنَ الإِشارَةِ إِلى أَنَّ تَبْريرَ بِناءِ مَقَرِّ القِيادَةِ الِاسْتراتيجِيَّةِ خارِجَ القاهِرَة، عاصِمَةِ مِصْرَ وَقَلْبِها الحَراكِيِّ النّابِض، بِإِبْعادِ هَذا المَوْقِعِ الِاسْتراتيجِيِّ عَنْها بَعْدَ أَنْ تَعَرَّضَتْ مَقَرّاتُ مَجْلِسِ الوُزَراءِ وَالمَحْكَمَةِ الدُّسْتورِيَّةِ وَحَتّى وِزارَةِ الدِّفاعِ لِاعْتِصاماتٍ أَمامَها خِلالَ الأَحْداثِ التي تَلَتْ ثَوْرَةَ 25 يَنايِرَ/كانونَ الثّاني، فَإِنَّهُ ما كانَ لَهُ أَنْ يُذْكَر، لِأَنَّهُ أَظْهَرَ الدَّوْلَةَ وَكَأَنَّها تَهْرُبُ مِنَ الوجودِ وَسْطَ مُواطِنيها، على الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الأَصْلَ هُوَ أَنَّ الدُّوَلَ تُحْمى بِمُواطِنيها وَشُعوبِها مُباشَرَةً، فَضْلًا عَنْ أَنَّ تِلْكَ الشُّعوبَ هِيَ المَوْرِدُ السَّرْمَدِيُّ لِهَيْكَلِ الدَّوْلَةِ وَجَيْشِها وَشُرْطَتِها وَكُلِّ أَجْهِزَتِها وَنِظامِها السِّياسِيّ، فَإِذا أَساءَ أَيٌّ مِنْهُمْ لِلعَقْدِ الِاجْتِماعِيِّ مع الشَّعْب، أَوْ فَشِلَ في تَحْقيقِ ما أوكِلَ إِلَيْهِ مِنْ مَهامّ، يَكونُ مِنْ حَقِّ الشَّعْبِ الِاحْتِجاجُ السِّلْمِيُّ بِكُلِّ الأَشْكالِ الدُّسْتورِيَّة، أَيًّا كانَ مَوْقِعُ مَقَرّاتِ الحُكْم، مِنْ دونِ أَنْ يَعْنِيَ ذَلِكَ أَنَّ الشَّعْبَ في حالَةِ عَداءٍ مع الدَّوْلَة، بَل مع سِياساتٍ غَيْرِ مَقْبولَةٍ اجْتِماعِيًّا.
هَل خَسِرَتْ مِصْرُ 450 مِلْيارَ دولارٍ بِسَبَبِ ثَوْرَةِ يَنايِرَ وَما تَلاها مِنْ أَحْداثٍ وَإِجْراءات؟
تُشيرُ البَياناتُ الرَّسْمِيَّةُ المَنْشورَةُ في التَّقاريرِ الدَّوْلِيَّة (تَقْرِيرُ البَنْكِ الدولِيِّ عَنْ مُؤَشِّراتِ التَّنْمِيَةِ في العالَم)، إِلى أَنَّ النَّاتِجَ المَحَلِّيَّ الإِجْمالِيَّ لِمِصْرَ بَلَغَ 218,9 مِلْيارَ دولارٍ عامَ 2010، وَظَلَّ يَنْمو بِشَكْلٍ إيجابِيٍّ بَلَغَ 1,8%، وَ2,2%، وَ3,3%، وَ2,9% خِلالَ الأَعْوامِ 2011، وَ2012، وَ2013، وَ2014. كَما تُشيرُ إِلى أَنَّهُ ارْتَفَعَ إِلى 231 مِلْيارَ دولارٍ عامَ 2011، وَبَلَغَ 276 مِلْيارَ دولارٍ عامَ 2012، وَانْخَفَضَ بِمِقْدارِ 5 مِلْياراتِ دولارٍ لِيَبْلُغَ 271 مِلْيارَ دولارٍ عامَ 2013، وَارْتَفَعَ إِلى 301 مِلْيارَ دولارٍ عامَ 2014. أَيْ إِنَّ عامَ 2013 هُوَ العامُ الوَحيدُ الذي تَدَهْوَرَتْ فيهِ قيمَةُ النّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيِّ مُقَدَّرًا بِالدّولارِ بِنَحْوِ 5 مِلْياراتِ دولار، بِسَبَبِ انْخِفاضِ سِعْرِ صَرْفِ الجُنَيْهِ المِصْرِيِّ إِلى 6,87 جُنَيْهاتٍ لِلدّولارِ، في ذَلِكَ العامِ مُقارَنَةً بِنَحْوِ 6,06 جُنَيْهاتٍ لِلدّولارِ عامَ 2012، مِمّا جَعَلَ قيمَةَ النّاتِجِ مُقَدَّرَةً بِالدّولارِ تَتَراجَع، على الرَّغْمِ مِنِ ارْتِفاعِها مُقَدَّرَةً بِالجُنَيْهِ المِصْرِيِّ مِنْ 1675 مِلْيارَ جُنَيْه عامَ 2011/2012، إِلى 1860 مِلْيارَ جُنَيْه عامَ 2012/2013.
الاقتصاديون الحكوميون يتحمّلون مسؤوليّة ترويج الخطأ
وَحَتّى لَوْ حَسَبْنا الخَسارَةَ المُحْتَمَلَةَ بِناءً عَلى مُتَوَسِّطِ مُعَدَّلِ النُّمُوِّ قَبْلَ ثَوْرَةِ 25 يَنايِرَ 2011، وَالذي بَلَغَ 4,9% سَنَوِيًّا في عامَيْ 2009 وَ2010، وَمُتَوَسِّطِ مُعَدَّلِ النُّمُوِّ خِلالَ الفَتْرَةِ مِنْ عامِ 2011 حَتّى عامِ 2014، الذي بَلَغَ 2,6% سَنَوِيًّا، فَإِنَّ الفارِقَ هُوَ 2,3% سَنَوِيًّا. وَهَذا الفارِقُ، لَوْ حَسَبْناهُ بِناءً عَلى مُتَوَسِّطِ قيمَةِ النّاتِجِ خِلالَ الفَتْرَةِ المَذْكورَة، فَإِنَّهُ يُعادِلُ 24,8 مِليارَ دولارٍ، وَهَذا أَقْصى رَقْمٍ لِلمَكاسِبِ المُحْتَمَلَةِ التي لَمْ يَتِمَّ الحُصولُ عَلَيْها، لِأَنَّ الخَسائِرَ تَكونُ في حالَةِ الرُّكود، وَهُوَ ما لَمْ يَحْدُث.
وَبِالتّالي فَإِنَّ رَقْمَ الـ 450 مِلْيارَ دولارٍ كَخَسائِرَ لِمِصْرَ بِسَبَبِ ثَوْرَةِ 25 يَنايِرَ وَالأَحْداثِ وَالإِجْراءاتِ التي تَلَتْها حَتّى عامِ 2014، لا يوجَدُ أَيُّ سَنَدٍ عِلْمِيٍّ لَه، وَيُناقِضُ البَياناتِ الرَّسْمِيَّة، بِما يَعْني أَنَّ الِاقْتِصادِيّينَ الحُكومِيّينَ المَسْؤولينَ عَنْ وَضْعِ هَذا الرَّقْمِ أَمامَ الرَّئيس، يَتَحَمَّلونَ مَسْؤولِيَّةَ تَرْويجِ خَطَأٍ مُجافٍ لِلحَقيقَةِ وَالعِلْمِ وَلِلبَياناتِ الرَّسْمِيَّةِ نَفْسِها.
حَصيلَةُ مِصْرَ مِنَ النَّقْدِ الأَجْنَبِيِّ زادَتْ وَلَمْ تَنْخَفِض!
لَمْ تَتَضَرَّرْ مَصادِرُ النَّقْدِ الأَجْنَبِيِّ لِلِاقْتِصادِ المِصْرِيِّ بِسَبَبِ ثَوْرَةِ 25 يَنايِر، بَلِ ارْتَفَعَت، حَيْثُ تُشيرُ البَياناتُ الرَّسْمِيَّةُ المَنْشورَةُ في النَّشْرَةِ الإِحْصائِيَّةِ الشَّهْرِيَّةِ لِلبَنْكِ المَرْكَزِيِّ المِصْرِيّ، إِلى ارْتِفاعِ حَصيلَةِ مِصْرَ مِنَ النَّقْدِ الأَجْنَبِيِّ مِنْ مَجْموعِ المَصادِرِ الأَرْبَعَةِ الكُبْرى، وَهِيَ الصّادِراتُ السِّلعِيَّة، وَتَحْويلاتُ العامِلينَ في الخارِج، وَالسِّياحَة، وَقَناةُ السُّوَيْس، مِنْ 49,7 مِلْيارَ دولارٍ عامَ 2009/2010 قَبْلَ ثَوْرَةِ 25 يَنايِرَ 2011، إِلى 55,2 مِلْيارَ دولارٍ عامَ 2010/2011، وَواصَلَتِ الِارْتِفاعَ لِتَبْلُغَ 57,7 مِلْيارَ دولارٍ عامَ 2011/2012، وَارْتَفَعَتْ مُجَدَّدًا لِتَبْلُغَ 60,4 مِلْيارَ دولارٍ عامَ 2012/2013، وَانْخَفَضَتْ في عامِ 2013/2014 إِلى 55 مِلْيارَ دولارٍ بِسَبَبِ انْخِفاضِ إيراداتِ السِّياحَةِ إِلى النِّصْفِ تَقْريبًا، لَكِنَّها تَظَلُّ أَعْلى كَثيرًا مِنَ الحَصيلَةِ المُتَحَقِّقَةِ قَبْلَ ثَوْرَةِ 25 يَنايِر.
وَبِناءً عَلى تِلْكَ البَياناتِ الرَّسْمِيَّة، لا يَجوزُ تَحْميلُ ثَوْرَةِ 25 يَنايِرَ وَما تَلاها مِنْ أَحْداثٍ وَإِجْراءات، تِلْكَ الأَرْقامَ الهائِلَةَ لِلخَسائِرِ التي لا يوجَدُ أَيُّ سَنَدٍ عَلَيْها مِنَ البَياناتِ الرَّسْمِيَّةِ نَفْسِها.
أَمّا انْخِفاضُ الجُنَيْه، وَارْتِباطُهُ بِالثَّوْرَةِ أَوْ بِأَداءِ وَأَوْلَوِيّاتِ الحُكومَة، وَكَذَلِكَ الأَهْدافُ التي رَكَّزَها الرَّئيسُ في الرِّيادَةِ في الصِّحَّةِ وَالتَّعْليمِ وَالتَّنْمِيَةِ الصِّناعِيَّةِ وَالزِّراعِيَّةِ المُتَقَدِّمَةِ وَالجاذِبَةِ لِلِاسْتِثْماراتِ وَتَثْبيتِ الِاسْتِقْرارِ كَضَرورَةٍ لِلتَّنْمِيَةِ المُسْتَدامَةِ وَمُكافَحَةِ الفَسادِ وَحِمايَةِ المالِ العامّ، فَإِنَّ مَسارَ تَحْقيقِها وَمَدى اقْتِرابِ الحُكوماتِ المُتَعاقِبَةِ مِنْها، هُوَ مَوْضوعُ الجُزْءِ الثّاني مِنْ هَذا المَقال.
(خاص "عروبة 22")

