تقدير موقف

النَّشيدُ الأميركِيّ: قِيَمُ الحُرِّيةِ في النَّصِّ وإشكالِيَّةُ القُوَّةِ في المُمارَسَة!

يُعَدُّ النَّشيدُ الوَطَنِيُّ الأَميركِيُّ (The Star Spangled Banner) "الرّايَةُ المُـوَشَّحَةُ بِالنُّجوم"، مِنْ أَبْرَزِ النُّصوصِ المُـؤَسِّسَةِ لِلْهُوِيَّةِ القَوْمِيَّةِ الأَميركِيَّة؛ إِذْ يُقَدِّمُ الوِلاياتِ المُـتَّحِدَةَ في صورَةِ أُمَّةٍ تَتَجَسَّدُ فيها مَعاني الحُرِّيَّةِ وَالشَّجاعَةِ وَالصُّمودِ وَالدِّفاعِ عَنِ الوَطَن. وَقَدِ ارْتَبَطَ النَّشيدُ مُنْذُ اعْتِمادِهِ رَسْمِيًّا بِتَعْزيزِ الشُّعورِ الوَطَنِيِّ وَتَرْسيخِ صورَةِ العَلَمِ الأَميركِيِّ رَمْزًا لِلْكَرامَةِ وَالاِسْتِقْلالِ وَالاِنْتِصارِ على التَّهْديداتِ الخارِجِيَّة. وَمِنْ خِلالِ عِباراتِهِ التي تَحْتَفي بِبَقاءِ الرّايَةِ مَرْفوعَةً فَوْقَ أَرْضِ المَعْرَكَةِ تَتَشَكَّلُ صورَةٌ مِثالِيَّةٌ لِأُمَّةٍ تَحْمي حُرِّيَّتَها وَتَسْتَمِدُّ قُوَّتَها مِنْ تَمَسُّكِها بِالقِيَمِ الإِنْسانِيَّةِ (الزّائِفَة) التي تُعْلِنُها!.

النَّشيدُ الأميركِيّ: قِيَمُ الحُرِّيةِ في النَّصِّ وإشكالِيَّةُ القُوَّةِ في المُمارَسَة!

تَبْلُغُ الرِّسالَةُ الفِكْرِيَّةُ لِلنَّشيدِ ذُرْوَتَها في عِبارَتِهِ الشَّهيرَة: "أَرْضُ الأَحْرارِ وَمَوْطِنُ الشُّجْعان". وَتُـمَثِّلُ هَذِهِ العِبارَةُ جَوْهَرَ المِخْيالِ القَوْمِيِّ الأَميركِيّ؛ حَيْثُ تَجْعَلُ الحُرِّيَّةَ القيمَةَ العُلْيا التي تَسْتَنِدُ إِلَيْها شَرْعِيَّةُ الدَّوْلَةِ وَصورَتُها الأَخْلاقِيَّة. كَما تَظْهَرُ الشَّجاعَةُ في النَّشيدِ بِاعْتِبارِها الوَسيلَةَ التي تَحْمي هَذِهِ الحُرِّيَّةَ وَتُحافِظُ عَلَيْها، وَيَتَعَزَّزُ هَذا المَعْنى في قَوْلِه: "وَلْتَكُنْ إِذًا أَبَدًا حَيْثُ يَقِفُ الرِّجالُ الأَحْرارُ بَيْنَ وَطَنِهِمُ المَحْبوبِ وَخَرابِ الحَرْب". وَمِنْ خِلالِ هَذا البِناءِ الرَّمْزِيِّ يَكْتَسِبُ المَشْروعُ الأَميركِيُّ بُعْدًا أَخْلاقِيًّا واسِعًا يَجْعَلُ الوِلاياتِ المُـتَّحِدَةَ حامِلَةً لِرِسالَةِ الحُرِّيَّةِ وَحارِسَةً لَها في الدّاخِلِ وَالخارِج.

مِنَ الحُرِّيَّةِ إلى التَّوَسُّعِ القارِّي

عِنْدَ الاِنْتِقالِ مِنَ النَّصِّ إلى التّاريخ، تَبْرُزُ مُفارَقَةٌ عَميقَةٌ بَيْنَ المِثالِ الذي يَطْرَحُهُ النَّشيدُ وَالمَسارِ الذي تَشَكَّلَتْ عَبْرَهُ الدَّوْلَةُ الأَميركِيَّة. فَقَدِ ارْتَبَطَ التَّوَسُّعُ غَرْبًا خِلالِ القَرْنَيْنِ الثّامِنَ عَشَرَ وَالتّاسِعَ عَشَرَ بِإِخْضاعِ مِساحاتٍ واسِعَةٍ مِنْ أَراضِي السُّكّانِ الأَصْلِيّينَ وَإِلْحاقِهَا بِالدَّوْلَةِ النّاشِئَة. وَتَكْتَسِبُ هَذِهِ المُفارَقَةُ دَلالَةً أَكْبَرَ إِذا ما قورِنَتْ بِعِبارَةِ "أَرْضِ الأَحْرار"، إِذْ شَهِدَتْ تِلْكَ المَرْحَلَةُ تَجْريدَ شُعوبٍ كامِلَةٍ مِنْ أَراضيهَا التّاريخِيَّةِ وَإِعادَةَ تَوْزيعِها لِصالِحِ المُسْتَوْطِنينَ الأوروبِّيّين.

كَما أَنَّ النَّشيدَ يَحْتَفي بِالنَّصْرِ العَسْكَرِيِّ عِنْدَما يُعْلِنُ أَنَّ "الرّايَةَ المُوَشَّحَةَ بِالنُّجومِ تُرَفْرِفُ بِانْتِصار"، وَهِيَ صورَةٌ ارْتَبَطَتْ تاريخِيًّا بِصُعودِ الدَّوْلَةِ الأَميركِيَّةِ وَاتِّساعِ رُقْعَتِها الجُغْرافِيَّةِ على حِسابِ مُجْتَمَعاتٍ كانَتْ تَقْطُنُ تِلْكَ الأَراضِيَ مُنْذُ قُرونٍ طَويلَة.

خُدْعَةُ اِكْتِشافِ الأَميركَتَيْن

تَكْتَسِبُ عِبارَةُ "أَرْضِ الأَحْرار" الوارِدَةُ في النَّشيدِ دَلالَةً إِشْكالِيَّةً عِنْدَ وَضْعِها في مُواجَهَةِ السَّرْدِيَّةِ التَّقْليدِيَّةِ التي تَتَحَدَّثُ عَنْ "اِكْتِشافِ" الأَميركَتَيْن؛ إِذْ إِنَّ مَفْهومَ الاِكْتِشافِ يَفْتَرِضُ أَرْضًا مَجْهولَةً أَوْ خالِيَةً مِنَ السُّكّان، بَيْنَمَا كانَتِ القارَّتانِ الأَميركِيَّتانِ مَوْطِنًا لِمَلَايينِ البَشَرِ مِنَ الشُّعوبِ الأَصْلِيَّةِ الذينَ امْتَلَكوا نُظُمًا سِياسِيَّةً وَاجْتِماعِيَّةً وَثَقافِيَّةً راسِخَةً قَبْلَ وُصولِ الأوروبِّيّينَ بِقُرونٍ طَويلَة.

الحرية التي يحتفي بها النصّ اقترنت بإقصاء شعوب أصلية

تَكْشِفُ تَجْرِبَةُ الهُنودِ الحُمْرِ إِحْدى أَكْثَرِ الصَّفَحاتِ تَأْثيرًا في التّاريخِ الأَميركِيِّ الحَديث؛ إِذْ شَهِدَتِ القارَّةُ الأَميركِيَّةُ مَوْجاتٍ مُتَتابِعَةً مِنْ إِبادَةِ الهُنودِ الحُمْرِ وَالاِسْتيلاءِ على أَراضِيهِمْ وَإِعادَةِ تَوْزيعِها لِصالِحِ المُسْتَوْطِنينَ الأوروبِّيّين، وَرافَقَتْ ذَلِكَ حُروبٌ وَعَمَلِيّاتُ تَهْجيرٍ واسِعَةٌ أَدَّتْ إلى انْهِيارِ الكَثيرِ مِنَ البُنى الاِجْتِماعِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ لِلسُّكّانِ الأَصْلِيِّين. وَتَزْدادُ حِدَّةُ المُفارَقَةِ عِنْدَ قِراءَةِ هَذِهِ الوَقائِعِ في ضَوْءِ العِبارَةِ المَرْكَزِيَّةِ في النَّشيد: "أَرْضُ الأَحْرارِ وَمَوْطِنُ الشُّجْعان"، إِذْ تَكْشِفُ التَّجْرِبَةُ التّاريخِيَّةُ أَنَّ الحُرِّيَّةَ التي يَحْتَفي بِها النَّصُّ اقْتَرَنَتْ في مَراحِلِ تَأْسيسِ الدَّوْلَةِ بِإِقْصاءِ شُعوبٍ أَصْلِيَّةٍ مِنَ المَجالِ الذي عاشَتْ فيهِ أَجْيالٌ مُتَعاقِبَة. كَمَا أَنَّ وَصْفَ النَّشيدِ لِلْخُصومِ بِعِباراتٍ مِنْ قَبيلِ "العَدُوُّ المُتَغَطْرِس" وَ"المُرْتَزِقَةُ وَالعَبِيد" يَعْكِسُ لُغَةَ تَعْبِئَةٍ حَرْبِيَّةٍ تَقومُ على التَّمْييزِ الحادِّ بَيْنَ الذّاتِ وَالآخَر، وَهِيَ لُغَةٌ صاحَبَتْ كَثيرًا مِنَ الصِّراعاتِ التي رافَقَتْ بِناءَ الدَّوْلَةِ الأَميركِيَّة.

الحُرِّيَّةُ العالَمِيَّةُ وَصُعودُ القُوَّةِ الأَميركِيَّة

مَعَ تَحَوُّلِ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ إلى قُوَّةٍ دَوْلِيَّةٍ كُبْرى خِلالِ القَرْنِ العِشْرين، اتَّسَعَ نِطاقُ الرِّسالَةِ التي يَحْمِلُها النَّشيد. وَأَصْبَحَتِ الحُرِّيَّةُ وَالدِيموقْراطِيَّةُ وَحُقوقُ الإِنْسانِ مُرْتَكَزاتٍ رَئيسَةً في الخِطابِ السِّياسِيِّ الأَميركِيّ، وَاكْتَسَبَتِ السِّياسَةُ الخارِجِيَّةُ بُعْدًا أَخْلاقِيًّا يَرْبِطُ بَيْنَ المَصالِحِ الاِسْتراتيجِـيَّةِ وَنَشْرِ القِيَمِ الأَميركِيَّةِ في العالَم. وَيَتَجَلّى هَذا المَعْنى في قَوْلِ النَّشيد: "وَعَلَيْنا أَنْ نُحَرِّرَ عِنْدَما تَكونُ قَضِيَّتُنا عادِلَةً"، وَهِيَ عِبارَةٌ تَمْنَحُ الفِعْلَ السِّياسِيَّ وَالعَسْكَرِيَّ بُعْدًا رِسالِيًّا يَتَجاوَزُ حُدودَ الدَّوْلَة. وَمِنْ خِلالِ هَذَا التَّصَوُّرِ جَرى تَقْديمُ التَّدَخُّلاتِ الأَميركِيَّةِ في مَناطِقَ مُخْتَلِفَةٍ مِنَ العالَمِ بِاعْتِبارِها جُهودًا لِحِمايَةِ الحُرِّيَّةِ أَوِ الدِّفاعِ عَنْها، الأَمْرُ الذي مَنَحَ السِّياسَةَ الخارِجِيَّةَ غِطاءً أَخْلاقِيًّا واسِعًا.

فْيِتْنام: القُوَّةُ في مُواجَهَةِ خِطابِ الحُرِّيَّة

تُـمَثِّلُ حَرْبُ فْيِتْنام (1955-1975) إِحْدى أَبْرَزِ المَحَطّاتِ التي كَشَفَتِ التَّوَتُّرَ بَيْنَ القِيَمِ المُعْلَنَةِ وَالمُـمارَسَةِ الفِعْلِيَّة. فَقَدْ رَفَعَتِ الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ شِعاراتِ الدِّفاعِ عَنِ الحُرِّيَّة، بَيْنَما خَلَّفَتِ الحَرْبُ دَمارًا واسِعًا أَسْفَرَ عَنْ مَقْتَلِ نَحْوِ ثَلاثَةِ مَلايينَ شَخْص، وَاسْتِخْدامِ مَلايِينِ الأَطْنانِ مِنَ القَنابِل، وَرَشِّ نَحْوِ 50 مَلْيونَ ليتْرٍ مِنَ المُبيداتِ السّامَّةِ المَعْروفَةِ بِالعامِلِ البُرْتُقالِي (Agent Orange) التي سَبَّبَتْ دَمارًا واسِعَ النِّطاقِ لِلْغاباتِ وَالنُّظُمِ البيئِيَّةِ في فْيِتْنامَ وَجِوارِها.

القوة العسكرية عنصر محوري في إعادة تشكيل خرائط السياسة والمجتمع في العالم

وَتَبْرُزُ هُنا المُفارَقَةُ بَيْنَ واقِعِ الحَرْبِ وَبَيْنَ الصّورَةِ التي يَرْسُمُها النَّشيدُ لِأُمَّةٍ تَقِفُ تَحْتَ رايَةِ "أَرْضِ الأَحْرارِ وَمَوْطِنِ الشُّجْعان". كَمَا أَنَّ احْتِفاءَ النَّشيدِ بِمَشاهِدِ "وَهَجِ الصَّوارِيخِ الحَمْراءِ وَانْفِجارِ القَنابِلِ في الهَواءِ" يَكْتَسِبُ دَلالَةً مُخْتَلِفَةً عِنْدَ اسْتِحْضارِ ما خَلَّفَتْهُ القُوَّةُ النّارِيَّةُ الأَميركِيَّةُ في فْيِتْنامَ مِنْ آثارٍ إِنْسانٍيَّةٍ وَبيئِيَّةٍ امْتَدَّتْ لِعُقودٍ طَويلَة.

العِراقُ وَأَفْغانِسْتان: إِعادَةُ تَشْكيلِ الجُغْرافْيا بِالقُوَّة

تَكَرَّرَتِ الإِشْكالِيَّةُ عَيْنُها في العِراقِ وَأَفْغانِسْتان، حَيْثُ ارْتَبَطَ التَّدَخُّلُ العَسْكَرِيُّ الأَميركِيُّ بِخِطاباتٍ تَدْعو إلى الأَمْنِ وَالاِسْتِقْرارِ وَنَشْرِ الدّيموقْراطِيَّة. وَأَفْضَتْ هَذِهِ التَّدَخُّلاتُ إلى تَحَوُّلاتٍ سِياسِيَّةٍ وَاقْتِصادِيَّةٍ وَاجْتِماعِيَّةٍ عَميقَة، وَرافَقَتْهَا مَوْجاتٌ مِنَ العُنْفِ وَعَدَمِ الاِسْتِقْرارِ وَإِعادَةِ تَشْكيلِ مُؤَسَّساتِ الدَّوْلَةِ وَالمُجْتَمَع. وَيَكْتَسِبُ هَذَا المَسارُ بُعْدًا رَمْزِيًّا عِنْدَ مُقارَنَتِهِ بِعِبارَةِ النَّشيد: "نُمَجِّدُ القُوَّةَ التي حَفِظَتْنا وَجَعَلَتْنا أُمَّةً"، إِذْ تَكْشِفُ التَّجْرِبَتانِ عَنِ المَكانَةِ المِحْوَرِيَّةِ التي احْتَلَّتْها القُوَّةُ العَسْكَرِيَّةُ في صِياغَةِ الدَّوْرِ العالَمِـيِّ لِلْوِلاياتِ المُتَّحِدَة. كَما تَعْكِسُ عِبارَةُ "وَعَلَيْنا أَنْ نُحَرِّرَ عِنْدَما تَكونُ قَضِيَّتُنا عادِلَةً" الأَساسَ الخِطابِيَّ الذي جَرى مِنْ خِلالِهِ تَقْديمُ كَثيرٍ مِنَ التَّدَخُّلاتِ الخارِجِيَّةِ ضِمْنِ إِطارٍ أَخْلاقِيٍّ يَرْبِطُ بَيْنَ اسْتِخْدامِ القُوَّةِ وَتَحْقيقِ أَهْدافٍ سِياسِيَّةٍ وَاسْتْراتيجِـيَّةٍ واسِعَةِ النِّطاق.

وَمِنْ ثَمَّ، يَبْرُزُ النَّشيدُ نَصًّا يَعْكِسُ الصّورَةَ المِثالِيَّةَ التي رَسَمَتْها الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ لِذاتِها، بَيْنَما يَكْشِفُ التّاريخُ عَنْ حُضورِ القُوَّةِ العَسْكَرِيَّةِ عُنْصُرًا مِحْوَرِيًّا في بِناءِ الدَّوْلَةِ وَتَوْسيعِ نُفوذِها وَإِعادَةِ تَشْكيلِ خَرائِطِ السِّياسَةِ وَالمُجْتَمَعِ في مَناطِقَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ العالَم.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن