الحوكمة والديموقراطية

جَدَلِيَّةُ الثَّوْرَةِ والانقِلابِ في مِصر!

عَجيبَةٌ هِيَ ثَوْراتُ مِصْرَ وَانْقِلاباتُها، فَبَيْنَ البِداياتِ وَالنِّهاياتِ ثَمَّةَ مُفارَقات. يُفْتَرَضُ في الثَّوْرَةِ أَنَّها عَمَلٌ اسْتِثْنائِيٌّ، يَقومُ بِهِ جُمْهورٌ غَفيرٌ يُمَثِّلُ أَغْلَبِيَّةَ شَعْبِه، يَنْشُدُ مُثُلًا عُلْيا، تَكادُ تُطاوِلُ المُطْلَقاتِ الدّينِيَّة، كالحُرِّيَّةِ وَالعَدالَةِ وَالمُساواة، يَبْدو المَوْتُ مِنْ أَجْلِها، لَدى الثّائِر، أَفْضَلَ مِنَ الحَياةِ مِنْ دونِها. وَعلى هَذا يَعْكِسُ الحَماسُ الثَّوْرِيُّ مَشاعِرَ دينِيَّةً في الصَّميم، لَكِنَّها أَخَذَتْ طابِعًا دُنْيَوِيًّا، فَبَدَلًا مِنِ انْتِظارِ المُؤْمِنينَ الأَبْرارِ لِلحَياةِ الفاضِلَةِ في المَلَكوتِ الأُخْرَوِيّ، يَسْعى الثُّوّارُ الأَحْرارُ إلى تَجْسيدِ تِلْكَ الحَياةِ الفاضِلَةِ الآن، وَعلى هَذِهِ الأَرْض.

جَدَلِيَّةُ الثَّوْرَةِ والانقِلابِ في مِصر!

يُفْتَرَضُ، وَالحالُ هَذا، أَنْ تَتْرُكَ الثَّوْرَةُ أَثَرًا واضِحًا، إِنْ لَمْ يَكُنْ جَذْرِيًّا، في حَياةِ الشَّعْبِ الثّائِر، وَأَنْ يَكونَ الأَثَرُ إيجابِيًّا، فَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقِ التَّغْييرُ أَصْلًا أَوِ اتَّخَذَ اتِّجاهًا سَلْبِيًّا انْتَفى مَغْزى الثَّوْرَة.

إِذا ما طَبَّقْنا هَذا المِعْيار، مِعْيارَ التَّغْييرِ الجَذْرِيِّ إلى الأَفْضَل، على تاريخِ مِصْرَ المُعاصِر، لاحَظْنا المُفارَقَةَ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَحْداثٍ كُبْرى وُصِفَتْ بِالثَّوْرِيَّة:

الحَدَثُ الأَوَّلُ هُوَ حَرَكَةُ الجَماهيرِ في 1919 تَأْييدًا لِلزَّعيمِ سَعْد زَغْلول في المُطالَبَةِ بِاسْتِقْلالِ مِصْرَ عَنْ بَريطانْيا، وَقَدْ نَتَجَ عَنْهُ تَشْكيلُ حِزْبِ الوَفْد، وَنَيْلُ اسْتِقْلالٍ اسْمِيٍّ بِتَصْريحِ 28 فِبْرايِر/شُباطَ 1922، وَوَضْعُ دُسْتورِ 1923، وَتَدْشينُ الحِقْبَةِ المَوْصوفَةِ بِاللّيبيرالِيَّة، وَإِنْ كانَتْ شِبْهَ ليبيرالِيَّة، وُلِدَتْ مِنْ رَحِمِها حَرَكَةٌ ثَقافِيَّةٌ يُمْكِنُ وَسْمُها بِالتَّنْويرِيَّة، حاوَلَتْ إِحْداثَ قَطيعَةٍ تاريخِيَّةٍ مَعَ الإِرْثِ الثَّقافِيِّ التَّقْليدِيِّ الذي هَيْمَنَ عَلَيْهِ النَّقْلُ وَالِاتِّباع. وَلَكِنَّ الضَّعْفَ السِّياسِيَّ النّاجِمَ عَنِ الِاحْتِلالِ البَريطانِيّ، وَضُغوطِ القَصْر، جَعَلَ أُفُقَ تِلكَ الحَرَكَةِ مَسْدودًا، فَلَمْ تُحْدِثِ التَّغْييرَ الِاقْتِصادِيَّ المَنْشود، وَظَلَّ الجَسَدُ الِاجْتِماعِيُّ المِصْرِيُّ رَعَوِيًّا عِنْدَ القاعدَة. وَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الطَّبَقاتِ الشَّعْبِيَّةَ كانَتْ تُصَوِّتُ دائِمًا لِصَالِحِ "الوَفْد"، فَإِنَّ الحِزْبَ لَمْ يَحْكُمْ سِوى سَبْعِ سَنَواتٍ طِوالَ ثَلاثَةِ عُقود، لَمْ يَتَحَرَّكْ خِلالَها خُطْوَةً واحِدَةً على طَريقِ الإِصْلاحِ الزِّراعِيِّ لِحَلِّ ما أُسْمِيَ آنَذاكَ بِـ"المُشْكِلَةِ الِاجْتِماعِيَّة"، بَل إِنَّ مَشْروعًا مُتَواضِعًا لِمُكافَحَةِ الحَفاءِ في الرّيفِ المِصْرِيِّ اسْتَمَرَّ طَرْحُهُ على البَرْلَمانِ طيلَةَ الأَرْبَعينِيّاتِ مِنْ دونِ حَسْم.

الثورات التحرّرية إن لم تنجح في الإمساك بالسلطة أفضت إلى نُظُم أكثر تسلّطية ممّا كان قبلها

الحَدَثُ الثّاني هُوَ حَرَكَةُ الجَيْشِ ضِدَّ الِاحْتِلالِ وَالسُّلْطَةِ المَلَكِيَّةِ لَيْلَةَ الثَّالِثِ وَالعِشْرِينَ مِنْ يولْيو/تَمّوزَ 1952، وَاسْتيلاؤُهُ صَباحَ اليَوْمِ التّالي على السُّلْطَةِ مِنْ دونِ أَيِّ حِراكٍ جَماهيرِيّ. احْتارَ الكُتّابُ وَالمُفَكِّرونَ في وَصْفِ الحَدَثِ الذي سُرْعانَ ما نالَ تَأْييدًا شَعْبِيًّا كاسِحًا، فَأَسْماهُ طَهَ حُسَيْن بِالحَرَكَةِ المُبارَكَة، وَمَعَ تَوالي الأَحْداثِ وَسُفورِ دَوْرِ جَمال عَبْدِ الناصِر صارَتِ الحَرَكَةُ أَكْبَرَ ثَوْراتِ مِصْر. فَعَبْرَ مَشْروعٍ تَحْديثِيّ، وَلَوْ سُلْطَوِيّ، تَمَكَّنَ عَبْدُ الناصِر مِنْ بِناءِ طَبَقَةٍ وُسْطى واسِعَةٍ تَكادُ تَحْتَوي مُعْظَمَ شَرائِحِ المُجْتَمَعِ على الرَّغْمِ مِنْ مَحْدودِيَّةِ مَعارِفِها نِسْبِيًّا، وَتَكْوينِها البيروقْراطِيِّ غالِبًا، أَهَمُّ رَكائِزِها: الجَيْشُ الوَطَنِيّ، وَالتَّعْليمُ الإِلْزامِيُّ الواسِعُ وَالجامِعِيُّ المَجّانِيّ، وَحَرَكَةُ التَّصْنيعِ الشّامِلَة. وَبِفَضْلِ هَذِهِ الطَّبَقَةِ تَشَكَّلَتْ كُتْلَةٌ تاريخِيَّةٌ حَديثَة، وَدَوْلَةٌ وَطَنِيَّةٌ مُسْتَقِلَّة، تَخوضُ حُروبَها بِجُنودِها، وَتَخوضُ غِمارَ السِّياسَةِ العالَمِيَّةِ كَأُمَّة، تَمَكَّنَتْ مِنْ طَرْدِ الِاحْتِلالِ البَريطانِيّ، وَاسْتِعادَةِ قَناةِ السُّوَيْسِ التي حَفَرَها المِصْرِيّونَ بِدِمائِهِمْ بَعْدَ حَرْبٍ شَنَّتْها دُوَلُ العُدْوانِ الثُّلاثِيّ: إِنْجلتَرا وَفَرَنْسا وَإِسْرائيل، انْتَهَتْ عَسْكَرِيًّا بِالهَزيمَة، وَلَكِنَّها كانَتِ انْتِصارًا سِياسِيًّا وَأَخْلاقِيًّا، مَثَّلَ إِلْهامًا كَبيرًا لِنَزْعَةِ التَّحَرُّرِ القَوْمِيِّ العَرَبِيّ، وَلِنِضالِ الجَنوبِ العالَمِيِّ في مُواجَهَةِ الهَيْمَنَةِ الغَرْبِيَّة.

أَمّا الحَدَثانِ الثّالِثُ وَالرّابِعُ فَمُتَداخِلان، وَهُما 25 يَنايِرَ/كانونَ الثّاني وَ30 يونْيو/حُزَيْران. كِلاهُما سَبَقَهُ حِراكٌ جَماهيرِيٌّ وَاضِح، حازَ مَعَهُ وَصْفَ الثَّوْرَةِ مُبَكِّرًا وَمُباشَرَةً، لَكِنَّهُما لَمْ يُنْتِجا أَثَرًا ثَقافِيًّا عَميقًا كَحَدَثِ 1919، أَوْ تَغْييرًا اقْتِصادِيًّا وَاجْتِماعِيًّا كَبيرًا كَحَدَثِ 23 يولْيو/تَمّوز، بَل إِنَّهُما دَفَعا مِصْرَ إلى وَضْعٍ أَكْثَرَ قَلَقًا وَتَعْقيدًا على شَتّى الأَصْعِدَةِ تَقْريبًا، رُبَّما لِأَنَّهُما أُجْهِضَا قَبْلَ أَنْ يَكْتَمِلا. وَهُنا تُلْهِمُنا الخِبْرَةُ التّاريخِيَّةُ بِأَنَّ الثَّوْراتِ التَّحَرُّرِيَّةَ إِنْ لَمْ تَنْجَحْ في الإِمْساكِ بِالسُّلْطَة، أَفْضَتْ إلى نُظُمٍ أَكْثَرَ تَسَلُّطِيَّةً مِمّا كانَ قَبْلَها، إِذْ تَسْتَفِزُّ القُوى الرَّجْعِيَّةَ وَتَحْشُدُها لِلدِّفاعِ عَنْ نَفْسِها، وَمِنْ ثَمَّ تَتَجَدَّدُ دَوْرَةُ الِاسْتِبْداد.

أنتج الجيش نظامًا سياسيًا تقلّ فيه الحريات العامة وتتضاعف فيه المصاعب الحياتية

لَقَدْ فَشِلَ الشَّبابُ الذينَ فَجَّروا 25 يَنايِرَ/كانونَ الثّاني في تَنْظيمِ أَنْفُسِهِمْ وَقِيادَةِ عَمَلِيَّةِ التَّحَوُّل، لِتَقْتَنِصَ جَماعَةُ "الإِخْوانِ المُسْلِمين"، بِكُلِّ رَجْعِيَّتِها الدّينِيَّةِ وَالسِّياسِيَّة، حُكْمَ البِلاد. وَلِأَنَّ الحُرِّيَّةَ كانَتِ الهاجِسَ الأَساسِيَّ لِلحَدَث، كانَ ضَرورِيًّا أَنْ يَتَحَرَّكَ المِصْرِيّونَ ضِدَّ الجَماعَة، كَما جَرى في 30 يونْيو/حُزَيْران، الذي بَدا حَدَثًا ثَوْرِيًّا حَقيقِيًّا، اسْتَلزَمَتِ المُلابَساتُ المُحيطَةُ بِهِ أَنْ تَقومَ الجَماهيرُ الثّائِرَةُ بِتَفْويضِ الجَيْشِ الوَطَنِيِّ لِاسْتِلامِ السُّلْطَةِ مِنَ الجَماعَةِ الدّينِيَّة، فَنَهَضَ بِالمُهِمَّة، وَلَكِنْ على طَريقَتِهِ الخاصَّة، فَأَنْتَجَ نِظامًا سِياسِيًّا تَقِلُّ فيهِ الحُرِّياتُ العَامَّةُ بِالقِياسِ إلى زَمَنِ الرَّئيسِ الأَسْبَقِ مُبارَك، وَتَتَضاعَفُ فيهِ المَصاعِبُ الحَياتِيَّةُ بِالقِياسِ إلى كُلِّ حُقَبِ العَصْرِ الجُمْهورِيّ، وَإلى دَرَجَةٍ باتَتْ تُحَاصِرُ الطَّبَقَةَ الوُسْطى، بَل تَكادُ تُدَمِّرُها. وَمِنْ ثَمَّ تَبْدو المُفارَقَةُ الكُبْرى، فالثَّوْرَةُ الحَقيقِيَّةُ التي غَيَّرَتْ وَجْهَ الحَياةِ في مِصْرَ قَدْ وُلِدَتْ مِنْ رَحِمِ ذَلِكَ الحَدَثِ الذي بَدا لِلوَهْلَةِ الأولى انْقِلابًا عَسْكَرِيًّا كامِلًا!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن