في التّاريخِ المِصْرِيِّ الحَديث، تَبْرُزُ ثَوْرَتا 1919 وَ1952 بِوَصْفِهِما التَّجْرِبَتَيْنِ الأَكْثَرَ تَأْثيرًا في مَسارِ بِناءِ الدَّوْلَةِ الحَديثَة؛ إِذْ مَثَّلَتْ كُلٌّ مِنْهُما لَحْظَةَ تَأْسيسٍ كُبْرى تَجاوَزَتْ حُدودَ الِاحْتِجاجِ إلى تَغْييرِ السُّلْطَة، وَمِنْ ثَمَّ إلى إِعادَةِ صِياغَةِ العَلاقَةِ بَيْنَ الدَّوْلَةِ وَالمُجْتَمَع.
أَهَمِّيَّةُ التَّجْرِبَتَيْنِ لا تَكْمُنُ في ما أَنْجَزَتاهُ عِنْدَ لَحْظَةِ التَّأْسيسِ فَحَسْب، بَلْ في ما تَكْشِفانِهِ مِنْ سُؤالٍ ظَلَّ حاضِرًا في كُلِّ مَشْروعٍ لِلتَّغْيير: كَيْفَ تَنْجَحُ الثَّوْرَةُ في بِناءِ نِظامٍ جَديد، ثُمَّ كَيْفَ تَجْتازُ اخْتِبارَ الِاسْتِمْرار؟ وَلِماذا تَسْتَطيعُ بَعْضُ الثَّوْراتِ أَنْ تُؤَسِّس، لَكِنَّها تَعْجِزُ عَنْ تَجْديدِ مَشْروعِها عِنْدَما تَدْخُلُ مَرْحَلَةَ الدَّوْلَة؟.
المشكلة ليست في تأسيس مشروع جديد بل في كيفية انتقال هذا المشروع من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة
قَدَّمَتْ "ثَوْرَةُ 1919" نَموذَجًا بَدَأَ مِنَ المُجْتَمَع، حينَ تَحَوَّلَتِ الإِرادَةُ الشَّعْبِيَّةُ إلى شَرْعِيَّةٍ سِياسِيَّة، ثُمَّ إلى مُؤَسَّساتٍ دُسْتورِيَّةٍ حَديثَة، بَيْنَما قَدَّمَتْ "ثَوْرَةُ يوليو" نَموذَجًا بَدَأَ مِنَ الدَّوْلَة، حينَ تَحَوَّلَتْ سُلْطَةُ التَّغْييرِ إلى مَشْروعٍ لِلِاسْتِقْلالِ وَلِإِعادَةِ بِناءِ المُجْتَمَعِ وَالِاقْتِصاد.
اخْتَلَفَ الطَّريقُ في كِلْتَا التَّجْرِبَتَيْن، لَكِنَّهُما الْتَقَتا عِنْدَ حَقيقَةٍ واحِدَة: أَنَّ الثَّوْرَةَ لا تُقاسُ بِلَحْظَةِ انْتِصارِها، وَإِنَّما بِقُدْرَتِها على تَحْويلِ الإِنْجازِ الأَوَّلِ إلى مَشْروعٍ تاريخِيٍّ قادِرٍ على الِاسْتِمْرارِ وَالتَّجَدُّد.
لا تَكْتَمِلُ قِراءَةُ التَّجارِبِ الكُبْرى في تاريخِ الأُمَمِ عِنْدَ لَحْظَةِ صُعودِها، لِأَنَّ الإِنْجاز، مَهْما بَلَغَتْ أَهَمِّيَّتُه، لا يَكْشِفُ وَحْدَهُ حَقيقَةَ التَّجْرِبَة. وَلا تُقاسُ الثَّوْراتُ بِما تُحَقِّقُه، بَلْ بِقُدْرَتِها على حِمايَةِ ما أَنْجَزَتْه، وَتَجْديدِ أَدَواتِها، وَتَحْويلِ مَبادِئِها إلى نِظامٍ قادِرٍ على مُواجَهَةِ التَّحَدِّياتِ التي تَفْرِضُها المَراحِلُ اللَّاحِقَة.
وَهُنا تَتَجَلّى المُفارَقَةُ في تَجْرِبَتَيْ 1919 وَ1952؛ فَقَدْ نَجَحَتْ كُلٌّ مِنْهُما في لَحْظَةِ التَّأْسيس، لَكِنَّ كُلًّا مِنْهُما واجَهَ اخْتِبارًا مُخْتَلِفًا لِلِاسْتِمْرارِ وَالتَّجَدُّد.
اسْتَطاعَتْ "ثَوْرَةُ 1919" أَنْ تَنْقُلَ مِصْرَ إلى عَصْرِ الدَّوْلَةِ الدُّسْتورِيَّةِ وَالحَياةِ النِّيابِيَّة، وَأَنْ تُؤَسِّسَ مُؤَسَّساتٍ سِياسِيَّةً حَديثَة، لَكِنَّها دَخَلَتْ مُنْذُ البِدايَةِ اخْتِبارَ الِاسْتِمْرار. فَقَدْ بَقِيَ الِاحْتِلالُ البَريطانِيُّ مُحْتَفِظًا بِهَيْمَنَتِهِ على القَرارِ المِصْرِيّ، كَما ظَلَّ القَصْرُ يَتَلاعَبُ بِالدُّسْتور، وَيَنْظُرُ إلى النِّظامِ النِّيابِيِّ بِوَصْفِهِ قَيْدًا على سُلْطَتِه، وَهُوَ ما أَبْقى التَّناقُضَ بَيْنَ النِّظامِ الجَديدِ وَمَراكِزِ القُوَّةِ القَديمَةِ قائِمًا، وَأَضْعَفَ قُدْرَةَ الدَّوْلَةِ الدُّسْتورِيَّةِ على تَرْسيخِ نَفْسِها.
نَجَحَ "الوَفْد" في قِيادَةِ الثَّوْرَةِ وَتَحْويلِ الإِرادَةِ الشَّعْبِيَّةِ إلى شَرْعِيَّةٍ سِياسِيَّة، لَكِنَّهُ واجَهَ صُعوبَةً في الحِفاظِ على وَحْدَةِ الحَرَكَةِ الوَطَنِيَّة، وَفي تَحْويلِ الشَّرْعِيَّةِ الثَّوْرِيَّةِ إلى تَوافُقٍ سِياسِيٍّ دائِمٍ يَحْمي النِّظامَ الدُّسْتورِيّ. وَالأَهَمُّ أَنَّ الإِنْجازَ السِّياسِيَّ لَمْ يُصاحِبْهُ تَحَوُّلٌ اجْتِماعِيٌّ وَاقْتِصادِيٌّ بِالعُمْقِ نَفْسِه؛ تَغَيَّرَ شَكْلُ الحُكْم، بَيْنَما ظَلَّتْ قِطاعاتٌ واسِعَةٌ مِنَ البُنْيَةِ الِاقْتِصادِيَّةِ وَالِاجْتِماعِيَّةِ على حالِها، الأَمْرُ الذي حَدَّ مِنْ قُدْرَةِ النِّظامِ الجَديدِ على تَكْوينِ قاعِدَةٍ اجْتِماعِيَّةٍ واسِعَةٍ تُدافِعُ عَنْهُ في مُواجَهَةِ الضُّغوطِ الدّاخِلِيَّةِ وَالخارِجِيَّة.
"ثَوْرَةُ يوليو" واجَهَتْ اخْتِبارًا مِنْ طَبيعَةٍ مُخْتَلِفَة. فَلَمْ تَكُنِ المُشْكِلَةُ في تَأْسيسِ مَشْروعٍ جَديد، بَلْ في كَيْفِيَّةِ انْتِقالِ هَذا المَشْروعِ مِنْ مَرْحَلَةِ الثَّوْرَةِ إلى مَرْحَلَةِ الدَّوْلَة.
أصعب مراحل التغيير ليست لحظة الثورة وإنما ما يليها
اسْتَطاعَتْ "ثَوْرَةُ يوليو" خِلالَ سَنَواتٍ قَليلَةٍ أَنْ تُحَقِّقَ ما عَجِزَتْ عَنْهُ مُحاوَلاتٌ إِصْلاحِيَّةٌ امْتَدَّتْ لِعُقود؛ فَأَعادَتْ تَوْزيعَ الثَّرْوَة، وَوَسَّعَتْ قاعِدَةَ العَدالَةِ الِاجْتِماعِيَّة، وَأَطْلَقَتْ مَشْروعًا لِلتَّصْنيع، وَبَنَتْ دَوْلَةً وَطَنِيَّةً مُسْتَقِلَّةً ذاتَ سِيادَة، وَتَمَتَّعَتْ بِحُضورٍ إِقْليمِيٍّ وَدَوْلِيٍّ مُؤَثِّر. غَيْرَ أَنَّ عَناصِرَ القُوَّةِ التي مَنَحَتِ المَشْروعَ قُدْرَةً اسْتِثْنائِيَّةً على الإِنْجاز، حَمَلَتْ في الوَقْتِ عَيْنِهِ بُذورَ التَّحَدّي الذي سَيواجِهُهُ لاحِقًا.
فَقَدْ أَتاحَتْ مَرْكَزِيَّةُ الدَّوْلَةِ وَالقِيادَةِ سُرْعَةَ اتِّخاذِ القَرارِ وَحَشْدِ المَوارِدِ لِإِنْجازِ مَشْروعِ التَّحَوُّل، لَكِنَّها جَعَلَتِ المَشْروع، بِدَرَجَةٍ كَبيرَة، مُرْتَبِطًا بِالقِيادَةِ التي صاغَتْهُ وَقادَتْه. وَمَعَ تَغَيُّرِ الظُّروفِ وَتَعاقُبِ الأَجْيال، بَرَزَ السُّؤالُ الحاسِم: لِماذا لَمْ يَتَحَوَّلِ المَشْروعُ الثَّوْرِيُّ إلى مُؤَسَّساتٍ تَمْتَلِكُ القُدْرَةَ على الحِفاظِ على أَهْدافِه، وَمُراجَعَةِ سِياساتِه، وَتَجْديدِ أَدَواتِهِ مِنْ دونِ أَنْ تَفْقِدَ روحَه؟.
هَذا التَّحَدّي لَمْ يَكُنْ مُنْفَصِلًا عَنِ السِّياقِ الذي أَحاطَ بِالتَّجْرِبَة؛ فَقَدْ فَرَضَتِ الحُروب، وَالضُّغوطُ الإِقْليمِيَّةُ وَالدَّوْلِيَّة، وَالتَّحَدِّياتُ الِاقْتِصادِيَّة، أَسْئِلَةً جَديدَةً لَمْ تَكُنْ مَطْروحَةً في لَحْظَةِ التَّأْسيس. وَكانَ نَجاحُ المَشْروعِ في مُواجَهَةِ هَذِهِ المُتَغَيِّراتِ يَتَطَلَّبُ أَدَواتٍ مُؤَسَّسِيَّةً أَكْثَرَ مَرونَة، تَسْمَحُ لَهُ بِالتَّكَيُّفِ مَعَ واقِعٍ يَتَغَيَّرُ بِاسْتِمْرار.
اخْتَلَفَ اخْتِبارُ الِاسْتِمْرارِ في التَّجْرِبَتَيْن؛ تَعَثَّرَتْ ثَوْرَةُ 1919 لِأَنَّ الدَّوْلَةَ الجَديدَةَ ظَلَّتْ تُنازِعُها قُوى الماضِي، بَيْنَما واجَهَتْ "ثَوْرَةُ يوليو" تَحَدِّيَ تَحْويلِ مَشْروعٍ ثَوْرِيٍّ ناجِحٍ إلى مُؤَسَّساتٍ قادِرَةٍ على حَمْلِهِ وَتَجْديدِه.
اخْتَلَفَتِ الأَسْباب، لَكِنَّ السُّؤالَ ظَلَّ واحِدًا: كَيْفَ يَتَحَوَّلُ نَجاحُ البِداياتِ إلى بِناءٍ تاريخِيٍّ مُسْتَدام؟.
كَشَفَتِ التَّجْرِبَتانِ أَنَّ أَصْعَبَ مَراحِلِ التَّغْييرِ لَيْسَتْ لَحْظَةَ الثَّوْرَة، وَإِنَّما ما يَليها. فَالتَّغْييرُ يَحْتاجُ إلى إِرادَةٍ تَكْسِرُ الواقِعَ القَديم، أَمَّا اسْتِمْرارُهُ فَيَحْتاجُ إلى مُؤَسَّساتٍ تَحْمي المَشْروع، وَآلِيّاتٍ تُمَكِّنُهُ مِنْ مُراجَعَةِ نَفْسِهِ وَتَجْديدِ أَدَواتِهِ كُلَّما تَغَيَّرَتِ الظُّروف.
الأمم لا تبني مستقبلها إلا حين يتحوّل التغيير إلى مشروع يمتلك القدرة على التجدد
ذَلِكَ هُوَ الدَّرْسُ الذي تُقَدِّمُهُ 1919 وَ1952 مَعًا؛ لَنْ يَكْتَمِلَ بِناءُ المُؤَسَّساتِ إِذا بَقِيَتْ مَوازينُ القُوَّةِ القَديمَةِ قادِرَةً على تَعْطيلِها، وَلَنْ يَكْتَمِلَ بِناءُ الدَّوْلَةِ إِذا عَجِزَتْ عَنْ تَجْديدِ مَشْروعِها، وَأَنَّ أَيَّ مَشْروعٍ يَنْجَحُ في تَغْييرِ الواقِعِ يواجِه، بَعْدَ ذَلِك، اخْتِبارًا أَكْثَرَ صُعوبَة: أَنْ يَمْتَلِكَ القُدْرَةَ على تَجْديدِ نَفْسِه، حَتّى يُحافِظَ على ما أَنْجَزَه.
نَحْنُ لا نَسْتَدْعي التّاريخَ لِلْمُفاضَلَةِ بَيْنَ ثَوْراتِه، وَلا لِإِعادَةِ إِنْتاجِ مَعارِكِهِ القَديمَة، وَإِنَّما لِاسْتِخْلاصِ ما يُعينُ على صِناعَةِ المُسْتَقْبَل. وَإِذا كانَ لِمِصْرَ أَنْ تَخوضَ مَشْروعًا جَديدًا لِلتَّغْيير، فَإِنَّ نَجاحَهُ لَنْ يَتَوَقَّفَ على قُدْرَتِهِ على إِحْداثِ التَّحَوُّل، بَلْ على قُدْرَتِهِ على اجْتِيازِ اخْتِبارِ الِاسْتِمْرار؛ أَيْ بِناءِ مُؤَسَّسات، وَتَوْسيعِ القاعِدَةِ الِاجْتِماعِيَّة، وَخَلْقِ آلِيّاتٍ لِلتَّجَدُّدِ تَجْعَلُ المَشْروعَ قادِرًا على الحَياةِ بَعْدَ جيلِ المُؤَسِّسِين.
الثَّوْراتُ تَصْنَعُ لَحْظَةَ التَّحَوُّل، أَمّا الأُمَمُ فَلا تَبْني مُسْتَقْبَلَها إِلّا حينَ يَتَحَوَّلُ التَّغْييرُ إلى مَشْروعٍ يَمْتَلِكُ القُدْرَةَ على الِاسْتِمْرارِ وَالتَّجَدُّد!.
(خاص "عروبة 22")

