الِاقْتِصادُ يُعَلِّمُنا أَنَّ حَجْمَ السّوق، وتَنَوُّعَ المَوارِد، واتِّساعَ قاعِدَةِ الإِنْتاج، كُلَّها عَوامِلُ تُحَدِّدُ قُدْرَةَ الدُّوَلِ على النُّمُوِّ وَالمُنافَسَة. وَفي خَمْسينِيّاتِ القَرْنِ الماضي، كانَتْ مُعْظَمُ الِاقْتِصاداتِ العَرَبِيَّةِ صَغيرَة، ومُجَزَّأَة، وتَعْتَمِدُ على تَصْديرِ المَوادِّ الأَوَّلِيَّةِ أَوْ سِلْعَةٍ واحِدَة، بَيْنَما كانَتِ الصِّناعاتُ الحَديثَةُ تَتَطَلَّبُ أَسْواقًا واسِعَةً تُحَقِّقُ وُفوراتِ الحَجْم (Economies of Scale)، ورُؤوسَ أَمْوالٍ كَبِيرَة، ومَوارِدَ مُتَنَوِّعَةً لا تَتَوافَرُ داخِلَ حُدودِ دَوْلَةٍ واحِدَة.
مِنْ هَذِهِ الزَّاوِيَة، لَمْ تَكُنِ القَوْمِيَّةُ العَرَبِيَّةُ مُجَرَّدَ مَشْروعٍ لِلْوَحْدَةِ السِّياسِيَّة، بَلْ كانَتْ مَشْروعًا لِتَوْسيعِ المَجالِ الِاقْتِصادِيِّ العَرَبِيّ. فَالدُّوَلُ النَّفْطِيَّةُ تَمْتَلِكُ رَأْسَ المال، والدُّوَلُ ذاتُ الكَثافَةِ السُّكّانِيَّةِ تَمْتَلِكُ العَمالَة، وأُخْرى تَتَمَتَّعُ بِمَوارِدَ زِراعِيَّةٍ أَوْ تَعْدينِيَّةٍ أَوْ بِمَواقِعَ اسْتراتيجِيَّة، ولَوْ جَرى دَمْجُ هَذِهِ المَزايا في إِطارٍ اقْتِصادِيٍّ مُتَكامِل، لأَمْكَنَ خَلْقُ سَلاسِلِ قيمَةٍ عَرَبِيَّة، وأَسْواقٍ أَكْبَر، وقُدْرَةٍ أَعْلى على التَّصْنيعِ وَالتَّصْديرِ وَالتَّفاوُضِ مَعَ العالَم.
التنافس لم يعُد بين الدول وإنما بين التكتلات
ولِذلِك، لَمْ تَكُنِ الفِكْرَةُ بَعيدَةً عَنِ الِاتِّجاهِ العالَمِيِّ الذي سادَ لاحِقًا. فَأوروبّا بَدَأَتْ تَكامُلَها مِنْ خِلالِ الجَماعَةِ الأُوروبِّيَّةِ لِلْفَحْمِ وَالصُّلْبِ قَبْلَ أَنْ تَتَحَوَّلَ إلى الِاتِّحادِ الأوروبِّيّ، وَتَأَسَّسَتْ لاحِقًا مَناطِقُ التِّجارَةِ الحُرَّةِ في أَميرِكا الشَّمالِيَّة، ثُمَّ ظَهَرَتِ التَّكَتُّلَاتُ الِاقْتِصادِيَّةُ الآسْيَوِيَّة. وَقَدْ أَثْبَتَ التّاريخُ الِاقْتِصادِيُّ أَنَّ الدُّوَلَ الصَّغيرَةَ تَزْدادُ قُوَّةً عِنْدَما تَنْتَمي إلى كُتَلٍ اقْتِصادِيَّةٍ كَبيرَة، وَأَنَّ التَّنافُسَ في القَرْنِ الحادي وَالعِشْرينَ لَمْ يَعُدْ بَيْنَ الدُّوَلِ المُنْفَرِدَة، وَإِنَّما بَيْنَ التَّكَتُّلَات. وَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الجامِعَةَ العَرَبِيَّةَ هِيَ تَجْرِبَةٌ سابِقَةٌ على "ثَوْرَةِ يوليو" عامَ 1952، فَقَدْ أَضْفى عَلَيْها الزَّخَمُ الثَّوْرِيُّ حَيَوِيَّةً أَكْبَرَ بِكُلِّ تَأْكيد.
غَيْرَ أَنَّ هُناكَ بُعْدًا آخَرَ لَمْ يَحْظَ بِالِاهْتِمامِ الكافي، وَهُوَ ما يُمْكِنُ أَنْ نُطْلِقَ عَلَيْهِ "وُفوراتُ الحِسِّ العُروبِيّ". فَهَذا المُصْطَلَحُ لا يُقْصَدُ بِهِ اسْتِدْعاءُ المَشاعِرِ أَوِ الخِطاباتِ الرّومانْسِيَّة، وَإِنَّما تَوْصيفُ قيمَةٍ اقْتِصادِيَّةٍ حَقيقِيَّةٍ تَنْتُجُ عَنْ وُجودِ هُوِيَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ وَلُغَةٍ واحِدَةٍ وَتاريخٍ مُتَقارِبٍ وَشَبَكَةٍ واسِعَةٍ مِنَ الرَّوابِطِ الثَّقافيةِ وَالِاجْتِماعِيَّة.
فَالِاقْتِصادُ المُؤَسَّسِيُّ الحَديثُ يُؤَكِّدُ أَنَّ الثِّقَةَ وَرَأْسَ المالِ الِاجْتِماعِيَّ يُخَفِّضانِ تَكاليفَ المُعامَلات، وَيُسَهِّلانِ انْتِقالَ العَمالَةِ وَرُؤوسِ الأَمْوالِ وَالخِبْرات، وَيَزيدانِ مِنْ فُرَصِ نَجاحِ التَّكامُلِ الِاقْتِصادِيّ. وَمِنْ هَذا المُنْطَلَق، فَإِنَّ الهُوِيَّةَ العَرَبِيَّةَ المُشْتَرَكَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ إِرْثٍ ثَقافي، وَإِنَّما يُمْكِنُ النَّظَرُ إِلَيْها بِاعْتِبارِها أَصْلًا اقْتِصادِيًّا غَيْرَ مادِّيّ، يُخَفِّضُ تَكْلِفَةَ التَّنْسيقِ بَيْنَ الدُّوَل، وَيُعَزِّزُ قُدْرَتَها على بِناءِ مُؤَسَّساتٍ مُشْتَرَكَة، تَمامًا كَما تُحَقِّقُ وُفوراتُ الحَجْمِ أَوْ وُفوراتُ التَّخَصُّصِ مَكاسِبَ اقْتِصادِيَّةً مُباشِرَة.
وَقَدْ تَجَلَّتْ هَذِهِ الوُفوراتُ في لَحَظاتٍ تاريخِيَّةٍ فارِقَة. إذ شَكَّلَ اسْتِخْدامُ سِلاحِ النَّفْطِ العَرَبِيِّ خِلالَ "حَرْبِ أُكْتوبَر" عامَ 1973 نَموذَجًا لِقُدْرَةِ التَّنْسيقِ العَرَبِيِّ على تَحْويلِ مَوْرِدٍ اقْتِصادِيٍّ إلى أَداةٍ اسْتراتيجِيَّةٍ غَيَّرَتْ مَوازينَ التَّفاوُضِ الدَّوْلِيَّة. كَما أَسْهَمَتِ السَّيْطَرَةُ العَرَبِيَّةُ على بَعْضِ المَمَرّاتِ البَحْرِيَّةِ وَالمَواقِعِ الجِيوسِياسِيَّةِ في تَعْظيمِ الوَزْنِ الِاسْتراتيجِيِّ لِلْمِنْطَقَة، بَيْنَما عَكَسَتْ سُرْعَةُ تَعْبِئَةِ المَوارِدِ العَرَبِيَّةِ لِدَعْمِ دُوَلِ المُواجَهَةِ قُدْرَةً على الحَشْدِ يَصْعُبُ تَفْسيرُها بِالِاعْتِباراتِ الِاقْتِصادِيَّةِ المُجَرَّدَةِ وَحْدَها.
وَلَمْ تَكُنِ القُوَّةُ النَّاعِمَةُ بَعيدَةً عَنْ هَذِهِ المُعادَلَة. فَقَدْ حَمَلَتْ إِذاعَةُ دِمَشْقَ أَثْناءَ الحَرْبِ افْتِتاحِيَّتَها الشَّهيرَةَ بِعِبارَةِ "هُنا القاهِرَة"، في مَشْهَدٍ تَجاوَزَ الرَّمْزِيَّةَ السِّياسِيَّةَ لِيَعْكِسَ رَأْسَمالًا مَعْنَوِيًّا عَرَبِيًّا مُشْتَرَكًا، عَزَّزَ الثِّقَةَ وَرَسَّخَ الشُّعورَ بِوَحْدَةِ المَصير، وَهُوَ ما يُمْكِنُ اعْتِبارُهُ أَحَدَ أَشْكالِ الأُصولِ غَيْرِ المادِّيَّةِ التي تَرْفَعُ مِنْ كَفاءَةِ العَمَلِ الجَماعِيِّ في أَوْقاتِ الأَزْمات.
أوروبا جعلت التكامل أقلّ اعتمادًا على الأشخاص وأكثر اعتمادًا على المؤسسات
بِالطَّبْع، لا يَعْني ذَلِكَ أَنَّ التَّجْرِبَةَ النّاصِرِيَّةَ نَجَحَتْ في تَحْويلِ هَذا الرَّصيدِ إلى مُؤَسَّساتٍ اقْتِصادِيَّةٍ مُسْتَدامَة. فَقَدْ غَلَبَتِ الِاعْتِباراتُ السِّياسِيَّةُ في كَثيرٍ مِنَ الأَحْيانِ على الحِساباتِ الِاقْتِصادِيَّة، وَتَعَثَّرَ مَشْروعُ التَّكامُلِ العَرَبِيّ (سَواءً الكامِلُ أَوِ الجُزْئِيُّ) بِسَبَبِ الِانْقِساماتِ وَالصِّراعاتِ وَاخْتِلافِ النُّظُمِ الِاقْتِصادِيَّة، بَيْنَما نَجَحَتْ أوروبّا في بِناءِ مُؤَسَّساتٍ وَقَواعِدَ قانونِيَّةٍ جَعَلَتِ التَّكامُلَ أَقَلَّ اعْتِمادًا على الأَشْخاصِ وَأَكْثَرَ اعْتِمادًا على المُؤَسَّسات.
لَكِنَّ الإِخْفاقَ في التَّطْبيقِ لا يَطْعَنُ في سَلامَةِ الفِكْرَة. فَالْعالَمُ اليَوْمَ يُعيدُ الِاعْتِبارَ لِمَفاهيمِ الأَمْنِ الِاقْتِصادِيّ، وَالسِّيادَةِ الصِّناعِيَّة، وَسَلاسِلِ الإِمْدادِ الإِقْليمِيَّة، بَعْدَما كَشَفَتْ جائِحَةُ كورونا وَالحُروبُ وَالصَّدَماتُ الجِيوسِياسِيَّةُ هَشاشَةَ الِاعْتِمادِ الكامِلِ على الأَسْواقِ العالَمِيَّة. وَأَصْبَحَتِ الدُّوَلُ الكُبْرى نَفْسُها تَبْحَثُ عَنْ بِناءِ دَوائِرَ اقْتِصادِيَّةٍ آمِنَة، حَتّى وَإِنْ جاءَ ذَلِكَ على حِسابِ كَفاءَةِ العَوْلَمَةِ التَّقْليدِيَّة.
وَمِنْ هُنا، فَإِنَّ اسْتِدْعاءَ البُعْدِ القَوْمِيِّ في التَّجْرِبَةِ النّاصِرِيَّةِ لا يَنْبَغي أَنْ يُفْهَمَ بِاعْتِبارِهِ دَعْوَةً عاطِفيةً لِلْعَوْدَةِ إلى الماضي أَوْ إِعادَةِ إِنْتاجِ شِعاراتِه، وَإِنَّما بِاعْتِبارِهِ قِراءَةً بْراغْماتِيَّةً لِمُتَطَلَّباتِ المُسْتَقْبَل. فَالتَّحَدِّياتُ الِاقْتِصادِيَّةُ المُقْبِلَة، مِنَ الذَّكاءِ الِاصْطِناعِيِّ إلى أَمْنِ الغِذاءِ وَالطّاقَة، وَمِنَ التَّحَوُّلاتِ المُناخِيَّةِ إلى إِعادَةِ تَشْكيلِ التِّجارَةِ العالَمِيَّة، تَتَجاوَزُ قُدْرَةَ أَيِّ دَوْلَةٍ عَرَبِيَّةٍ مُنْفَرِدَة، مَهْما بَلَغَ حَجْمُها أَوْ ثَرْوَتُها. بَلْ إِنَّ الكُتَلَ العَرَبِيَّةَ الجُزْئِيَّةَ وَالمُتَنافِسَةَ قَدْ تَجِدُ نَفْسَها هِيَ الأُخْرى أَقَلَّ قُدْرَةً على الصُّمودِ أَمامَ التَّكَتُّلَاتِ العِمْلاقَةِ التي تَتَشَكَّلُ في العالَم.
المستقبل لن يكون للأمم المنعزلة بل للكيانات القادرة على تحويل القواسم المشتركة إلى نفوذ اقتصادي
وَلِذَلِك، فَإِنَّ الدَّعَواتِ إلى الِانْكِفاءِ الوَطَنِيّ، أَوِ التَّمَحْوُرِ الإِقْليمِيِّ الضَّيِّق، أَوِ الشَّعْبَوِيّاتِ التي تُغَذّي التَّنافُرَ بَيْنَ الشُّعوبِ العَرَبِيَّة، قَدْ تَبْدو لِلْبَعْضِ تَعْبيرًا عَنِ الواقِعِيَّة، لَكِنَّها قَدْ تُؤَدّي عَمَلِيًّا إلى إِهْدارِ أَحَدِ أَهَمِّ الأُصولِ الِاسْتراتيجِيَّةِ التي تَمْتَلِكُها المِنْطَقَة. فَكَما يَعْتَرِفُ الِاقْتِصادُ بِوُفوراتِ الحَجْم، وَوُفوراتِ التَّخَصُّص، وَوُفوراتِ الشَّبَكات، فَإِنَّهُ لا يَنْبَغي أَنْ يَتَجاهَلَ ما يُمْكِنُ تَسْمِيَتُهُ بِوُفوراتِ الحِسِّ العُروبِيّ؛ أَيْ ذَلِكَ الرَّصيدُ الحَضارِيُّ وَالثَّقافي وَاللُّغَوِيُّ المُشْتَرَكُ الذي يُخَفِّضُ تَكاليفَ التَّعاوُن، وَيَزيدُ مِنْ فُرَصِ التَّكامُل، وَيُعَزِّزُ القُدْرَةَ التَّفاوُضِيَّةَ الجَماعِيَّة.
وَرُبَّما تَكونُ هَذِهِ هِيَ الرِّسالَةُ الِاقْتِصادِيَّةُ الأَكْثَرُ بَقاءً في التَّجْرِبَةِ النَّاصِرِيَّة: لَيْسَتْ في تَفاصيلِ السِّياساتِ التي يُمْكِنُ أَنْ يَخْتَلِفَ حَوْلَها الِاقْتِصادِيّون، وَإِنَّما في إِدْراكٍ مُبَكِّرٍ لِحَقيقَةٍ أَصْبَحَتِ اليَوْمَ مِنْ بَديهِيّاتِ الِاقْتِصادِ الدَّوْلِيّ، وَهِيَ أَنَّ المُسْتَقْبَلَ لَنْ يَكونَ لِلْأُمَمِ المُنْعَزِلَة، بَلْ لِلْكِياناتِ القادِرَةِ على تَحْويلِ القَواسِمِ المُشْتَرَكَةِ إلى قُوَّةِ إِنْتاج، وَإلى نُفوذٍ اقْتِصادِيّ، وَإلى قُدْرَةٍ جَماعِيَّةٍ على المُنافَسَةِ في عالَمٍ يَتَكَتَّلُ بِوَتيرَةٍ غَيْرِ مَسْبوقَة!.
(خاص "عروبة 22")

