الحَقيقَة، أَنَّ الرَّافِضينَ لِلِاتِّفاقِ الإِطارِيِّ يَتَجاهَلونَ أَنَّ أَحَدَ أَسْبابِ إِضْعافِ أَوْراقِ القُوَّةِ في يَدِ المُفاوِضِ اللُّبْنانِيِّ هُوَ وُجودُ طَرَفٍ مُسَلَّحٍ مُناهِضٍ لِسُلْطَةِ الدَّوْلَة، وَأَشْعَلَ حَرْبَ إِسْنادٍ لِإيرانَ تَرَتَّبَ عَلَيْها سُقوطُ آلافِ الضَّحايا وَتَدْميرُ العَديدِ مِنَ المَناطِقِ اللُّبْنانِيَّة. وَيُصْبِحُ السُّؤال: ما هِيَ مَسْؤولِيَّةُ "حِزْبِ اللهِ" في إِضْعافِ قُدُراتِ الدَّوْلَةِ اللُّبْنانِيَّةِ وَتَجاهُلِ تَقْديراتِ أَغْلَبِ اللُّبْنانِيّينَ بِرَفْضِ حَرْبِ "إِسْنادِ إيرانَ" لِأَنَّهُ في كُلِّ مَرَّةٍ أَجْمعتِ المُكَوِّناتُ اللُّبْنانِيَّةُ على مَوْقِفٍ واحِدٍ اسْتَطاعَتْ أَنْ تَرْدَعَ إِسْرائيل، سَواءٌ في ساحَةِ المُقاوَمَةِ المُسَلَّحَةِ التي نَجَحَتْ في تَحْريرِ الجَنوبِ اللُّبْنانِيِّ عامَ 2000 مِنَ الِاحْتِلالِ الإِسْرائيلِيِّ بِإِجْماعٍ وَطَنِيّ، أَوْ في ساحَةِ التَّفاوُض، أَوْ حَتّى في ساحَةِ إِعادَةِ بِناءِ الدَّوْلَةِ وَالمُؤَسَّسات.
وَالحَقيقَةُ أيضًا، أَنَّ أَخْطَرَ ما جَرى في لُبْنانَ هُوَ انْتِقالُ "حِزْبِ اللهِ" مِنْ حالَةِ "المُقاوَمَةِ النَّقِيَّة" التي نالَتْ إِجْماعَ اللُّبْنانِيّين، إِلى حالَةِ "الحِساباتِ الأُخْرى" تَحْتَ رايَةِ المُقاوَمَة، وَدَخَلَتْ فيها اعْتِباراتٌ إيدْيولوجِيَّةٌ وَإِقْليمِيَّة، وَلَمْ تَعُدْ قائِمَةً على حِساباتٍ وَطَنِيَّةٍ نالَتْ قَبولَ باقي مُكَوِّناتِ الشَّعْبِ اللُّبْنانِيّ.
نقاط الضعف في الاتفاق الإطاري يتحمّل "حزب الله" مسؤوليتها بالحروب التي دخلها
وَالحَقيقَةُ أيضًا وأيضًا، أَنَّ "حِزْبَ اللهِ" عَمِلَ على حَشْدِ السّاحَةِ الشّيعِيَّةِ خَلْفَ خِياراتِهِ الإيدْيولوجِيَّةِ وَاحْتِكارِ تَمْثيلِها، وَتَصْويرِ الأَمْرِ كَأَنَّ هُناكَ "طائِفَةً تُقاوِم" في مُواجَهَةِ طَوائِفَ أُخْرى "مُتَخاذِلَة"، وَحاوَلَ فَرْضَ سَرْدِيَّةِ "مُقاوَمَة" على مُجْتَمَعٍ مُتَنَوِّعٍ لا يُمْكِنُ أَنْ يُجْمِعَ على وُجودِ تَنْظيمٍ مُسَلَّحٍ مُوازٍ لِلجَيْش، وَيَدْخُلَ في حَرْبٍ ضِدَّ دَوْلَةِ احْتِلالٍ عُدْوانِيَّةٍ مِنْ أَجْلِ التَّضامُنِ مع دَوْلَةٍ أُخْرى، وَيَعْتَبِرُ مَنْ يَخْتَلِفُ مع تَوَجُّهاتِهِ يُنَفِّذُ الأَوامِرَ الأَميرِكِيَّةَ وَالإِسْرائيلِيَّة!.
وَاللّافِتُ أَنَّ النِّظامَ الإيرانِيَّ نَفْسَهُ وَخَطَّ المُرْشِدِ وَالتَّيَّاراتِ الدّينِيَّةِ المُحافِظَة، لَمْ يَكُنْ دَعْمُهُ لِلقَضِيَّةِ الفِلَسْطينِيَّةِ نَتيجَةً قَناعاتِهِ العَقائِدِيَّة فَقَط، إِنَّما أَيْضًا وَرَقَةَ دِفاعٍ عَنْ طُموحاتِ طَهْرانَ الوَطَنِيَّةِ مُتَمَثِّلَةً في المَشْروعِ النَّوَوِيِّ الإيرانِيِّ وَالحُضورِ الإِقْلِيمِيِّ وَالتَّدَخُّلِ في شُؤونِ الدُّوَلِ الأُخْرى، وَأَنَّ الخِطابَ الإيدْيولوجِيَّ الإيرانِيَّ المُقاوِمَ لَمْ يَنْفَصِل أَيْضًا عَنْ مَصالِحِ إيرانَ العُلْيا، وَلَمْ يَكُنْ فَقَطْ لِوَجْهِ اللهِ وَالقَضِيَّةِ الفِلَسْطينِيَّة.
إِنَّ تَصَوُّرَ "حِزْبِ اللهِ" أَنَّ حاضِنَتَهُ الشَّعْبِيَّةَ يَجِبُ بِالحَتْمِ وَالضَّرورَةِ أَنْ تَكونَ مع المُقاوَمَةِ المُسَلَّحَةِ أَمْرٌ يَجِبُ مُراجَعَتُهُ لِأَنَّهُ خارِجُ الفِطْرَةِ السَّليمَةِ التي لا يُمْكِنُ أَنْ تَخْتَزِلَ بَلَدًا أَوْ طائِفَةً أَوْ دينًا خَلفَ خِيارٍ عَقائِدِيٍّ وَسِياسِيٍّ مُحَدَّدٍ مَهْما كانَتْ طَبيعَتُهُ وَمَهْما كانَ نُبْلُه. وَإِنَّ هذِهِ الإِشْكالِيَّةَ سَتَظَلُّ في الحَقيقَةِ أَحَدَ أَسْبابِ الِانْسِدادِ السِّياسِيِّ الحالِيِّ في لُبْنان، لَيْسَ مِنْ زاويَةِ وُجودِ طَرَفٍ يُؤَيِّدُ التَّفاوُضَ مع إِسْرائيلَ وَيَرى أَنَّهُ لَيْسَ هُناكَ بَديلٌ لِلِاتِّفاقِ الإِطارِيّ، أَوْ هُناكَ مَنْ يُعارِضُه، كَما يَجْري مع أَيِّ اتِّفاقٍ سَواءٌ وُقِّعَ مع دَوْلَةِ الِاحْتِلالِ أَوْ مع أَيِّ دَوْلَةٍ أُخْرى، إِنَّما لِأَنَّ هُناكَ طَرَفًا لا يَزالُ يَنْتَقِدُ نِقاطَ الضَّعْفِ المَوْجودَةَ في الِاتِّفاقِ الإِطارِيّ، وَيَعْتَبِرُها نِتاجَ تَخاذُلِ الحُكْمِ أَمامَ الشُّروطِ الإِسْرائيلِيَّة، وَيَنْسى أَوْ يَتَناسى أَنَّ نِقاطَ الضَّعْفِ هذِهِ يَتَحَمَّلُ "الحِزْبُ" مَسْؤولِيَّتَها بِالحُروبِ التي دَخَلَها وَرَفَضَها أَغْلَبُ اللُّبْنانِيّين، وَأَضْعَفَتْ مَوْقِفَ الحُكومَةِ اللُّبْنانِيَّةِ في أَيِّ تَفاوُض.
حان الوقت لدعم مسار سياسي لبناني منفصل عن طهران
لَمْ يَعْتَرِفْ "حِزْبُ اللهِ" بِمَسْؤولِيَّتِهِ عَنِ الدَّمارِ الذي أَصابَ قُرى وَمَناطِقَ الجَنوبِ وَالضّاحِيَة، وَلَمْ يَقُل بِشَجاعَة: نَعَمْ، أَخْطَأْنا في حِساباتِنا، وَسَنُراجِعُ وُجودَنا المُسَلَّحَ وَاعْتِمادَنا خِيارَ المُقاوَمَةِ المُسَلَّحَةِ الذي خَسَّرَ لُبْنانَ وَالحِزْب، وَلَمْ يُفِدْ غَزَّة، وَلَمْ يُنْقِذْ إيران. وَإِنَّ حُضورَ "حِزْبِ اللهِ" السِّياسِيَّ مَطْلوب، وَدَعْمَهُ لِلمُقاوَمَةِ المَدَنِيَّةِ واجِب، وَأَنْ تَكونَ عَلاقَتُهُ بِإيرانَ عَلاقَةَ تَحالُفٍ سِياسِيٍّ وَلَيْسَ تَحالُفًا عَسْكَرِيًّا، لِأَنَّهُ في النِّهايَةِ يَعيشُ في بَلَدٍ اسْمُهُ لُبْنان، وَبِجانِبِهِ شُرَكاءُ في الوَطَنِ يَجِبُ أَلَّا يَسْتَمِرَّ في تَجاهُلِهِمْ وَعَدَمِ احْتِرامِ خِياراتِهِم.
النُّقْطَةُ التي وَصَلَتْ إِلَيْها الحَرْبُ الأَميرِكِيَّةُ - الإيرانِيَّةُ تَقولُ إِنَّهُ حانَ الوَقْتُ لِدَعْمِ مَسارٍ سِياسِيٍّ لُبْنانِيٍّ مُنْفَصِلٍ عَنْ طَهْرانَ لِإِنْهاءِ الحَرْب، وَمُواجَهَةِ السَّلبِيّاتِ المَوْجودَةِ في الِاتِّفاقِ الإِطارِيّ، وَهُوَ لَنْ يَتِمَّ إِلّا بِأَنْ يَعْتَرِفَ "حِزْبُ اللهِ" بِمَسْؤولِيَّتِهِ عَمّا أَصابَ البِلاد، وَبِأَنَّهُ مَسْؤولٌ عَنْ إِضْعافِ مَوْقِفِ المُفاوِضِ اللُّبْنانِيِّ أَمامَ دَوْلَةِ احْتِلالٍ شَرِسَةٍ وَدَمَوِيَّة!.
إِذا قَدَّمَ الحِزْبُ مُراجَعَةً نَقْدِيَّةً جِراحِيَّةً لِمُمارَساتِه، وَأَصْبَحَ فَصيلًا سِياسِيًّا يَتَشَدَّدُ في وَجْهِ دَوْلَةِ الِاحْتِلال، فَسَيَجِدُ لَهُ حُلَفاءَ كُثُرًا داخِلَ كُلِّ الطَّوائِفِ في لُبْنان، وَسَيَدْعَمُ المَوْقِفَ الرَّسْمِيَّ اللُّبْنانِيَّ في وَجْهِ الضُّغوطِ الأَميرِكِيَّةِ وَالتَّجَبُّرِ الإِسْرائيلِيّ.
(خاص "عروبة 22")

