بَدا أَنَّ الحِوارَ الإعْلامِيَّ معَ وزيرِ المالِيَّةِ الأسْبَقِ يوسف بطرس غالي يَسْتَهْدِفُ إِعادَةَ تَقْديمِهِ وَتَسْويقِه، فاتحًا البابَ أَمامَ تَكَهُّناتٍ بِشَأْنِ دَوْرِهِ الحالِيِّ أَو المُسْتَقْبَلِيّ، وَدافِعًا إلى إعادَةِ البَحْثِ في ماضيه، وما انْتَهَت إِلَيْهِ السِّياساتُ التي ارْتَبَطَ اسمُهُ بِها، والتي كانَتْ مِن أَبْرَزِ العَوامِلِ التي أَسْهَمَت في إِسْقاطِ نظامِ حسني مبارك بِثَوْرَةٍ شَعْبِيَّةٍ خَرَجَت، في المَقامِ الأوَّل، احْتِجاجًا على نَموذَجٍ تَنْمَويٍّ لم تَكُنْ غالِبِيَّةُ المِصْريّينَ تَجْني ثِمارَه، وعلى نِظامٍ سِياسِيٍّ وَجَدَ فيهِ رِجالُ المُؤَسَّساتِ المالِيَّةِ الدَّوْلِيَّةِ مَساحَةً واسِعَةً للتَّأْثير، بَيْنَما انْشَغَلوا بِالأَرْقامِ والمُؤَشِّراتِ الإيجابِيَّةِ المُجَرَّدَةِ التي تُزَيِّنُ تَقاريرَهُم، مِن دونِ أَن تَجِدَ انْعِكاسًا حَقيقِيًّا في حَياةِ النّاس.
ومِن بَيْنِ ما أُثيرَ على خَلْفِيَّةِ هَذا الحِوار، عادَت إلى الواجِهَةِ مُذَكِّراتُ رَئيسِ الوُزَراءِ المِصْرِيِّ الأسْبَقِ الدُّكْتورِ كمالِ الجنزوري، التي خَصَّصَ في أَحَدِ فُصولِها مَساحَةً واسِعَةً للحَديثِ عن يوسفَ بطرس غالي، بِلُغَةٍ مُباشِرَةٍ لا تَحْتَمِلُ التَّأْويل.
لم يعُد المطلوب احتلال الأرض بل احتلال الموازنة العامة والسيطرة على القرار الاقتصادي والسياسات المالية والنقدية
وَمِنْ أَخْطَرِ ما أَوْرَدَهُ الجَنْزورِيّ عَنْ وَزيرِ المالِيَّةِ في حُكومَتِه، اتِّهامُهُ بِالوَلاءِ لِلمُؤَسَّساتِ المالِيَّةِ الدَّوْلِيَّة؛ إِذْ لَمْ يَكْتَفِ بِالقَوْلِ إِنَّ يوسف بطرس غالي كانَ مُؤَيِّدًا لِسِياساتِ صُنْدوقِ النَّقْدِ وَالبَنْكِ الدَّوْلِيَّيْن، بَل ذَهَبَ إِلى أَبْعَدَ مِنْ ذَلِك، مُعْتَبِرًا إِيّاهُ "عَميلًا لِلمُؤَسَّساتِ النَّقْدِيَّةِ الأَجْنَبِيَّة"، وَرَأى أَنَّهُ اسْتَغَلَّ المَناصِبَ التي شَغَلَها لِتَرْسيخِ نُفوذِ تِلكَ المُؤَسَّساتِ داخِلَ الدَّوْلَةِ المِصْرِيَّةِ وَتَنْفيذِ أَجَنْدَتِها. كَما اتَّهَمَهُ بِتَسْريبِ المَعْلوماتِ وَالتَّأْثيرِ في القَرارِ المِصْرِيّ، قائِلًا إِنَّهُ كانَ يَنْقُلُ مَعْلوماتٍ وَيُؤَثِّرُ في صِناعَةِ القَرارِ بِما يَخْدُمُ المُؤَسَّساتِ الدَّوْلِيَّة.
كانَ مِنْ بَيْنِ الأَهْدافِ الأَساسِيَّةِ لِـ"ثَوْرَةِ يوليو" عام 1952 "القَضاءُ على الاسْتِعْمارِ وَأَعْوانِه"، وَبِناءُ اسْتِقْلالٍ وَطَنِيٍّ انْعَكَسَ في مَشْروعٍ تَنْمَوِيٍّ مُسْتَقِلٍّ وَمُتَحَرِّرٍ مِنْ شُروطِ الخارِج، وَمُتَوافِقٍ مَعَ احْتِياجاتِ المُجْتَمَعِ المِصْرِيِّ وَأَوْلَوِيّاتِه، التي لَمْ تَكُنْ تَنْفَصِلُ عَنْ أَهْدافِ الشَّعْبِ في العَيْشِ الكَريم، وَالتَّعْليم، وَالصِّحَّة، وَالتَّشْغيل، وَالتَّصْنيع، وَالتَّنْمِيَةِ الزِّراعِيَّة، وَالنُّهوضِ بِالرّيف.
وَمِنْ بَيْنِ مَنْ اعْتَبَرَتْهُمْ "ثَوْرَةُ يولْيو" مِنْ أَعْوانِ الاسْتِعْمارِ، وِفْقَ أَدَبِيّاتِها، أَحَدُ أَبْرَزِ أَجْدادِ عائِلَةِ غالي، الذي ارْتَبَط، بِحَسَبِ العَديدِ مِنَ المَصادِرِ التّاريخِيَّةِ المُعْتَبَرَة، بِمَصالِحِ الاسْتِعْمارِ البَريطانِيِّ الذي جَثَمَ على مِصْرَ لِمُدَّةِ اثْنَيْنِ وَسَبْعينَ عامًا. وَلا يَنْسى المِصْرِيّونَ دَوْرَ بطرس باشا غالي في مَحْكَمَةِ دِنْشُواي، التي تَرَأَّسَها وَأَصْدَرَتْ أَحْكامًا بِالإِعْدامِ على عَدَدٍ مِنَ الفَلّاحينَ المِصْرِيّين، كَما لا يُنْسى دَوْرُهُ كَرَئيسٍ لِلوُزَراءِ قَبْلَ اغْتِيالِهِ مَطْلَعَ القَرْنِ الماضي، حينَ حاوَلَ مَدَّ امْتِيازِ قَناةِ السُّوَيْسِ بِما يَخْدُمُ المَصالِحَ البَريطانِيَّة.
لَكِنَّ الاسْتِعْمارَ العَسْكَرِيَّ، الذي أَسْهَمَتْ "ثَوْرَةُ يولْيو" في تَصْفِيَتِهِ داخِلَ المِنْطَقَةِ وَالقارَّةِ الأَفْريقِيَّة، وَدَعَمَتْ حَرَكاتِ التَّحَرُّرِ الوَطَنِيِّ في مُواجَهَةِ نُفوذِه، عادَ في صورَةٍ جَديدَةٍ أَكْثَرَ تَعْقيدًا، عَبْرَ نُفوذٍ مالِيٍّ وَاقْتِصادِيٍّ تُمارِسُهُ مُؤَسَّساتٌ دَوْلِيَّة، وَبِواسِطَةِ نُخَبٍ أَصْبَحَتْ وَلاءاتُها لِهذا الاسْتِعْمارِ الجَديدِ أَقْوى مِنْ وَلائِها لِأَوْطانِها وَاسْتِقْلالِها.
تحوّلت اقتصادات عربية إلى اقتصادات تقوم على الرّيع أكثر من الإنتاج وعلى الاستدانة أكثر من الادّخار والاستثمار
لَيْسَتِ المُشْكِلَةُ في صُنْدوقِ النَّقْدِ الدَّوْلِيِّ أَوِ البَنْكِ الدَّوْلِيّ، بِاعْتِبارِهِما مُؤَسَّسَتَيْنِ دَوْلِيَّتَيْنِ في حَدِّ ذاتِهِما، وَإِنَّما في طَبيعَةِ العَلاقَةِ غَيْرِ المُتَكافِئَةِ التي تَنْشَأُ عِنْدَما تُصْبِحُ وَصْفاتُهُما الاقْتِصادِيَّةُ شَرْطًا لِلحُصولِ على التَّمْويل، وَحينَ تَتَحَوَّلُ القُروضُ إِلى وَسيلَةٍ لِإِعادَةِ تَشْكيلِ أَوْلَوِيّاتِ الدَّوْلَةِ وَسِياساتِها الاقْتِصادِيَّةِ وَالاجْتِماعِيَّة، وَحينَ تَبْدو تِلكَ المُؤَسَّساتُ وَكَأَنَّها تَتَفاوَضُ مَعَ نَفْسِها؛ لِأَنَّ مَنْ يُمَثِّلُ الحُكوماتِ أَمامَها هُمْ رِجالُها.
وَلَعَلَّ هَذا ما يُفَسِّرُ أَنَّ الوَصْفاتِ الِاقْتِصادِيَّةَ لِتِلكَ المُؤَسَّساتِ تَكادُ تَكونُ ثابِتَة، فَلا يَكادُ يوجَدُ فارِقٌ بَيْنَ ما يُطْلَبُ مِنْ دَوْلَةٍ أَفْريقِيَّةٍ وَما يُطْلَبُ مِنْ دَوْلَةٍ في أَميركَا الجَنوبِيَّة. فَالشُّروطُ واحِدَة، وَلا تَقِفُ عِنْدَ حُدودِ تَحْريرِ سِعْرِ الصَّرْف، وَرَفْعِ أَسْعارِ الوَقود، وَإِلغاءِ الدَّعْم، بَل تَمْتَدُّ إلى فَرْضِ سِياساتِ التَّقَشُّف، وَالتَّوَسُّعِ في الِاسْتِدانَة، وَبَيْعِ الأُصولِ العامَّة.
هُنَا يَبْدَأُ الِاسْتِعْمارُ الجَديد. فَلَمْ يَعُدِ المَطْلوبُ احْتِلالَ الأَرْض، بَلِ احْتِلالَ المُوازَنَةِ العَامَّة. وَلَمْ يَعُدِ الهَدَفُ السَّيْطَرَةَ على العَواصِم، بَلِ السَّيْطَرَةَ على القَرارِ الِاقْتِصادِيِّ وَالسِّيَاساتِ المالِيَّةِ وَالنَّقْدِيَّة. وَلَمْ يَعُدِ النُّفوذُ يُمارَسُ عَبْرَ الجُيوشِ أَوِ التَّهْديدِ العَسْكَرِيِّ، وَإِنَّما عَبْرَ شُروطِ القُروض، وَبَرَامِجِ "الإِصْلاح"، وَتَقاريرِ التَّصْنيفِ الِائْتِمانِيّ.
وَمِنْ هُنا تَحَوَّلَتِ اقْتِصاداتٌ عَرَبِيَّةٌ مِنْ نَماذِجَ لِلتَّنْمِيَةِ الوَطَنِيَّةِ الشّامِلَة، اعْتَمَدَتْ على التَّصْنيع، وَالزِّراعَة، وَالِاسْتِثْمارِ في الإِنْسان، وَتَوْسيعِ القاعِدَةِ الإِنْتاجِيَّة، إلى اقْتِصاداتٍ يَقومُ جانِبٌ كَبيرٌ مِنْها على الرَّيْعِ أَكْثَرَ مِمّا يَقومُ على الإِنْتاج، وَعلى الِاسْتِدانَةِ أَكْثَرَ مِمّا يَقومُ على الِادِّخارِ وَالِاسْتِثْمار، وَانْتَقَلَتْ مِنْ بِناءِ المَصانِعِ إلى بَيْعِ الأُصول!.
التخلّف هو نتيجة لبنية النظام الاقتصادي العالمي الذي يُعيد إنتاج التبعية
وَقَدْ وَصَفَ الزَّعيمُ الغانِيُّ كوامي نكروما الِاسْتِعْمارَ الجَديدَ بِأَنَّهُ آخِرُ مَراحِلِ الإِمْبِرْيالِيَّة. كَما تَحَدَّثَ مُفَكِّرونَ وَاقْتِصادِيّونَ كَثيرونَ عَنْ هَذا الخَلَل، وَمِنْ أَبْرَزِهِمُ الِاقْتِصادِيُّ الأَرْجَنْتِينِيُّ راؤولُ بِرِيبِيش، الذي رَأى أَنَّ الِاقْتِصادَ العالَمِيَّ لا يَعْمَلُ دائِمًا وِفْقَ قَواعِدِ المُنافَسَةِ الحُرَّةِ التي تُدَرَّسُ في الكُتُب، بَل يَقومُ على عَلاقَةٍ غَيْرِ مُتَكافِئَةٍ بَيْنَ "المَرْكَزِ" الصِّناعِيِّ وَ"الأَطْرافِ" المُصَدِّرَةِ لِلمَوادِّ الخامّ، بِما يُؤَدّي إلى تَدَهْوُرِ شُروطِ التَّبادُلِ التِّجارِيِّ بِمُرورِ الزَّمَنِ على حِسابِ الدُّوَلِ النّامِيَة.
وَطَوَّرَ الِاقْتِصادِيُّ المِصْرِيُّ سَمير أمِين هَذِهِ الرُّؤْيَة، مُؤَكِّدًا أَنَّ التَّخَلُّفَ لَيْسَ مُجَرَّدَ عَجْزٍ داخِلِيٍّ، بَل هُوَ نَتيجَةٌ لِبُنْيَةِ النِّظامِ الِاقْتِصادِيِّ العالَمِيّ، الذي يُعيدُ إِنْتاجَ التَّبَعِيَّةِ وَيَمْنَعُ دُوَلَ الأَطْرافِ مِنَ اللِّحاقِ بِالمَرْكَز، ما لَمْ تَمْتَلِكْ مَشْروعًا وَطَنِيًّا مُسْتَقِلًّا لِلتَّنْمِيَة.
تَغَيَّرَتْ أَدَواتُ الهَيْمَنَة، وَتَغَيَّرَ شَكْلُ الِاسْتِعْمار، وَبَقِيَ الوَلاءُ الوَظيفِيُّ لِرِجالِ الِاسْتِعْمارِ ثابِتًا لا يَتَغَيَّر!.
(خاص "عروبة 22")

