بصمات

"الدُّسْتور" في مُواجَهَةِ تَحَدِّياتِ الواقِع!

كانَتِ السَّنَةُ الرّاهِنَةُ مُناسَبَةً لِلِاحْتِفالِ بِمُرورِ مِئَةِ سَنَةٍ على إِعْلانِ الدُّسْتورِ عامَ 1926. وَكانَتِ الِاسْتِعْداداتُ تُنْبِئُ بِأَنَّ إِحْياءَ المُناسَبَةِ سَيَكونُ تَأْكيدًا لِرُسوخِ الجُمْهورِيَّةِ اللُّبْنانِيَّةِ التي أَعْلَنَها الدُّسْتور. إِلّا أَنَّ التَّطَوُّراتِ التي شَهِدَها لُبْنانُ بِانْدِلاعِ الحَرْبِ وَالعُدْوانِ الذي شَهِدَهُ الجَنوبُ ابْتِداءً مِنْ 2 مارِس/آذار 2026، جَعَلَتْ 23 مايو/أَيّار يَمُرُّ سَريعًا حَزينًا أَمامَ ما تَتَعَرَّضُ لَهُ البِلادُ مِنْ حَرْبٍ عُدْوانِيَّةٍ تَدْميرِيَّة، تَداعِياتُها سَتَكونُ جَسيمَة.

يَطْرَحُ هَذا الواقِعُ أَمامَنا إِشْكالِيَّةً تَتَمَحْوَرُ حَوْلَ صِلَةِ الدُّسْتورِ كَوَثيقَةٍ مُعَبِّرَةٍ عَنْ وَحْدَةِ البِلادِ وَخُضوعِها لِمَبادِئَ جامِعَةٍ بِالواقِعِ الذي يُشَكِّلُ تَحَدِّيًا لِهَذِهِ الوَحْدَةِ وَهَذِهِ المَبادِئ. الأَمْرُ الذي يَنْطَبِقُ على بُلْدانٍ عَرَبِيَّةٍ أُخْرى تُعاني أَيْضًا مِنْ تَحَدِّياتِ الواقِعِ لِلدُّسْتورِ وَتَجاوُزِهِ وَانْتِهاكِه.

إِنَّ التَّجارِبَ الدُّسْتورِيَّةَ في العالَمِ العَرَبِيِّ تَرْجِعُ إلى عامِ 1861، حينَ أَعْلَنَتْ تونِس، في عَهْدِ البايِ مُحَمَّدِ الصّادِقِ، أَوَّلَ دُسْتورٍ يَنُصُّ على فَصْلِ السُّلُطاتِ وَالمُساواةِ بَيْنَ الرَّعايا. في وَقْتٍ كانَتْ فَرَنْسا هِيَ التي تَضْغَطُ مِنْ أَجْلِ إِقْرارِ هَذِهِ المَبادِئ. إِلّا أَنَّ المَسْأَلَةَ الدُّسْتورِيَّةَ تَطَوَّرَتْ سَريعًا وَأَصْبَحَتْ مَطْلَبًا سِياسِيًّا. وَأَمامَ ضَغْطِ رِجالِ التَّنْظيماتِ في الدَّوْلَةِ العُثْمانِيَّة، أَقَرَّ السُّلْطانُ عَبْدُ الحَميدِ الثّاني الدُّسْتورَ عامَ 1876 في بِدايَةِ عَهْدِه، إِلّا أَنَّهُ عَلَّقَ العَمَلَ بِهِ بَعْدَ حَوالَيْ السَّنَةِ مِنْ إِقْرارِه.

دستور عام 1920 أرسى أوّل ديمقراطية عربية

في تِلْكَ الآوِنَة، تَحَوَّلَتِ المَسْأَلَةُ الدُّسْتورِيَّةُ إلى عُنْوانٍ لِلنَّشاطِ السِّياسِيّ، بَل إلى بَعْثِ الحَياةِ السِّياسِيَّةِ بِمَعْناها الحَديث. وَقَدْ أَثْمَرَ نِضالُ الجَمْعِيّاتِ مِثْلَ (تُرْكْيا الفَتاة) وَ(الاتِّحادِ وَالتَّرَقّي) في إِعْلانِ الدُّسْتورِ بَعْدَ انْقِلابٍ عَسْكَرِيٍّ في يولْيو/تَمّوز 1908، وَلِفَتْرَةٍ وَجيزَةٍ اعْتَقَدَ رِجالُ الإِصْلاحِ أَنَّ الدَّوْلَةَ إِزاءَ تَحَوُّلٍ جَذْرِيّ، وَأَنَّ الِانْقِلابَ الدُّسْتورِيَّ هُوَ بِمَثابَةِ ثَوْرَةٍ فَرَنْسِيَّة، حَتّى أَنَّ سُلَيْمانَ البُسْتانِي كَتَب: "إِنَّ الدَّوْلَةَ سَتَعودُ إلى قُوَّتِها في غُضونِ رُبْعِ قَرْنٍ مِنَ الزَّمَن". وَقَدْ أَطْلَقَ الدُّسْتورُ بَعْدَ إِعْلانِهِ الحُرِّياتِ العامَّةَ وَنَفَّذَتِ الحُكومَةُ انْتِخاباتِ مَنْدوبينَ عَنِ الوِلايات. لَكِنَّ النَّزْعَةَ الطّورانِيَّةَ غَلَبَتْ على حُكّامِ الدَّوْلَةِ وَوَرَّطُوا الدَّوْلَةَ في الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الأولى التي كانَتْ بِمَثابَةِ إِعْلانٍ لِنِهايَةِ الدَّوْلَةِ العُثْمانِيَّة.

وَبَعْدَ إِقامَةِ الحُكومَةِ العَرَبِيَّةِ في دِمَشْقَ عامَ 1918، وَإِعْلانِ المَمْلَكَةِ العَرَبِيَّةِ بِقِيادَةِ المَلِكِ فَيْصَل، صيغَ دُسْتورٌ لِلبِلادِ عامَ 1920، تَقولُ عَنْهُ إِليزابيث تومْبْسون صاحِبَةُ كِتابِ "كَيْفَ سَرَقَ الغَرْبُ الدّيمُقراطِيَّةَ مِنَ العَرَب"، إِنَّهُ أَرْسى أَوَّلَ ديمُقراطِيَّةٍ عَرَبِيَّة، تَضْمَنُ حُقوقًا مُتَساوِيَةً لِجَميعِ المُواطِنين. وَلَكِنَّ الفَرَنْسِيّينَ احْتَلّوا البِلادَ قَبْلَ إِقْرارِهِ وَسَحَقوا المَمْلَكَةَ العَرَبِيَّةَ الوَليدَةَ وَالدُّسْتورَ المَوْعود.

وَفي عامِ 1923، أَقَرَّ المِصْرِيّونَ الدُّسْتورَ بَعْدَ ثَوْرَةِ عامِ 1919، وَانْتُخِبَ البَرْلَمانُ وَتَأَسَّسَتِ الأَحْزاب. وَكانَ الدُّسْتورُ عُرْضَةً لِلتَّجاذُبِ بَيْنَ الأَحْزابِ وَالمَلِكِ وَالإِنْكليزِ وُصولًا إلى انْقِلابِ 1952، الذي عَلَّقَ الحَياةَ الدُّسْتورِيَّة.

لبنان لم يعرف "العدالة الانتقالية" لتصفية إرث الحرب والنزاعات

وَيَأْتي الدُّسْتورُ اللُّبْنانِيُّ عامَ 1926، في ظِلِّ انْتِدابٍ فَرَنْسِيٍّ كانَتْ عُصْبَةُ الأُمَمِ تُطالِبُ الدَّوْلَةَ المُنْتَدَبَةَ بِالِالتِزامِ بِالمُهَلِ المُعْطاةِ لَها. وَلا شَكَّ أَنَّ الدُّسْتورَ اللُّبْنانِيَّ مَأْخوذٌ في روحِهِ وَمَبادِئِهِ عَنِ الدُّسْتورِ الفَرَنْسِيّ، وَما اتُّفِقَ على أَنَّهُ مَبادِئُ دُسْتورِيَّةٌ مِثْلُ فَصْلِ السُّلُطاتِ وَالحُرِّياتِ العامَّة، وَإِقامَةِ حُكومَةٍ بَرْلَمانِيَّةٍ إِلَخ. إِلّا أَنَّ الدُّسْتورَ اللُّبْنانِيَّ أُقِرَّ في وَقْتٍ كانَ لا يَزَالُ جُزْءٌ مِنَ اللُّبْنانِيّينَ مُعْتَرِضًا على إِقامَةِ دَوْلَةٍ مُنْفَصِلَةٍ عَنْ سورْيا، وَكانَ المِزاجُ العامُّ لَدى المُسْلِمينَ يُطالِبُ بِالوَحْدَةِ السّورِيَّة. وَإِذا كانَتِ التَّطَوُّراتُ قَدْ دَفَعَتِ المُعْتَرِضينَ إلى القَبولِ بِالجُمْهورِيَّة (بَعْدَ مُعاهَدَةٍ سورِيَّةٍ - فَرَنْسِيَّةٍ لَمْ تُقَرّ، تَنُصُّ على اسْتِقْلالِ سورِيَّة دونَ لُبْنان). إِلّا أَنَّ هَذا القَبولَ كانَ يَحْتَاجُ إلى ميثاقٍ شَفَهِيٍّ لَحْظَةَ الِاسْتِقْلالِ عامَ 1943 يَنُصُّ على تَوْزيعِ الرِّئاساتِ على الطَّوائِفِ وَتَحْديدِ عَدَدِ نُوّابِ كُلِّ طائِفَة. وَأَبْرَزُ ما في الميثاقِ عَبَّرَ عَنْهُ البَيانُ الوِزارِيُّ لِحُكومَةِ الِاسْتِقْلال: "لا نُريدُ لُبْنانَ لِلِاسْتِعْمارِ مَقَرًّا، وَلا لِإِخْوانِنا في البِلادِ العَرَبِيَّةِ مَمَرًّا. بَل نَحْنُ وَهُمْ نُريدُهُ وَطَنًا سَيِّدًا عَزيزًا حُرًّا مُسْتَقِلًّا".

يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ لُبْنانَ مِنْ بَيْنِ كُلِّ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ اسْتَطاعَ أَنْ يُحافِظَ على المَبادِئِ الدُّسْتورِيَّةِ كالنِّظامِ البَرْلَمانِيِّ وَفَصْلِ السُّلُطاتِ وَالحُرِّياتِ العامَّة، كَتَأْسيسِ الأَحْزابِ وَحُرِّيَّةِ الصَّحافَةِ إِلَخ. لَكِنَّ التَّطَوُّراتِ التي عَصَفَتْ بِلُبْنانَ مَعَ بِدايَةِ سَبْعينِيّاتِ القَرْنِ الماضي، وَضَعَتِ المَبادِئَ الميثاقِيَّةَ وَالصَّلاحِيّاتِ الدُّسْتورِيَّةَ لِلرِّئاسَةِ مَوْضِعَ نِزاع. وَقَدْ جاءَتِ الحَرْب، التي كانَتْ ذَريعَتُها الوُجودَ الفِلَسْطينِيّ، لِتُعيدَ التَّوازُناتِ بَيْنَ الطَّوائِفِ وُصولًا إلى الرِّعايَةِ العَرَبِيَّةِ لِاتِّفاقِ الطّائِفِ عامَ 1989، الذي أَدْخَلَ تَعْديلاتٍ أَساسِيَّةً مِنْ أَبْرَزِ ما طُبِّقَ مِنْها: إِعْطاءُ مَجْلِسِ الوُزَراءِ مُجْتَمِعًا الصَّلاحِيّاتِ التي كانَتْ بِيَدِ رِئاسَةِ الجُمْهورِيَّة، وَتَعْزيزُ صَلاحِيّاتِ رِئاسَةِ مَجْلِسِ النُّوّاب، إِلّا أَنَّ مَوادَّ أُخْرى لَمْ تَجِدْ طَريقَها إلى التَّطْبيقِ وَالتَّنْفيذ، مِثْل: إِنْشاءُ الهَيْئَةِ التي تَدْرُسُ إِلغاءَ الطّائِفيةِ السِّياسِيَّةِ وَإِحْداثُ مَجْلِسٍ لِلشُّيوخ، وَالإِنْماءُ المُتَوازِنُ بَيْنَ المَناطِق، وَبَسْطُ سُلْطَةِ الدَّوْلَةِ على جَميعِ أَراضِي لُبْنانَ وَنَزْعُ سِلاحِ الميليشْيات.

وَإِذْ أَعْلَنَ دُسْتورُ الطَّائِفِ نِهايَةَ الحَرْب. إِلّا أَنَّ لُبْنانَ لَمْ يَعْرِفْ تَجْرِبَةَ "العَدالَةِ الِانْتِقالِيَّة" لِتَصْفِيَةِ إِرْثِ الحَرْبِ وَالنِّزاعات. وَلَمْ تُشَكَّل لَجْنَةُ تَقَصّي الحَقائِق (بِما في ذَلِكَ المَفْقودونَ خِلالَ الحَرْبِ) وَلا مُحاسَبَةُ الجَرائِمِ الخَطيرَةِ وَانْتِهاكاتِ حُقوقِ الإِنْسان، لَكِنَّ الذي حَدَثَ فِعْلِيًّا هُوَ أَنَّ الميليشْياتِ التي خاضَتِ الحَرْبَ هِيَ التي تَصَدَّرَتِ الحَياةَ السِّياسِيَّةَ بَعْدَ الحَرْب، وَأَرْسَلَتِ الميليشْياتُ التي لَمْ يُنْزَعْ سِلاحُ مُحازِبيها، نُوّابًا يُمَثِّلونَها إلى البَرْلَمان، وَأَصْبَحَتْ هِيَ التي تَتَحَكَّمُ بِالدُّسْتورِ وَتَعْديلاتِهِ وَتَتَلاعَبُ بِالقَوانينِ الِانْتِخابِيَّة.

المطلب الرئيسي هو نزع هيمنة الأحزاب الطائفية وعندها يمكن أن نطالب بتطبيق اللامركزية الإدارية الموسّعة

في زَمَنِ الأَزْماتِ التي يَمُرُّ بِها لُبْنان، يَتَصاعَدُ الكَلامُ عَنِ التَّقْسيمِ وَالفيدِرالِيَّة. وَأَغْلَبُ دُعاةِ الفيدِرالِيَّةِ تَحْتَ عُنْوانِ اللّامَرْكَزِيَّةِ الإِدارِيَّةِ هُمْ مِنَ البيئَةِ المَسيحِيَّة. وَلَكِنَّ هَؤُلاءِ لا يُدْرِكونَ أَنَّ لُبْنانَ مُنْذُ نِهايَةِ الحَرْبِ يَعيشُ ما يُشْبِهُ لامَرْكَزِيَّةً طائِفِيَّةً ميليشْيَوِيَّة، إِذْ تَتَحَكَّمُ الأَحْزابُ المُسَلَّحَةُ بِمَناطِقَ مِنْ لُبْنان. وَتَتَحَكَّمُ في الوَقْتِ نَفْسِهِ بِالقَوانينِ وَقَراراتِ الحُكومَة.

في الذِّكْرى المِئَوِيَّةِ لإِعْلانِ الدُّسْتور، وَفي ظِلِّ المَشْهَدِ القاتِمِ الرّاهِنِ الذي يُسَيْطِرُ على لُبْنان، قَدْ يَكونُ المَطْلَبُ الرَّئيسِيُّ هُوَ نَزْعُ هَيْمَنَةِ الأَحْزابِ الطَّائِفِيَّةِ التي يَتَسَتَّرُ بَعْضُها بِبَعْض. وَعِنْدَها يُمْكِنُ أَنْ نُطالِبَ بِتَطْبيقِ اللّامَرْكَزِيَّةِ الإِدارِيَّةِ المُوَسَّعَةِ وَتَطْبيقِ سائِرِ البُنودِ التي لَمْ تُطَبَّقْ على الرَّغْمِ مِنْ مُرورِ كُلِّ هَذِهِ السَّنَواتِ على التَّعْديلاتِ التي أَقَرَّها مُؤْتَمَرُ الطّائِفِ وَصارَتْ جُزْءًا مِنَ الدُّسْتور!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن