التَّحَوُّلاتُ الاقتِصادِيَّةُ والمَعرِفِيَّة.. وأزمَةُ الفِعلِ الجَماعِيّ!

يَشْهَدُ العالَمُ اليَوْمَ تَحَوُّلاتٍ غَيْرَ مَسْبوقَةٍ تُعيدُ رَسْمَ مَوازينِ القُوى الِاقْتِصادِيَّةِ وَالسِّياسِيَّةِ وَالعَسْكَرِيَّة، فَقَدْ أَضْحَتِ التِّكْنولوجْيا وَالذَّكاءُ الِاصْطِناعِيُّ وَالِاقْتِصادُ الرَّقْمِيُّ وَالقُدْرَةُ على التَّحَكُّمِ في البَياناتِ عَوامِلَ حاسِمَةً في تَحْديدِ مَكانَةِ الدُّوَلِ وَنُفوذِها، بَيْنَما تُواصِلُ الِاقْتِصاداتُ العَرَبِيَّةُ مُواجَهَةَ تَحَدِّياتٍ مُتَشابِكَةٍ تَتَعَلَّقُ بِضَعْفِ التَّنْويعِ الِاقْتِصادِيّ، وَتَراجُعِ الِاسْتِثْمارِ في البَحْثِ العِلْمِيّ، وَاسْتِمْرارِ النِّزاعاتِ الإِقْليمِيَّة، وَغِيابِ مَشْروعٍ عَرَبِيٍّ جَماعِيٍّ قادِرٍ على مُواكَبَةِ هذِهِ التَّحَوُّلات؛ وَفي الوَقْتِ الذي تَتَّجِهُ فيهِ القُوى الكُبْرى نَحْوَ بِناءِ تَكَتُّلاتٍ اقْتِصادِيَّةٍ وَتِكْنولوجِيَّةٍ مُتَقَدِّمَة، يُثارُ سُؤالٌ جَوْهَرِيّ: هَل أَضاعَ العَرَبُ مَرَّةً أُخْرى فُرْصَةً تاريخِيَّةً لِلَّحاقِ بِرَكْبِ التَّحَوُّلاتِ العالَمِيَّة؟.

التَّحَوُّلاتُ الاقتِصادِيَّةُ والمَعرِفِيَّة.. وأزمَةُ الفِعلِ الجَماعِيّ!

يَشْهَدُ العالَمُ انْتِقالًا مِنَ الِاقْتِصادِ الصِّناعِيِّ التَّقْليدِيِّ إلى اقْتِصادٍ قائِمٍ على المَعْرِفَةِ وَالِابْتِكارِ وَالتِّكْنولوجْيا المُتَقَدِّمَة، فَقَدْ أَفْرَزَتِ الثَّوْرَةُ الصِّناعِيَّةُ الرّابِعَةُ تَحَوُّلاتٍ عَميقَةً جَعَلَتِ الذَّكاءَ الِاصْطِناعِيَّ وَالرّوبوتاتِ وَالبَياناتِ الضَّخْمَةَ وَالحَوْسَبَةَ السَّحابِيَّةَ أَدَواتٍ أَساسِيَّةً لِإِنْتاجِ الثَّرْوَةِ وَالنُّفوذ، وَلَمْ تَعُدِ القُوَّةُ تُقاسُ فَقَطْ بِحَجْمِ النّاتِجِ الدّاخِلِيِّ الخامِ أَوْ بِالقُدُراتِ العَسْكَرِيَّةِ التَّقْليدِيَّة، بَل أَصْبَحَتْ تَرْتَبِطُ بِامْتِلاكِ التِّكْنولوجْيا وَالقُدْرَةِ على إِنْتاجِ المَعْرِفَةِ وَالتَّحَكُّمِ في البَياناتِ وَالشَّبَكاتِ الرَّقْمِيَّة.

يزداد الوضع العربي تعقيدًا مع ضعف التكامل الاقتصادي والافتقار إلى استراتيجية مشتركة للسيادة التكنولوجية

غَيْرَ أَنَّ الِاقْتِصاداتِ العَرَبِيَّةَ تَبْدو أَقَلَّ اسْتِعْدادًا لِهذِهِ التَّحَوُّلات، فَعلى الرَّغْمِ مِنَ التَّفاوُتِ الكَبيرِ بَيْنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، لا يَزالُ عَدَدٌ مِنْها يَعْتَمِدُ بِشَكْلٍ كَبيرٍ على النَّفْطِ وَالغاز، مَعَ ضَعْفِ التَّنْويعِ الِاقْتِصادِيِّ وَهَشاشَةِ القاعِدَةِ الصِّناعِيَّة. كَما أَنَّ مُساهَمَةَ الِاقْتِصادِ الرَّقْمِيِّ وَالتِّكْنولوجْيا في النّاتِجِ الدّاخِلِيِّ الخامِ تَبْقى مَحْدودَةً مُقارَنَةً بِالدُّوَلِ المُتَقَدِّمَةِ أَوِ الِاقْتِصاداتِ الصّاعِدَةِ التي جَعَلَتْ مِنَ الِابْتِكارِ مُحَرِّكًا أَساسِيًّا لِلنُّمُوّ؛ وَيَبْرُزُ ضَعْفُ البَحْثِ العِلْمِيِّ كَأَحَدِ أَهَمِّ مَظاهِرِ التَّأَخُّرِ الِاقْتِصادِيِّ العَرَبِيّ، حَيْثُ تُخَصِّصُ مُعْظَمُ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ نِسَبًا مَحْدودَةً مِنْ ناتِجِها الدّاخِلِيِّ الخامِ لِلبَحْثِ وَالتَّطْوير، في حينِ تَسْتَمِرُّ هِجْرَةُ الكَفاءاتِ وَالعُقولِ إلى الخارِج. كَما تُواجِهُ المِنْطَقَةُ تَحَدِّيًا ديموغْرافِيًّا مُزْدَوِجًا؛ فَبَعْضُ الدُّوَلِ تَعْرِفُ تَراجُعًا في مُعَدَّلاتِ الخُصوبَةِ وَشَيْخوخَةً سُكّانِيَّة، بَيْنَما تَتَمَيَّزُ دُوَلٌ أُخْرى بِوَفْرَةٍ شَبابِيَّةٍ كَبيرَةٍ قَدْ تَتَحَوَّلُ إلى عِبْءٍ اقْتِصادِيٍّ وَاجْتِماعِيٍّ إِذا اسْتَمَرَّتِ البِطالَةُ وَضَعْفُ الِاسْتِثْمارِ وَتَراجُعُ جَوْدَةِ التَّعْليم.

الجُغْرافْيا السِّياسِيَّةُ الجَديدَةُ وَأَزْمَةُ العَمَلِ العَرَبِيِّ المُشْتَرَك

لَمْ تَعُدِ القُوَّةُ العَسْكَرِيَّةُ التَّقْليدِيَّةُ وَحْدَها كافيةً لِضَمانِ النُّفوذِ أَوْ حِمايَةِ السِّيادَةِ الوَطَنِيَّة، كَما سَلَفَ الذِّكْر، إِذْ أَصْبَحَ العالَمُ يَشْهَدُ صُعودَ قُوًى تِكْنولوجِيَّةٍ جَديدَةٍ تَعْتَمِدُ على الذَّكاءِ الِاصْطِناعِيِّ وَأَشْباهِ الموصِلاتِ وَالحَوْسَبَةِ الكَمِّيَّةِ وَالأَمْنِ السّيبْرانِيّ؛ وَأَصْبَحَ التَّنافُسُ بَيْنَ الدُّوَلِ الكُبْرى يَدورُ حَوْلَ السَّيْطَرَةِ على التِّكْنولوجْيا وَالبَيانات، وَهُوَ ما يَفْرِضُ على الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ تَحَدِّياتٍ اسْتراتيجِيَّةً غَيْرَ مَسْبوقَة، خاصَّةً في ظِلِّ اسْتِمْرارِ الِاعْتِمادِ على التِّكْنولوجْيا الأَجْنَبِيَّةِ وَضَعْفِ الِاسْتِثْمارِ في الِابْتِكار؛ وَفي الوَقْتِ عَيْنِه، لا تَزالُ المِنْطَقَةُ العَرَبِيَّةُ تُعاني مِنِ اسْتِمْرارِ بُؤَرِ التَّوَتُّرِ وَالنِّزاعاتِ المُسَلَّحَة، فَالحَرْبُ في السّودانِ تُهَدِّدُ وَحْدَةَ الدَّوْلَةِ وَتُخَلِّفُ آثارًا إِنْسانِيَّةً وَاقْتِصادِيَّةً خَطيرَة، بَيْنَما تَسْتَمِرُّ ليبْيا في مُواجَهَةِ الِانْقِسامِ السِّياسِيِّ وَالتَّدَخُّلاتِ الخارِجِيَّةِ التي تُهَدِّدُ الأَمْنَ المَغارِبِيّ. أَمّا لُبْنان، فَيَعيشُ أَزْمَةً مُرَكَّبَةً تَجْمَعُ بَيْنَ الِانْهِيارِ الِاقْتِصادِيِّ وَالمالِيِّ وَأَزْمَةِ النِّظامِ السِّياسِيِّ وَضَعْفِ مُؤَسَّساتِ الدَّوْلَة.

وَعلى الرَّغْمِ مِنَ التَّحَوُّلَاتِ الإِيجابِيَّةِ التي يَشْهَدُها الخَليجُ العَرَبِيّ، خاصَّةً في مَجالاتِ التَّنْويعِ الِاقْتِصادِيِّ وَالِاسْتِثْمارِ في التِّكْنولوجْيا وَالذَّكاءِ الِاصْطِناعِيِّ وَبِناءِ اقْتِصاداتِ ما بَعْدَ النَّفْط، فَإِنَّ المِنْطَقَةَ لا تَزالُ تُعاني مِنْ غِيابِ رُؤْيَةٍ عَرَبِيَّةٍ مُوَحَّدَةٍ لِلأَمْنِ الإِقْليمِيّ، وَمِنِ اسْتِمْرارِ التَّبايُناتِ السِّيَاسِيَّةِ وَالِاسْتراتيجِيَّةِ بَيْنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة؛ وَيَزْدادُ هَذا الوَضْعُ تَعْقيدًا مَعَ مَحْدودِيَّةِ دَوْرِ جامِعَةِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ وَضَعْفِ التَّكامُلِ الِاقْتِصادِيِّ العَرَبِيّ؛ فَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ العالَمَ العَرَبِيَّ يَمْتَلِكُ سوقًا واسِعَةً تَفوقُ 450 مِلْيونَ نَسَمَة، وَمَوارِدَ طَبيعِيَّة، وَمَوْقِعًا جُغْرَافِيًّا اسْتراتيجِيًّا، فَإِنَّ المُبادَلاتِ التِّجارِيَّةَ البَيْنِيَّةَ وَالِاسْتِثْماراتِ المُشْتَرَكَةَ تَبْقى مَحْدودَة، كَما تَغيبُ سَلاسِلُ القيمَةِ العَرَبِيَّةِ في القِطاعاتِ الصِّناعِيَّةِ وَالتِّكْنولوجِيَّة؛ وَإلى جانِبِ ذَلِك، تَفْتَقِرُ المِنْطَقَةُ إلى اسْتراتيجِيَّةٍ عَرَبِيَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ لِلسِّيادَةِ التِّكْنولوجِيَّة، حَيْثُ لا توجَدُ شَرِكاتٌ تِكْنولوجِيَّةٌ عَرَبِيَّةٌ عِمْلاقَة، أَوْ صِناعَةٌ مُتَقَدِّمَةٌ لِلذَّكاءِ الِاصْطِناعِيّ، أَوْ بَرامِجُ مُشْتَرَكَةٌ في مَجالاتِ أَشْباهِ الموصِلاتِ وَالحَوْسَبَة.

التحدي الحقيقي في امتلاك الرؤية الاستراتيجية التي تمكّن العالم العربي من صناعة مستقبله بنفسه

يَقِفُ العالَمُ العَرَبِيُّ اليَوْمَ أَمامَ مُفْتَرَقِ طُرُقٍ تاريخِيّ، فَإِمّا الِاسْتِمْرارُ في التَّشَرْذُمِ السِّياسِيِّ وَالِاعْتِمادُ على التِّكْنولوجْيا الأَجْنَبِيَّةِ وَضَعْفُ الِاسْتِثْمارِ في المَعْرِفَة، وَهُوَ ما قَدْ يُؤَدّي إلى مَزيدٍ مِنَ التَّراجُعِ في المَكانَةِ الدَّوْلِيَّةِ لِلمِنْطَقَة، وَإِمّا بِناءُ أُنْموذَجٍ جَديدٍ لِلتَّعاوُنِ يَقومُ على التَّكامُلِ الِاقْتِصادِيِّ وَالِاسْتِثْمارِ في البَحْثِ العِلْمِيِّ وَالذَّكاءِ الِاصْطِناعِيِّ وَالصِّناعاتِ الِاسْتراتيجِيَّة، وَتَعْزيزِ الأَمْنِ الغِذائِيِّ وَالطّاقِيِّ وَالرَّقْمِيّ.

لَقَدْ أَضاعَتِ الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ في الماضِي فُرَصًا عَديدَةً لِلَّحاقِ بِالثَّوْراتِ الصِّناعِيَّةِ وَالعِلْمِيَّة، لَكِنَّ الخَطَرَ اليَوْمَ يَبْدو أَكْبَرَ وَأَكْثَرَ تَعْقيدًا، لِأَنَّ العالَمَ يَدْخُلُ عَصْرًا جَديدًا تُصْبِحُ فيهِ التِّكْنولوجْيا وَالِاقْتِصادُ الرَّقْمِيُّ عَناصِرَ حاسِمَةً لِلسِّيادَةِ وَالقُوَّة؛ وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ السُّؤالَ لَمْ يَعُد: هَلْ تَسْتَطيعُ بُلْدانُ المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّةِ اللَّحاقَ بِالرَّكْب؟، بَل أَصْبَح: هَلْ تَسْتَطيعُ تَجَنُّبَ التَّحَوُّلِ إلى مُجَرَّدِ فَضاءٍ اسْتِهْلاكِيٍّ وَتابِعٍ في عالَمٍ تَتَحَكَّمُ فيهِ القُوى المالِكَةُ لِلتِّكْنولوجْيا وَالمَعْرِفَة؟. لَا يَكْمُنُ التَّحَدّي الحَقيقِيُّ في نَقْصِ الإِمْكانات، بَلْ في امْتِلاكِ الإِرادَةِ السِّياسِيَّةِ وَالرُّؤْيَةِ الِاسْتراتيجِيَّةِ التي تُمَكِّنُ العالَمَ العَرَبِيَّ مِنِ اسْتِعادَةِ دَوْرِهِ وَصِناعَةِ مُسْتَقْبَلِهِ بِنَفْسِه!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن