النفط ومستقبل الطاقة

الكَهْرَباءُ في العِراق: المُشكِلَةُ وَالحَلّ!

يَعْتَمِدُ العِراقُ اعْتِمادًا كَبيرًا على الوَقودِ الأُحْفورِيّ (الغاز، وَالكاز، وَالنَّفْطِ الأَسْوَد) في تَشْغيلِ مَحَطّاتِ الطّاقَةِ الكَهْرَبائِيَّة، وَبِنِسْبَةِ 99% مُقابِلَ واحِدٍ في المِئَةِ لِلْمَحَطّاتِ الكَهْرومائِيَّة، وَوِفْقًا لِلتَّقْريرِ الإِحْصائِيِّ لِسَنَةِ 2023 الصّادِرِ عَنْ وِزارَةِ الكَهْرَباءِ العِراقِيَّة، فَقَدْ بَلَغَتْ سِعَةُ إِنْتاجِ الكَهْرَباءِ في العِراقِ 17,946 ميغاواط في عامِ 2023، مُقارَنَةً بِـ 15,937 ميغاواط في عامِ 2022.

الكَهْرَباءُ في العِراق: المُشكِلَةُ وَالحَلّ!

وِفْقًا لِوِزارَةِ الكَهْرَباءِ العِراقِيَّة، يَحْتاجُ العِراقُ إلى نَحْوِ 50 أَلْفَ ميغاواط لِسَدِّ حاجَتِهِ مِنَ الطّاقَةِ في فَصْلِ الصَّيْف، وَسْطَ تَوَقُّعاتٍ أَنْ يُواجِهَ العِراق، بِسَبَبِ العُقوباتِ الأَميرْكِيَّة، صُعوباتٍ إِضافيةً إِذا تَوَقَّفَ الغازُ الإِيرانِيُّ الذي يُزَوِّدُ مَنْظومَةَ الكَهْرَباءِ العِراقِيَّةِ بِنَحْوِ 40% مِنْ إِنْتاجِها الحالِيّ (وِزارَةُ الكَهْرَباء، التَّقْريرُ الإِحْصائِيُّ السَّنَوِيّ، 2019، صَفَحاتٌ مُخْتَلِفَة، وَمَوْقِعُ بَياناتِ البَنْكِ الدَّوْلِيّ).

نَرى أَنَّهُ مِنَ الضَّرورِيّ، لِضَمانِ اسْتِمْرارِيَّةِ عَمَلِ الشَّبَكَةِ الكَهْرَبائِيَّةِ وَتَحْسينِ مُسْتَوى الخِدْمَةِ المُقَدَّمَةِ لِلْمُوَاطِنين، تَرْشيدُ الطَّلَبِ على الكَهْرَباءِ مِنْ خِلالِ تَفْعيلِ آلِيّاتِ جِبايَةِ أُجورِ اسْتِهْلاكِ الطّاقَة، خاصَّةً أَنَّ الحُكومَةَ تَدْعَمُ أَسْعارَ تَجْهيزِ الكَهْرَباءِ لِلْمَناطِقِ السَّكَنِيَّةِ بِنِسْبَةِ 75% في إِطارِ سِياسَتِها الرّامِيَةِ إلى تَخْفيفِ الأَعْباءِ المالِيَّةِ عَنِ المُواطِنين.

أسباب تدهور قطاع الكهرباء تتنوّع بين خارجية وداخلية

وَقَدْ بَلَغَ إِنْتاجُ العِراقِ مِنَ الكَهْرَباءِ في عامِ 2025 رَقْمًا قِياسِيًّا غَيْرَ مَسْبوقٍ تَجاوَزَ حاجِزَ (28,000) ميغاواط، في حينِ قُدِّرَتِ الحاجَةُ الفِعْلِيَّةُ لِلْمَنْظومَةِ خِلالَ أَوْقاتِ الذُّرْوَةِ بِنَحْوِ (60,000) ميغاواط، مِمّا يَعْني أَنَّ مِقْدارَ العَجْزِ الهَيْكَلِيِّ وَصَلَ إلى أَكْثَرَ مِنْ (30,000) ميغاواط، وَتُعَدُّ شَبَكَةُ الكَهْرَباءِ في العِراقِ قَديمَةً وَتَفْقِدُ ما بَيْنَ 40% وَ50% مِنَ الطّاقَةِ المُنْتَجَةِ أَثْناءَ نَقْلِها.

وَتَتَفاقَمُ الأَزْمَةُ مَعَ ارْتِفاعِ دَرَجاتِ الحَرارَةِ في الصَّيْفِ وَالزِّيادَةِ السُّكّانِيَّةِ وَالاِسْتِخْدامِ المُتَزايِدِ لأَجْهِزَةِ التَّكْييف، وَكُلُّ ذَلِكَ يُصَعِّبُ على شَبَكَةِ الكَهْرَباءِ مُواكَبَةَ الاِحْتِياج، إِذْ يَحْتاجُ العِراقُ إلى ما بَيْنَ 50 وَ55 أَلْفَ ميغاواط خِلالَ سَاعاتِ الذُّرْوَةِ في الصَّيْف، وَعلى الرَّغْمِ مِنْ ذَلِك، لا تُوَفِّرُ الشَّبَكَةُ سِوى حَوالَيْ 27 أَلْفَ ميغاواط.

وَأَوْضَحَ خُبَراءُ "مَعْهَدِ بَيْكِر لِلسِّياسَةِ العامَّة" التّابِعِ لِجامِعَةِ "رايْس"، أَنَّهُ يَتِمُّ تَوْصيلُ المَنْزِلِ بِالمُوَلِّدِ عَبْرَ ما يُعْرَفُ بِـ"قاطِعِ الدّائِرَةِ الأوتوماتيكِيِّ" الذي يُوَفِّرُ الكَهْرَباءَ على أَساسِ الأَمْبيرات، وَخَلُصَتْ دِراسَاتٌ سابِقَةٌ حَوْلَ تِجارَةِ المُوَلِّداتِ الكَهْرَبائِيَّةِ غَيْرِ الخاضِعَةِ لِلرَّقابَةِ الحُكومِيَّةِ إلى أَنَّ العَوائِلَ العِراقِيَّةَ قَدْ تُنْفِقُ أَكْثَرَ مِنْ 4 مِلْياراتِ دولارٍ سَنَوِيًّا. وَقالَ تَقْريرُ مَعْهَدِ بَيْكِر إِنَّ هَذِهِ المُوَلِّداتِ تُشَكِّلُ مَخاطِرَ جَسيمَةً على الصِّحَّةِ العامَّةِ وَالبيئَةِ بِسَبَبِ الضَّوْضاءِ الشَّديدَةِ وَتَلَوُّثِ الهَواء.

إِنَّ أَسْبابَ تَدَهْوُرِ قِطاعِ الكَهْرَباءِ تَتَنَوَّعُ بَيْنَ خارِجِيَّةٍ تَتَمَثَّلُ في الاِنْكِشافِ المُفْرِطِ على طَهْرانَ كَمَصْدَرٍ وَحيدٍ لِلْغاز، وَتَذَبْذُبِ العَلاقاتِ مَعَ تُرْكيا بِسَبَبِ نَفْطِ كُرْدِسْتان، وَداخِلِيَّةٍ تَشْمَلُ نَقْصَ الوَقودِ المَحَلِّيِّ نَتيجَةَ اسْتِمْرارِ حَرْقِ الغازِ المُصاحِبِ وَتَأَخُّرِ مَشْروعاتِ مُعالَجَتِه، بِالإِضافَةِ إلى التَّعْرِفَةِ المُنْخَفِضَةِ وَالضَّعْفِ في الجِبايَة، فَضْلًا عَنْ تَعَرُّضِ الشَّبَكَةِ لِـ"فاقِدٍ" كَبيرٍ، سَواءٌ لِأَسْبابٍ فَنِّيَّةٍ أَوْ لِسَرِقات.

يَسْتَوْجِبُ الأَمْرُ ضَرورَةَ التَّحَوُّلِ نَحْوَ الطَّاقَةِ المُتَجَدِّدَة، عَبْرَ تَحْفيزِ الاِسْتِثْمارِ في مَزارِعِ الشَّمْسِ وَالرِّياح. وَتُشيرُ تَقْديراتٌ بَحْثِيَّةٌ إلى أَنَّ الطّاقَةَ النَّظيفَةَ يُمْكِنُ أَنْ تَتَجاوَزَ 70% مِنْ إِنْتاجِ الكَهْرَباءِ في الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ بِحُلولِ مُنْتَصَفِ القَرْن، مُتَقَدِّمَةً على الوَقودِ الأُحْفورِيِّ بَيْنَ 2040 وَ2050، مَعَ اسْتِحْواذِ الطّاقَةِ الشَّمْسِيَّةِ على نِصْفِ الإِمْدادات. هَذا المَسارُ يُعَزِّزُ الاِقْتِصادَ الأَخْضَر، الذي يُخَفِّضُ الاِنْبِعاثاتِ الكَرْبونِيَّة.

لا بد من توسيع شبكات النقل والتوزيع وتحصيل الجباية وإشراك القطاع الخاص في منظومة الطاقة

وَلِأَجْلِ تَلافي مَشاكِلِ نَقْصِ الطّاقَةِ الكَهْرَبائِيَّةِ الَّتِي يُعانيها المُسْتَهْلِكُ في العِراق، يَتَطَلَّبُ الأَمْرُ العَمَلَ على أُمورٍ عِدَّة، مِنْ بَيْنِها وَضْعُ خُطَّةٍ لِلطّاقَةِ الكَهْرَبائِيَّةِ مِنْ قِبَلِ الوِزاراتِ المُخْتَصَّةِ كَوِزارَةِ التَّخْطيطِ وَوِزارَةِ الكَهْرَباءِ وَوِزارَةِ النَّفْط، تَهْدِفُ إلى زِيادَةِ الطّاقَةِ الإِنْتاجِيَّةِ وَإِنْتاجِ الطّاقَةِ الكَهْرَبائِيَّةِ انْسِجامًا مَعَ الزِّيادَةِ السُّكّانِيَّةِ المُتَزايِدَةِ في العِراق.

وَفي الخِتام، لا بُدَّ مِنْ تَوْسيعِ شَبَكَاتِ النَّقْلِ وَالتَّوْزيعِ لِأَجْلِ شُمولِ المَناطِقِ الجَديدَة، إلى جانِبِ تَحْصيلِ الجِبايَةِ بِشَكْلٍ كُفْءٍ وَبِشَكْلٍ خاصٍّ الجِبايَةَ الكَهْرَبائِيَّةَ وَذَلِكَ لِأَجْلِ سَدِّ مُتَطَلَّباتِ مَنْظومَةِ الطّاقَةِ الكَهْرَبائِيَّةِ وَتَرْشيدِ اسْتِخْدامِها، وَأَخيرًا إِشْراكُ القِطاعِ الخاصِّ في مَنْظومَةِ الطّاقَةِ الكَهْرَبائِيَّةِ على أَنْ يَكونَ مُنافِسًا وَمُراقَبًا.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن