أَظْهَرَ تَقريرُ "الصُّندوق" أَنَّ العِراقَ سَيَكونُ مِنْ بَيْنِ الِاقْتِصاداتِ الأَكْثَرِ تَأَثُّرًا بِالِاضْطِراباتِ الإِقْليمِيَّةِ خِلالَ عامِ 2026، مع انْعِكاساتٍ واضِحَةٍ على مُعَدَّلاتِ التَّضَخُّمِ وَالحِساباتِ الخارِجِيَّةِ وَالمالِيَّةِ العامَّة، وَالبَطالَة، وَأَنَّ العِراقَ يَأْتي ضِمْنَ مَجْموعَةٍ مَحْدودَةٍ مِنَ الدُّوَلِ التي تُواجِهُ ضُغوطًا مُزْدَوِجَةً نَتيجَةَ اضْطِرابِ حَرَكَةِ التِّجارَةِ وَارْتِفاعِ تَكاليفِ النَّقْل، إلى جانِبِ تَأْثيراتِ المُواجَهاتِ المُسَلَّحَةِ على مَساراتِ التَّبادُلِ التِّجارِيّ، وَخُصوصًا المُرْتَبِطَةِ بِمَضيقِ هُرْمُز، ما أَدّى إلى تَراجُعٍ مَلْحوظٍ في مُؤَشِّراتِ الحِسابِ الجاري وَالرَّصيدِ المالِيِّ مُقارَنَةً بِتَوَقُّعاتٍ سابِقَة.
تَجْدُرُ الإِشارَةُ إلى أَنَّ الإِصْلاحَ لَيْسَ مُجَرَّدَ خُطَّةٍ اقْتِصادِيَّةٍ أَوِ اجْتِماعِيَّةٍ عادِيَّة، بَلْ يُمَثِّلُ مَشْروعًا وَطَنِيًّا، يَهْدِفُ إلى مُعالَجَةِ الأَزْمَةِ البُنْيَوِيَّةِ التي تُعاني مِنْها مُؤَسَّساتُ الدَّوْلَة، وَتَجاوُزِ العَقَباتِ التي تَعوقُ التَّنْمِيَةَ المُسْتَدامَة، وَذَلِكَ عَبْرَ اعْتِمادِ رُؤْيَةٍ مُتَكامِلَةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ التَّخْطيطِ الِاسْتراتيجِيِّ وَالتَّحَوُّلِ الِاقْتِصادِيِّ وَالِاجْتِماعِيِّ على مَدى ثَلاثَةِ عُقودٍ مُقْبِلَة، إِذْ إِنَّ الإِصْلاحَ يَقومُ على مَبادِئِ الحَوْكَمَةِ الرَّشيدَة، وَتَنْويعِ مَصادِرِ الدَّخْلِ الوَطَنِيِّ بَعيدًا عَنِ الِاعْتِمادِ شِبْهِ الكُلِّيِّ على النَّفْط، وَتَعْزيزِ الشَّراكَةِ بَيْنَ القِطاعَيْنِ العامِّ وَالخاصّ، مع التَّرْكيزِ على بِناءِ اقْتِصادٍ سِيادِيٍّ مُتَنَوِّعٍ قادِرٍ على المُنافَسَةِ إِقْليمِيًّا وَدَوْلِيًّا.
التحوّلات التقنية والذكاء الاصطناعي غيَّرا شكل العالم
سَجَّلَ العِراقُ وَإيرانُ أَكْبَرَ الضُّغوطِ السَّلْبِيَّةِ في الحِساباتِ الخارِجِيَّةِ وَالمالِيَّةِ بَيْنَ دُوَلِ المِنْطَقَةِ المُتَأَثِّرَة، إِذْ تَفَوَّقَتْ خَسائِرُ التِّجارَةِ وَتَراجُعُ النَّشاطِ الِاقْتِصادِيِّ على كُلِّ المَكاسِبِ المُحْتَمَلَةِ مِنِ ارْتِفاعِ أَسْعارِ النَّفْط، ما أَدّى إلى مُراجَعاتٍ نُزولِيَّةٍ في الأَداءِ المالِيِّ لِعامِ 2026. وَشَهِدَ العِراقُ ارْتِفاعًا في التَّوَقُّعاتِ ضِمْنَ مَجْموعَةِ دُوَلِ الخَليج، مَدْفوعًا بِزِيادَةِ تَكاليفِ الِاسْتيرادِ وَارْتِفاعِ أَسْعارِ السِّلَع، حَيْثُ تَراوَحَتِ الزِّياداتُ في المِنْطَقَةِ بَيْنَ مُسْتَوَياتٍ مُتَوَسِّطَةٍ في العِراقِ وَبَعْضِ دُوَلِ الخَليج، مُقابِلَ مُسْتَوَياتٍ أَعْلى في إيران، حَسَبَ صُنْدوقِ النَّقْدِ الدَّوْلِيِّ 2026.
يَعْمَلُ العِراقُ على تَفادي الأَزْماتِ أَوِ التَّخْفيفِ مِنْ آثارِها، وَالتَّخْطيطِ الِاسْتِباقِيِّ لِلْمَخاطِر، لِأَنَّ المُؤَسَّساتِ الدَّوْلِيَّةَ غَيْرُ قادِرَةٍ على الإيفاءِ بِالِاسْتِجابَة، إِذْ إِنَّ خُطَّةَ الإِصْلاحِ الشّامِلِ يَجِبُ أَنْ تَتَضَمَّنَ مَساراتِ التَّحَوُّلِ وَهَيْكَلِيَّةَ التَّنْفيذِ، وَرَسْمَ المُخَطَّطِ التَّنْمَوِيِّ المَأْمول، لِأَنَّهُ لا يُمْكِنُ الرُّكونُ إلى الوَقودِ الأُحْفورِيِّ وَحْدَهُ في الِاقْتِصادِ الوَطَنِيّ، حَيْثُ إِنَّ التَّحَوُّلاتِ التِّقْنِيَّةَ وَالذَّكاءَ الِاصْطِناعِيَّ غَيَّرا شَكْلَ العالَم.
إلى ذلك، هناك ضَرورَةُ إِعادَةِ هَيْكَلَةِ الِاقْتِصادِ العِراقِيّ، وَتَقْليلِ الِاعْتِمادِ على النَّفْطِ بِشَكْلٍ جَذْرِيّ، وَزِيادَةِ مُساهَمَةِ القِطاعِ الخاصِّ في النّاتِجِ المَحَلِّيّ، وَتَحْقيقِ نُمُوٍّ اقْتِصادِيٍّ مُسْتَدامٍ يَشْمَلُ قِطاعاتِ الصِّناعَةِ وَالزِّراعَةِ وَالطّاقَةِ وَالخَدَمات، فَضْلًا عَن أَهَمِّيَّةِ تَفْعيلِ دَوْرِ القِطاعِ الخاصِّ في العَمَلِيَّةِ التَّنْمَوِيَّة، وَتَوْسيعِ قاعِدَةِ الإِنْتاجِ الوَطَنِيّ، وَدَمْجِ الطّاقاتِ الشَّبابِيَّةِ وَالكَفاءاتِ الوَطَنِيَّةِ ضِمْنَ خُطَطِ التَّنْمِيَةِ الشّامِلَة.
يجب بناء اقتصاد قادر على التكيّف مع المتغيّرات الدولية
إِنَّ التَّنْويعَ يَرْتَكِزُ على خَمْسَةِ مَحاوِرَ رَئِيسِيَّةٍ هِيَ: بِناءُ مُجْتَمَعٍ حَيٍّ وَمُنْتِج، وَاقْتِصادٌ سِيادِيٌّ مُتَنَوِّعٌ وَمُسْتَدام، وَحُكومَةٌ ذَكِيَّةٌ وَرَشيدَة، وَجَعْلُ الشَّبابِ مِحْوَرًا رَئيسِيًّا لِلتَّنْمِيَةِ المُسْتَقْبَلِيَّةِ مَعَ اعْتِمادِ آلِيَّاتِ تَمْويلٍ مُسْتَدامَةٍ تَضْمَنُ الِاسْتِمْرارِيَّة، وَتَفْعيلُ أَدَواتِ المُتابَعَةِ الرَّقْمِيَّةِ لِضَمانِ شَفافِيَّةِ التَّنْفيذ، وَالتَّكامُلُ مع السِّياساتِ وَالمَعاييرِ الدَّوْلِيَّةِ بِما يُعَزِّزُ مَكانَةَ العِراقِ على السّاحَةِ العالَمِيَّة.
وَفي الخِتام، لا بُدَّ مِنَ التشديدِ على أنَّ تَنْويعَ الِاقْتِصادِ العِراقِيِّ ضَرورَةٌ وَطَنِيَّةٌ وَخِيارٌ اقْتِصادِيّ، وَفي هذا المَجالِ تَبْرُزُ أَهَمِّيَّةُ بِناءِ اقْتِصادٍ مُتَماسِكٍ وَقادِرٍ على التَّكَيُّفِ مع المُتَغَيِّراتِ الدَّوْلِيَّة، مِنْ خِلالِ تَفْعيلِ القِطاعاتِ المُنْتِجَة، وَدَعْمِ الِاسْتِثْماراتِ الوَطَنِيَّةِ وَالأَجْنَبِيَّة، وَتَطْويرِ البُنْيَةِ التَّحْتِيَّة، خُصوصًا في القِطاعاتِ الحَيَوِيَّةِ كَالنَّقْل، وَالطّاقَة، وَالزِّراعَة، عِلمًا أنَّ المَشاريعَ الكُبْرى التي تَتَبَنّاها الحُكومَة، لَيْسَتْ فَقَطْ مَشاريعَ بُنْيَةٍ تَحْتِيَّة، بَلْ خُطَّةٌ مُسْتَقْبَلِيَّةٌ تُعيدُ رَسْمَ خَريطَةِ الِاقْتِصادِ العِراقِيّ، وَتَخْلُقُ فُرَصًا لِتَشْغيلِ الشَّباب، وَتَحْقيقِ الِانْفِتاحِ الِاقْتِصادِيِّ على المُحيطِ الإِقْليمِيِّ وَالدَّوْلِي.
(خاص "عروبة 22")

