مَنْ يَملِكُ الرَّغيفَ العَرَبيّ؟ هَكذا تَحَوَّلَتِ السِّلسِلَةُ الغِذائِيَّةُ العَرَبِيَّةُ إلى ساحَةِ نُفوذٍ لِلشَّرِكاتِ والأسواقِ العالَمِيَّة

حينَ يَصِلُ الخُبْزُ إلى المائِدَة، لا نَرى عادَةً الطَّريقَ الطَّويلَةَ التي قَطَعَها: بُذورًا وَأَسْمِدَةً وَقَمْحًا وَذُرَةً وَمَوانِئَ وَسُفُنًا وَصَوامِعَ وَشَبَكاتِ تَوْزيع. لِذَلِكَ باتَتْ مَعْرَكَةُ الغِذاءِ في العالَمِ العَرَبِيِّ تَتَجاوَزُ مَسْأَلَةَ الأَرْضِ الخِصْبَةِ أَوِ الإِنْتاجِ الوَفيرِ لِتَشْمَلَ مَسْأَلَةَ مَنْ يَمْلِكُ هَذِهِ الحَلَقات، وَمَنْ يَسْتَطيعُ أَنْ يُقَرِّرَ مَتى يَصِلُ الغِذاءُ وَبِأَيِّ تَكْلِفَة.

مَنْ يَملِكُ الرَّغيفَ العَرَبيّ؟ 
هَكذا تَحَوَّلَتِ السِّلسِلَةُ الغِذائِيَّةُ العَرَبِيَّةُ إلى ساحَةِ نُفوذٍ لِلشَّرِكاتِ والأسواقِ العالَمِيَّة

المُفارَقَةُ أَنَّ المِنْطَقَةَ العَرَبِيَّة، وَهِيَ مِنْ مَراكِزِ نُشوءِ الزِّراعَةِ تاريخِيًّا، أَصْبَحَتْ مِنْ أَكْثَرِ مَناطِقِ العالَمِ اعْتِمادًا على الخارِجِ في غِذائِها. إِذْ تُشيرُ أَحْدَثُ تَقاريرِ مُنَظَّمَةِ الأَغْذِيَةِ والزِّراعَةِ لِلأُمَمِ المُتَّحِدَةِ (الفاو) إلى أَنَّ 66.1 مِلْيونَ شَخْصٍ في المِنْطَقَة، أَيْ نَحْوَ 14 في المِئَةِ مِنَ السُّكّان، عانوا الجوعَ في عامِ 2023، فيما واجَهَ 186.5 مِلْيونَ شَخْص، أَيْ 39.4 في المِئَة، انْعِدامًا مُتَوَسِّطًا أَوْ شَديدًا في الأَمْنِ الغِذائِيّ، مَعَ ابْتِعادِ المِنْطَقَةِ عَنْ مَسارِ القَضاءِ على الجوعِ المُحَدَّدِ بِحُلولِ عامِ 2030 وِفْقَ أَهْدافِ التَّنْمِيَةِ المُسْتَدامَةِ لِلأُمَمِ المُتَّحِدَة.

تَعْتَمِدُ أَغْلَبِيَّةُ البُلْدانِ العَرَبِيَّةِ على أَسْواقٍ دَوْلِيَّةٍ تَتَحَكَّمُ بِها شَرِكاتٌ عالَمِيَّةٌ لِتَأْمينِ القَمْحِ والزُّيوتِ النَّباتِيَّةِ والأَعْلافِ والسُّكَّر، ما يَجْعَلُ الأَسْعارَ المَحَلِّيَّةَ تَتَأَثَّرُ بِالحَرْبِ في أوكْرانْيا، أَوِ الجَفافِ في أَميرْكا الجَنوبِيَّة، أَوِ اضْطِرابِ المِلاحَةِ في البَحْرِ الأَحْمَر، أَوْ قَفَزاتِ تَكاليفِ التَّأْمينِ والشَّحْنِ البَحْرِي. وَهُنا يَبْرُزُ السُّؤالُ الحَقيقِيّ: هَل يَمْلِكُ العَرَبُ غِذاءَهُم، أَمْ أَنَّهُمْ يَمْلِكونَ فَقَطْ فاتورَةَ اسْتيرادِه؟.

المُزارع العربي الحلقة الأضعف أمام تقلُّبات التكلفة

تَبْدَأُ السَّيْطَرَةُ قَبْلَ الحَقْل، عِنْدَ البِذْرَة. خِلالَ العُقودِ الثَّلاثَةِ الأَخيرَةِ مِنَ الزَّمَن، جَعَلَتِ الِانْدِماجاتُ والِاسْتِحْواذاتُ أَرْبَعَ شَرِكاتٍ مُتَعَدِّدَةِ الجِنْسِيّاتِ تُهَيْمِنُ على أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ سوقِ البُذورِ التِّجارِيَّةِ في العالَم، وَعلى النِّسْبَةِ الأَكْبَرِ مِنْ سوقِ المُبيداتِ الزِّراعِيَّة. وَهَكَذا يَجِدُ مَلايينُ المُزَارِعين، وَبَيْنَهُمْ عَرَب، أَنْفُسَهُمْ أَمامَ مُدْخَلاتٍ تُحَدِّدُ أَسْعارَها وَتَوافُرَها شَرِكاتٌ عالَمِيَّةٌ لا السِّياساتُ الوَطَنِيَّة.

وَلا تَقِفُ السَّيْطَرَةُ هُنا. صارَتِ الأَسْمِدَةُ جُزْءًا مِنْ مُعادَلَةِ القُوَّةِ الجِيوسِياسِيَّة، بَعْدَما أَدّى ارْتِفاعُ أَسْعارِ الغازِ الطَّبيعِيِّ مُنْذَ عامِ 2022 إلى قَفَزاتٍ كَبيرَةٍ في أَسْعارِها. وَمَعَ أَنَّ المَمْلَكَةَ المَغْرِبِيَّةَ والمَمْلَكَةَ العَرَبِيَّةَ السُّعودِيَّةَ طَرَفانِ فاعِلانِ رَئيسِيّانِ في إِنْتاجِ الفوسْفاتِ والأَسْمِدَة، تَبْقى الأَسْواقُ العالَمِيَّةُ هِيَ التي تُحَدِّدُ الأَسْعارَ والِاتِّجاهات، وَيَبْقى المُزارِعُ العَرَبِيُّ الحَلَقَةَ الأَضْعَفَ أَمامَ تَقَلُّباتِ التَّكْلِفَة.

ثُمَّ تَأْتي تِجارَةُ الحُبوب. لا تَحْتاجُ الشَّرِكاتُ الوَسيطَةُ إلى امْتِلاكِ الأَرْضِ كَيْ تُؤَثِّرَ في السّوق؛ يَكْفيها أَنْ تُديرَ شِراءَ المَحاصيلِ وَتَخْزينَها وَشَحْنَها وَتَمْويلَها، وَأَنْ تَحْضُرَ في المَوانِئِ والصَّوامِعِ وَشَبَكاتِ النَّقْلِ والعُقودِ البَعيدَةِ الأَجَل. لِذَلِكَ تَتَّسِمُ التِّجارَةُ بِدَرَجَةٍ عالِيَةٍ مِنَ التَّرَكُّزِ في بَعْضِ حَلَقاتِها، ما يَمْنَحُ عَدَدًا مَحْدودًا مِنَ الشَّرِكاتِ قُدْرَةً مُهِمَّةً على التَّأْثيرِ في الأَسْعارِ وَتَدَفُّقاتِ التِّجارَة، مِنْ دونِ أَنْ يَعْنِيَ ذَلِكَ أَنَّها تَتَحَكَّمُ وَحْدَها في السّوق.

عناصر القوة الزراعية العربية تعمل منفصلة بينما تتحرّك الشركات العالمية كمنظومات متكاملة عابرة للحدود

وَفي المُقابِل، يَزْدادُ اعْتِمادُ البُلْدانِ العَرَبِيَّةِ على الوارِدات، فَيَتَحَوَّلُ أَيُّ اضْطِرابٍ عالَمِيٍّ سَريعًا إلى أَزْمَةٍ مَحَلِّيَّة. تُعَدُّ جُمْهورِيَّةُ مِصْرَ العَرَبِيَّة، وَهِيَ مِنْ أَبْرَزِ البُلْدانِ المُسْتَوْرِدَةِ لِلقَمْحِ في العالَم، مِثالًا صارِخًا: يَرْتَبِطُ سِعْرُ رَغيفِ الخُبْزِ فيها بِالإِنْتاجِ المَحَلِّيّ، وَبِمَحاصيلِ روسْيا وَأوكْرانْيا، وَأَسْعارِ الشَّحْن، وَسِعْرِ الدّولار، وَقَراراتِ حُكوماتِ البُلْدانِ المُصَدِّرَة.

لَكِنَّ المُشْكِلَةَ لا تَكْمُنُ في مَحْدودِيَّةِ المَوارِدِ وَحْدَها، بَل في ضَعْفِ الرَّبْطِ بَيْنَها. يَمْلِكُ العالَمُ العَرَبِيّ، نَظَرِيًّا، مُعْظَمَ عَناصِرِ القُوَّةِ الزِّراعِيَّة: أَراضٍ واسِعَةً في جُمْهورِيَّةِ السّودانِ وَجُمْهورِيَّةِ العِراقِ والجُمْهورِيَّةِ الإِسْلامِيَّةِ المورِيتانِيَّة، وَإِمْكانِيّاتٍ زِراعِيَّةً كَبيرَةً في مِصْرَ والمَغْرِب، وَثَرَواتٍ فوسْفاتِيَّةً ضَخْمَةً في المَغْرِبِ والسُّعودِيَّة، وَرُؤوسَ أَمْوالٍ سِيادِيَّةً في بُلْدانِ الخَليجِ العَرَبِيّ، وَمَوانِئَ تَرْبِطُ آسْيا وَأوروبّا وَأَفْريقْيا. غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ العَناصِرَ تَعْمَلُ في الأَغْلَبِ مُنْفَصِلَة، بَيْنَما تَتَحَرَّكُ الشَّرِكاتُ العالَمِيَّةُ مِنْ ضِمْنِ مَنْظوماتٍ مُتَكامِلَةٍ عابِرَةٍ لِلحُدود.

أَدْرَكَتْ دُوَلُ الخَليجِ هَذِهِ المُعادَلَةَ مُبَكِّرًا. بَدَلًا مِنِ اكْتِفاءٍ ذاتِيٍّ زِراعِيٍّ في بيئَةٍ شَحيحَةِ المِياه، اتَّجَهَتْ إلى الِاسْتِثْمارِ الخارِجِيِّ في أَراضٍ زِراعِيَّة، وَشَرِكاتِ حُبوب، وَمَوانِئ، وَخِدْماتٍ لوجيسْتِيَّة، وَسَلاسِلِ تَصْنيعٍ غِذائِيّ. وَأَصْبَحَتْ شَرِكاتٌ مِثْلُ "سالِك" السُّعودِيَّة، وَ"الظّاهِرَة" الإِماراتِيَّة، جُزْءًا مِنْ شَبَكَةٍ عالَمِيَّةٍ لِضَمانِ تَدَفُّقِ الغِذاءِ وَقْتَ الأَزْمات. لَكِنَّ هَذِهِ الِاسْتْراتيجِيَّةَ لَمْ تَتَحَوَّل إلى مَشْروعٍ عَرَبِيٍّ مُشْتَرَك؛ إِذْ تَبْني كُلُّ دَوْلَةٍ شَبَكَتَها الخاصَّة، فيما تُفاوِضُ دُوَلٌ أُخْرى مُنْفَرِدَةً وَمِنْ مَوْقِعٍ أَضْعَف!.

لم يعُد التعاون العربي خيارًا سياسيًا بل ضرورة اقتصادية

وَيَبْرُزُ السّودانُ مِثالًا مُؤْلِمًا على الفَجْوَةِ بَيْنَ الإِمْكانِيّاتِ والواقِع. هُوَ يَمْلِكُ مِساحاتٍ زِراعِيَّةً واسِعَةً وَمَوارِدَ طَبيعِيَّةً كَبيرَة، لَكِنَّ التَّقْديراتِ الدَّوْلِيَّةَ لِلأَراضي الصّالِحَةِ لِلزِّراعَةِ تَضَعُها عِنْدَ نَحْوِ 21 مِلْيونَ هِكْتارٍ في عامِ 2023، مَعَ تَقْديراتٍ أَوْسَعَ إِذا احْتُسِبَتِ الأَراضي القابِلَةُ لِلِاسْتِصْلاح. لِذَلِكَ رُشِّحَتِ البِلادُ لِعُقودٍ لِتَكونَ "سَلَّةَ غِذاءِ العالَمِ العَرَبِيّ"، لَكِنَّ الحُروبَ وَضَعْفَ البُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ وَعَدَمَ اسْتِقْرارِ السِّياساتِ الزِّراعِيَّةِ حَالَتْ دونَ ذَلِكَ، فيما تُثيرُ الِاسْتِثْماراتُ العَرَبِيَّةُ والأَجْنَبِيَّةُ في أَراضيها نِقاشًا حَوْلَ التَّنْمِيَةِ المَحَلِّيَّةِ وَتَصْديرِ الإِنْتاج.

مِنْ هُنا، لَمْ يَعُدِ التَّعاوُنُ العَرَبِيُّ خِيارًا سِياسِيًّا، بَل ضَرورَةً اقْتِصادِيَّة. يُمْكِنُ تَرْجَمَتُهُ عَبْرَ سوقٍ عَرَبِيَّةٍ لِلغِذاء، وَتَنْسيقِ شِراءِ الحُبوبِ عالَمِيًّا لِزِيادَةِ القُوَّةِ التَّفاوُضِيَّة، وَإِنْشاءِ احْتِياطِيٍّ عَرَبِيٍّ مُشْتَرَكٍ لِلقَمْحِ والسِّلَعِ الأَساسِيَّة، والِاسْتِثْمارِ الجَماعِيِّ في الصَّوامِع، وَسَلاسِلِ التَّبْريد، والمَوانِئ، والنَّقْلِ البَرِّيِّ والبَحْرِيّ، بِالِاسْتِفادَةِ مِنْ أَراضي السّودانِ والعِراقِ وَموريتانْيا الزِّراعِيَّة، وَقاعِدَةِ مِصْرَ والمَغْرِبِ الإِنْتاجِيَّة، واحْتِياطِيّاتِ الفوسْفاتِ في المَغْرِب، وَرُؤوسِ الأَمْوالِ الخَليجِيَّة، والمَوانِئِ المُمْتَدَّةِ مِنَ الخَليجِ إلى البَحْرِ الأَحْمَرِ والبَحْرِ المُتَوَسِّط.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن