يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ ما يُمَيِّزُ الدَّوْرَ التُّرْكِيَّ في المَشْرِقِ العَرَبِيِّ أَنَّهُ لا يَرْتَكِزُ إلى أَداةٍ واحِدَة، بَل إلى عَدَدٍ مِنَ الأَدَواتِ الهَجينَةِ مِنْها العَسْكَرِيُّ كالوُجودِ التُّرْكِيِّ في شَمالِ سورْيا وَشَمالِ العِراقِ وَليبْيا وَالذي يُمَثِّلُ مَنْظومَةً مُتَكامِلَةً تَمْنَحُ أَنْقَرَة أَوْراقَ ضَغْطٍ دائِمَةً في أَيِّ تَرْتيباتٍ إِقْليمِيَّةٍ مُسْتَقْبَلِيَّة، وَلَيْسَتْ مُجَرَّدَ انْتِشارٍ أَمْنِيٍّ ظَرْفِيّ. أَمّا على الصَّعيدِ الِاقْتِصادِيّ، فَإِنَّ تُرْكْيا رَبَطَتْ وُجودَها العَسْكَرِيَّ بِعُقودِ إِعْمارٍ وَشَراكاتٍ تِجارِيَّةٍ في سورْيا وَليبْيا بِقيمَةٍ تَتَجاوَزُ عِشْرينَ مِلْيارَ دولار، ما يَجْعَلُ أَيَّ انْسِحابٍ مُسْتَقْبَلِيٍّ مُكْلِفًا سِياسِيًّا وَاقْتِصادِيًّا.
وَالأَكْثَرُ إِثارَةً لِلِانْتِباهِ هُوَ ما يُرْصَدُ مِنْ تَوْظيفِ تُرْكْيا لِلقُوَّةِ النّاعِمَةِ بِكَفاءَةٍ عالِيَة، حَيْثُ تَمْتَدُّ المُسَلْسَلاتُ التُّرْكِيَّةُ وَالمُؤَسَّساتُ التَّعْليمِيَّة، وَكَذَلِكَ الحُضورُ الدّينِيُّ عَبْرَ وِكالَةِ الدِّيانَةِ التُّرْكِيَّةِ "دِيانِت"، مِنْ أُسْترالْيا حَتّى الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَميرْكِيَّةِ وَذَلِكَ بِبِناءِ مَراكِزَ دينِيَّةٍ وَثَقافيةٍ وَدورٍ لِلمُسِنّينَ لِتَصْنَعَ بِذَلِكَ كُلِّهِ نُفوذًا مُجْتَمَعِيًّا عَميقًا يَسْبِقُ الحُضورَ السِّياسِيَّ وَيَدْعَمُه. فَضْلًا عَنْ ذَلِك، تَحَوَّلَتْ إِدارَةُ مِلَفِّ اللاجِئينَ الذينَ يَتَجاوَزُ عَدَدُهُمْ ثَلاثَةَ مَلايينِ وَنِصْفَ المِلْيونِ شَخْصٍ إلى وَرَقَةِ ضَغْطٍ على الِاتِّحادِ الأوروبِّيِّ وَعلى دُوَلِ الجِوارِ في آنٍ مَعًا.
التَّقَاطُعاتُ وَالتَّوَتُّراتُ مَعَ العَرَب
تَتَّسِمُ العَلاقَةُ التُّرْكِيَّةُ مَعَ الفَضاءِ العَرَبِيِّ بِتَرْكيبٍ شَديدٍ يَصْعُبُ اخْتِزالُهُ في مَوْقِفٍ واحِد. فَهُناكَ التَّقارُبُ التُّرْكِيُّ - القَطَرِيُّ الذي أَحْدَثَ احْتِقانًا خَليجِيًّا واسِعًا في مَرْحَلَةٍ سابِقَة، وَشَهِدَ تَبايُنًا مَلحوظًا مَعَ تَحَوُّلاتِ المُعْطَياتِ الإِقْليمِيَّة، كَما أَنَّ المُصالَحَةَ التُّرْكِيَّةَ - المِصْرِيَّةَ وَإِنْ أَزالَتْ بَعْضَ الِاحْتِقانِ حَوْلَ المَلَفِّ اللّيبِيّ، إِلّا أَنَّها لَمْ تَحْسِمِ التَّنافُس، بَل حَوَّلَتْهُ إلى مَسارٍ تَفاوُضِيٍّ هادِئ.
وَلَعَلَّ أَبْرَزَ ما يُمْكِنُ رَصْدُهُ في هَذا السِّياقِ هُوَ الِازْدِواجِيَّةُ في المَوْقِفِ التُّرْكِيِّ مِنْ إِسْرائيل، حَيْثُ يَجْمَعُ بَيْنَ التَّوَتُّرِ العَلَنِيِّ الذي يَخْدِمُ أَغْراضَ التَّعْبِئَةِ الدّاخِلِيَّة، وَالتَّنْسيقِ الأَمْنِيِّ الهادِئِ في مِلَفّاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ تَصُبُّ في مَصْلَحَةِ الطَّرَفَيْن. وَهِيَ ازْدِواجِيَّةٌ تَعْكِسُ جَوْهَرَ السِّياسَةِ الخارِجِيَّةِ التُّرْكِيَّةِ الرّاهِنَةِ القائِمَةِ على التَّلاعُبِ بَيْنَ المَحاوِرِ لا الِانْتِماءِ لِأَحَدِها.
الدور التركي المتصاعد هو في جوهره نتاج غياب عربي لا فاعلية تركية
أَمّا المِلَفُّ الكُرْدِيُّ فَيَظَلُّ نُقْطَةَ التَّوَتُّرِ المُزْمِنَةَ الأَكْثَرَ وُضوحًا، إِذْ تَتَعارَضُ الأَوْلَوِيّاتُ التُّرْكِيَّةُ بِشَكْلٍ مُباشِرٍ مَعَ حِساباتِ السِّيادَةِ الوَطَنِيَّةِ في العِراقِ وَسورْيا، وَهُوَ ما يَجْعَلُ أَيَّ تَحالُفٍ تُرْكِيٍّ - عَرَبِيٍّ مَحْكومًا بِسَقْفٍ مَحْدود.
رُبَّما تَكُونُ أَهَمُّ خُلاصَةٍ هُنا هِيَ أَنَّ الدَّوْرَ التُّرْكِيَّ المُتَصاعِدَ هُوَ في جَوْهَرِهِ نِتاجُ غِيابٍ عَرَبِيٍّ لا فاعِلِيَّةٍ تُرْكِيَّة، ذَلِكَ أَنَّ الفَراغَ الِاسْتراتيجِيَّ الذي خَلَّفَتْهُ الأَزْماتُ في سورْيا وَليبْيا وَالعِراقِ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُمْكِنِ أَنْ يَظَلَّ فَراغًا، وَكانَتْ تُرْكْيا أَكْثَرَ اسْتِعْدادًا مِنْ غَيْرِها لِمَلْءِ هَذا الفَراغ. وَفي السِّياقِ ذاتِه، مَنَحَ الِانْقِسامُ العَرَبِيُّ وَتَعارُضُ المَصالِحِ البَيْنِيَّةِ خِلالَ العَقْدَيْنِ الماضِيَيْن، تُرْكْيا، هامِشَ التَّحَرُّكِ الواسِعَ الذي تَتَمَتَّعُ بِهِ اليَوْم.
وَالمُثيرُ لِلدَّهْشَةِ حَقًّا أَنَّ الدُّوَلَ العَرَبِيَّةَ تَمْتَلِكُ مِنَ المَوارِدِ وَالعَلاقاتِ ما يَكْفي لِبِناءِ حُضورٍ مُماثِلٍ لِلحُضورِ التُّرْكِيِّ لَوْ تَوافَرَتِ الإِرادَةُ وَالتَّنْسيق. غَيْرَ أَنَّ المَوْقِفَ التُّرْكِيَّ يَتَمَوْضَعُ طِبْقًا لِرِوايَةٍ مُغايِرَة، إِذْ يَرى أَنَّ تُرْكْيا لا تَمْلَأُ فَراغًا بِقَدْرِ ما تَبْني نِظامًا إِقْليمِيًّا مُوازِيًا، وَهُوَ تَقْديرٌ يَسْتَحِقُّ الأَخْذَ بِهِ بِجِدِّيَّة.
التحدي الحقيقي هو كيفية بناء حضور عربي فاعل يجعل التمدّد التركي محكومًا بشروط التوافق الإقليمي
في المُحَصِّلَة، يَكْشِفُ تَحْليلُ الدَّوْرِ التُّرْكِيِّ أَنَّ تُرْكْيا لَيْسَتْ عَدُوًّا يَجِبُ صَدُّه، وَلا شَريكًا يُمْكِنُ الِاطْمِئْنانُ إِلَيْهِ بِلا شُروط، بَل هِيَ قُوَّةٌ إِقْليمِيَّةٌ ذاتُ مَصالِحَ واضِحَةٍ تَتَحَرَّكُ بِكَفاءَةٍ في المَساحاتِ التي يَتْرُكُها العَرَبُ شاغِرَة!.
التَّحَدّي الحَقيقِيُّ أَمامَ النِّظامِ العَرَبِيِّ لَيْسَ كَيْفِيَّةَ مُواجَهَةِ تُرْكْيا، بَل كَيْفِيَّةَ بِناءِ حُضورٍ عَرَبِيٍّ فاعِلٍ في سورْيا وَليبْيا وَالقَرْنِ الأَفْريقِيِّ يَجْعَلُ التَّمَدُّدَ التُّرْكِيَّ مَحْكومًا بِشُروطِ التَّوافُقِ الإِقْليمِيِّ لا بِمَنْطِقِ الأَمْرِ الواقِع. وَهَذا لَنْ يَتَحَقَّقَ إِلّا بِتَنْسيقٍ عَرَبِيٍّ حَقيقِيٍّ يَتَجاوَزُ البَياناتِ إلى شَراكاتٍ اسْتراتيجِيَّة، مَعَ الإِدْراكِ أَنَّ كُلَّ يَوْمِ تَأْخيرٍ يَمْنَحُ أَنْقَرَةَ فُرْصَةً إِضافِيَّةً لِتَرْسيخِ نُفوذِها بِصورَةٍ يَصْعُبُ لاحِقًا التَّفاوُضُ على حُدودِها!.
(خاص "عروبة 22")

