الأمن الغذائي والمائي

الزِّراعَةُ الدَّقيقَة! عُنوانُ الثَّوْرَةِ الزِّراعِيَّةِ الثّالِثَة وطَريقٌ لِمُواجَهَةِ التَّغَيُّراتِ المُناخِيَّة

تُعَدُّ الزِّراعَةُ الدَّقيقَةُ مِنْ أَهَمِّ التَّطَوُّراتِ التي شَهِدَها القِطاعُ الزِّراعِيُّ في العُقودِ الأَخيرَة، حَيْثُ تُعَدُّ بِمَثابَةِ ثَوْرَةٍ زِراعِيَّةٍ تَعْتَمِدُ على اسْتِخْدامِ التِّكْنولوجْيا الرَّقْمِيَّةِ والبَياناتِ الدَّقيقَةِ لِإِدارَةِ العَمَلِيّاتِ الزِّراعِيَّةِ بِكَفاءَة، وَتَحْسينِ إِنْتاجِيَّةِ المَحاصيل، وَتَرْشيدِ اسْتِخْدامِ المَوارِدِ وَتَقْليلِ التَّكاليف، مع الحِفاظِ على البيئَة.

الزِّراعَةُ الدَّقيقَة! 
عُنوانُ الثَّوْرَةِ الزِّراعِيَّةِ الثّالِثَة وطَريقٌ لِمُواجَهَةِ التَّغَيُّراتِ المُناخِيَّة

أَصْبَحَتِ الزِّراعَةُ الدَّقيقَةُ عُنْصُرًا أَساسِيًّا في تَطْويرِ القِطاعاتِ الزِّراعِيَّةِ لِما تُوَفِّرُهُ مِنْ حُلولٍ مُبْتَكَرَةٍ لِمُواجَهَةِ التَّحَدِّياتِ المُرْتَبِطَةِ بِالنُّمُوِّ السُّكّانِيّ، نُدْرَةِ المَوارِدِ الطَّبيعِيَّةِ والمِياه، والتَّغَيُّراتِ المُناخِيَّة، حَيْثُ تَعْتَمِدُ على مَبْدَأٍ أَساسِيٍّ يَتَمَثَّلُ في أَنَّ الحَقْلَ الزِّراعِيَّ لَيْسَ وَحْدَةً مُتَجانِسَة، بَل يَتَكَوَّنُ مِنْ مَناطِقَ تَخْتَلِفُ في خَصائِصِ التُّرْبَة، وَمُسْتَوى الرُّطوبَة، وَخُصوبَةِ الأَرْض، واحْتِياجاتِ النَّباتات، وَمُعَدَّلاتِ النُّمُوِّ والإِنْتاج، لِذَلِكَ فَإِنَّ اسْتِخْدامَ كَمِّيَّةِ المِياهِ أَوِ الأَسْمِدَةِ أَوِ المُبيداتِ عَيْنِها في جَميعِ أَجْزاءِ الحَقْلِ يُؤَدّي إلى هَدْرِ المَوارِدِ وانْخِفاضِ الكَفاءَة، كَما هُوَ الحالُ في النُّظُمِ التَّقْليدِيَّة.

مِنْ هُنا جاءَتْ فِكْرَةُ إِدارَةِ كُلِّ جُزْءٍ مِنَ الحَقْلِ وِفْقَ احْتِياجاتِهِ الفِعْلِيَّة، وَذَلِكَ مِنْ خِلالِ اسْتراتيجِيَّةٍ تَعْتَمِدُ على جَمْعِ البَياناتِ المَكانِيَّةِ والزَّمَنِيَّة، والبَياناتِ الخاصَّةِ بِالنَّباتات، ثُمَّ مُعالَجَتِها وَتَحْليلِها وَدَمْجِها مع مَصادِرِ مَعْلوماتٍ أُخْرى، بِهَدَفِ دَعْمِ القَراراتِ الزِّراعِيَّة، وِفْقًا لِلتَّبايُنِ المَوْجودِ داخِلَ الحُقول، بِما يُؤَدّي إلى تَعْظيمِ الِاسْتِفادَةِ مِنَ المَوارِدِ وَتَحْقيقِ الرِّبْحِيَّةِ والِاسْتِدامَة.

نظام الزراعة الدقيقة يمثّل فلسفة إدارية تعتمد على البيانات الدقيقة والتحليل العلمي

وَمِنْ مَنْظورٍ آخَر، تُمَثِّلُ الزِّراعَةُ الدَّقيقَةُ نِظامًا مُتَكامِلًا لِإِدارَةِ المَزْرَعَةِ بِاسْتِخْدامِ تِقْنِيّاتٍ رَقْمِيَّةٍ حَديثَة، مِثْلَ أَنْظِمَةِ وَأَجْهِزَةِ الِاسْتِشْعار، وَنُظُمِ المَعْلوماتِ الجُغْرافِيَّةِ والبيئِيَّة، وَتِقْنِيّاتِ الذَّكاءِ الِاصْطِناعِيّ، وَصُوَرِ الأَقْمارِ الصِّناعِيَّة، بِهَدَفِ اسْتِخْدامِ المُدْخَلاتِ الزِّراعِيَّة، مِثْلَ المِياهِ والأَسْمِدَةِ والبُذور، بِكَمِّيّاتٍ مُناسِبَةٍ في المَكانِ والوَقْتِ المُناسِبَيْن.

وَلا يَقومُ نِظامُ الزِّراعَةِ الدَّقيقَةِ على اسْتِخْدامِ الأَجْهِزَةِ الإِلِكْترونِيَّةِ والرَّقْمِيَّةِ فَقَط، وَإِنَّما يُمَثِّلُ فَلْسَفَةً إِدارِيَّةً تَعْتَمِدُ على البَياناتِ الدَّقيقَةِ والتَّحْليلِ العِلْمِيِّ بَدَلًا مِنَ التَّقْديراتِ العامَّةِ والتَّقْليدِيَّةِ التي يَعْتَمِدُ عَلَيْها المُزارِعون.

وَلَقَدْ بَدَأَتْ فِكْرَةُ الزِّراعَةِ الدَّقيقَةِ في الظُّهورِ خِلالَ ثَمانينِيّاتِ القَرْنِ الماضي، إِلّا أَنَّ تَطْبيقَها تَوَسَّعَ بِصورَةٍ كَبيرَةٍ في التِّسْعينِيّاتِ نَتيجَةَ انْتِشارِ أَنْظِمَةِ تَحْديدِ المَواقِعِ العالَمِيَّة (GPS)، وَكَذَلِكَ أَجْهِزَةِ الحاسِبِ الآلِيِّ المُتَطَوِّرَة، وَتِقْنِيّاتِ الِاسْتِشْعارِ عَنْ بُعْد.

وَمع مُرورِ الوَقْت، أَصْبَحَتِ التِّقْنِيّاتُ أَكْثَرَ دِقَّةً وَأَقَلَّ تَكْلِفَة، مِمّا ساعَدَ على انْتِشارِها بِصورَةٍ كَبيرَةٍ في العَديدِ مِنَ الدُّوَلِ المُتَقَدِّمَة.

وَأَدّى انْتِشارُ الزِّراعَةِ الدَّقيقَةِ إلى ظُهورِ العَديدِ مِنَ الصِّناعاتِ والخِدْماتِ المُرْتَبِطَةِ بِالتِّكْنولوجْيا الزِّراعِيَّة، مِثْلَ تَصْنيعِ أَجْهِزَةِ الِاسْتِشْعار، والبَرْمَجِيّاتِ الزِّراعِيَّة، وَمِنَصّاتِ تَحْليلِ البَيانات، وَأَنْظِمَةِ الذَّكاءِ الِاصْطِناعِيّ، حَيْثُ أَسْهَمَ ذَلِكَ في خَلْقِ فُرَصِ عَمَلٍ جَديدَة، وَتَشْجيعِ الِابْتِكارِ والِاسْتِثْمارِ في القِطاعِ الزِّراعِيّ، ما جَعَلَ الزِّراعَةَ أَحَدَ أَهَمِّ القِطاعاتِ الأَكْثَرِ اسْتِفادَةً مِنَ التَّحَوُّلِ الرَّقْمِيّ.

وَفي ظِلِّ التَّحَدِّيّاتِ التي تُواجِهُ الزِّراعَةَ العَرَبِيَّة، مِثْلَ مَحْدودِيَّةِ المَوارِدِ المائِيَّة، وَتَدَهْوُرِ بَعْضِ الأَراضي، والتَّغَيُّراتِ المُناخِيَّة، وَزِيادَةِ الطَّلَبِ على الغِذاء، تَبْرُزُ الزِّراعَةُ الدَّقيقَةُ كَأَحَدِ أَهَمِّ الحُلولِ المُسْتَقْبَلِيَّةِ القادِرَةِ على إِحْداثِ تَحَوُّلٍ تِكْنولوجِيٍّ كَبيرٍ في القِطاعِ الزِّراعِيِّ العَرَبِيّ.

التقنيات الحديثة تُشجّع الشباب على العمل في القطاع الزراعي

فَعلى سَبيلِ المِثال، تُواجِهُ مُعْظَمُ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ تَحَدِّياتٍ كَبيرَةً في مَجالِ نُدْرَةِ المِياه، حَيْثُ تُعَدُّ المِنْطَقَةُ العَرَبِيَّةُ مِنْ أَكْثَرِ مَناطِقِ العالَمِ مُعاناةً مِنْ هَذِهِ المُشْكِلَة، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ مُسْتَقْبَلَ الزِّراعَةِ في المِنْطَقَةِ يَعْتَمِدُ بِشَكْلٍ كَبيرٍ على اسْتِخْدامِ حُلولٍ جَديدَةٍ وَمُبْتَكَرَة، مِثْلَ تَطْبيقَاتِ الزِّراعَةِ الدَّقيقَةِ في مَجالِ تَرْشيدِ مِياهِ الرَّيّ؛ فَمِنْ خِلالِ أَجْهِزَةِ قياسِ الرُّطوبَةِ في التُّرْبَةِ وَأَنْظِمَةِ الرَّيِّ الذَّكِيَّةِ يُمْكِنُ تَحْديدُ الوَقْتِ المُناسِبِ لِلرَّيّ، والكَمِّيَّةِ المَطْلوبَةِ بِدِقَّة، ما يُتيحُ لِلمُزارِعِ فُرَصًا كَبيرَةً لِلِاسْتِفادَةِ مِنْ مِياهِ الرَّيّ.

كَما تُعاني مُعْظَمُ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ مِنَ التَّغَيُّراتِ البيئِيَّةِ الحادَّةِ التي تُؤَثِّرُ بِصورَةٍ مُباشِرَةٍ على كُلٍّ مِنَ التُّرْبَةِ والنَّباتِ والتَّلَوُّثِ البيئِيّ، حَيْثُ تُؤَدّي الزِّراعَةُ الدَّقيقَةُ إلى الحَدِّ مِنَ الِاسْتِخْدامِ المُفْرِطِ لِلأَسْمِدَةِ الكيماوِيَّةِ والمُبيدات، وَتُقَلِّلُ مِنْ تَلَوُّثِ المِياهِ الجَوْفِيَّةِ والتُّرْبَة، كَما تُخَفِّضُ مِنِ انْبِعاثاتِ الغازاتِ النّاتِجَةِ عَنِ العَمَلِيّاتِ الزِّراعِيَّة.

وَتُساهِمُ أَيْضًا الزِّراعَةُ الدَّقيقَةُ في زِيادَةِ إِنْتاجِيَّةِ المَحاصيلِ الزِّراعِيَّةِ وَتَحْسينِ جَوْدَتِها في المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّة، حَيْثُ تَعْمَلُ على تَطْبيقِ تِقْنِيّاتِ اسْتِخْدامِ أَصْنافٍ نَباتِيَّةٍ عالِيَةِ الإِنْتاجِيَّةِ وَمُقاوِمَةٍ لِلجَفافِ والحَرارَة، ما يُؤَدّي إلى تَقْليلِ الخَسائِرِ النّاتِجَةِ عَنِ الظُّروفِ المُناخِيَّةِ القاسِيَةِ في البيئَاتِ الصَّحْراوِيَّةِ العَرَبِيَّة، وَرَفْعِ كَفاءَةِ الإِنْتاج، وَتَحْقيقِ عائِدٍ اقْتِصادِيٍّ أَكْبَرَ لِلمُزارِعينَ مِنْ خِلالِ تَقْليلِ اسْتِخْدامِ المُدْخَلاتِ الزِّراعِيَّةِ غَيْرِ الضَّرورِيَّة، الأمرُ الذي يُخَفِّضُ مِنْ تَكاليفِ الإِنْتاج، وَيَزيدُ مِنَ القُدْرَةِ التَّنافُسِيَّةِ لِلمُنْتَجات، بِما يُساعِدُ على تَنْمِيَةِ المَناطِقِ الرّيفية، وَيَحُدُّ مِنَ الفَقْرِ والبَطالَة.

كَما تُشَجِّعُ تِلْكَ التِّقْنِيّاتُ الحَديثَةُ الشَّبابَ على العَمَلِ في القِطاعِ الزِّراعِيِّ مِنْ خِلالِ دَمْجِ التِّكْنولوجْيا الحَديثَةِ بِالأَنْشِطَةِ الزِّراعِيَّة، وَهُوَ ما يُسْهِمُ في الحَدِّ مِنَ الهِجْرَةِ مِنَ الرّيفِ إلى المُدُن، وَتَحْقيقِ تَنْمِيَةٍ إِقْليمِيَّةٍ أَكْثَرَ تَوازُنًا.

يجب وضع استراتيجية عربية مدعومة بالاستثمارات لتوفير التقنيات والتدريب عليها

وَعلى الرَّغْمِ مِنَ الفُرَصِ الكَبيرَةِ التي يُمْكِنُ أَنْ تُوَفِّرَها الزِّراعَةُ الدَّقيقَة، فَإِنَّ انْتِشارَها في الوَطَنِ العَرَبِيِّ ما زالَ يُواجِهُ العَديدَ مِنَ التَّحَدِّياتِ التي مِنْ أَهَمِّها ارْتِفاعُ تَكْلِفَةِ تِلكَ التِّقْنِيّات، بِحَيْثُ تَحْتاجُ إلى اسْتِثْماراتٍ كَبيرَةٍ قَدْ لا تَتَوَفَّرُ لِجَميعِ المُزارِعين.

كَما يُمَثِّلُ ضَعْفُ البُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ الرَّقْمِيَّةِ في بَعْضِ المَناطِقِ الرّيفِيَّةِ العَرَبِيَّةِ تَحَدِّيًا أَمامَ تَطْبيقِ تِلْكَ الأَنْظِمَةِ بِصورَةٍ مُوَسَّعَة، بِالإِضافَةِ إلى نَقْصِ الخِبْراتِ والتَّدْريبِ اللّازِمِ لِاسْتِخْدامِ المُعَدّاتِ والبَرامِجِ الحَديثَة، وَكُلُّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ وُجودَ اسْتراتيجِيَّةٍ عَرَبِيَّةٍ مَدْعومَةٍ بِالِاسْتِثْماراتِ اللّازِمَةِ لِتَوْفيرِ تِلْكَ التِّقْنِيّاتِ والتَّدْريبِ عَلَيْها، مع دَعْمِ البَحْثِ العِلْمِيِّ وَتَشْجيعِ الشَّراكاتِ بَيْنَ الحُكوماتِ والجامِعاتِ والقِطاعِ الخاصّ.

وَتُمَثِّلُ الزِّراعَةُ الدَّقيقَةُ أَحَدَ أَهَمِّ الخِياراتِ الِاسْتراتيجِيَّةِ لِتَحْقيقِ التَّنْمِيَةِ الزِّراعِيَّةِ المُسْتَدامَة، وَقَد بَدَأَتِ العَديدُ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، مِثْلَ مِصْرَ والسُّعودِيَّةِ وَدُوَلِ الخَليج، وَكَذَلِكَ دُوَلِ المَغْرِبِ العَرَبِيّ، في تَطْبيقِها. وَمِنَ المُتَوَقَّعِ أَنْ يَزْدادَ دَوْرُها خِلالَ السَّنَواتِ المُقْبِلَة، مع اسْتِمْرارِ التَّحَدِّياتِ المُناخِيَّة، وَنُدْرَةِ المِياه، والرَّغْبَةِ المُلِحَّةِ في تَحْقيقِ تَنْمِيَةٍ اقْتِصادِيَّةٍ قائِمَةٍ على المَعْرِفَةِ والتِّكْنولوجْيا.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن