تُريد إيران أن تظهر بموقع "الرابح" بعد التوصل إلى اتفاقٍ مع الولايات المتحدة ضمن لها "ورقة الحلفاء" وفك الحصار البحري المفروض على سفنها وموانئها، ورفع القيود تدريجيًا عن العقوبات والأموال المُجمدة. فيما يُروّج الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب لفكرة أن طهران ستصبح من دون "خطر البرنامج النوويّ"، وستُعيد حركة الملاحة البحرية في مضيق هُرمز إلى سابق عهدها، أي من دون توتراتٍ أو فرض رسوم عبورٍ. وهو بالتالي "يتباهى" بإنجاز تسويةٍ أفضل من تلك التي أبرمها الرئيس الأسبق باراك أوباما. وبين هذا وذاك، تبدو تلّ أبيب في موقع "المتوجّس" و"المعترض"، لكن بصمت، فرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لم يستطع انتقاد ما جرى التوصل إليه، وأصرّ على التحالف الاستراتيجيّ الذي يجمعه بـ"حليفه" ترامب، على الرغم من الأصوات الأخرى المندّدة والرافضة للانصياع إلى رغبة الإدارة الأميركيّة بوقف الحرب على جميع الجبهات، ومن ضمنها لبنان. ولا تبدو إسرائيل في وارد القبول بسهولة بهذا الشرط مع استمرارها في خرق وقف النار، ولو بوتيرةٍ أقلّ عمّا كانت عليه الأمور في الأيام السابقة.
أما لبنان، فيبدو في نظر كُثر الخاسر الأكبر، بعدما استطاعت طهران "فرض" وقف النار، تعزيز نفوذ حليفها "حزب الله"، على حساب الدولة وأركانها، الذين كانوا يريدون فصل مسار مفاوضات إسلام آباد عن مفاوضات واشنطن. وهي المفاوضات التي يتمسك بها الرئيسان جوزاف عون وتمام سلام، باعتبارها أساسيّةً للوصول إلى تحقيق الانسحاب الإسرائيليّ وعودة جميع السكان إلى قراهم، وبدء عملية إعادة الإعمار بالتزامن مع نزع سلاح "حزب الله"، وهو مسارٌ لن يكون بالسهل اليسير، بل دونه الكثير من العُقد والعقبات وسط مخاوف حقيقيّة على السلم الأهلي. إذ إن الحزب يتمتع اليوم "بفائض" قوةٍ فرضتها ظروف توقيع الاتفاق مع طهران. وهو ما عبّر عنه صراحةً الأمين العام للحزب نعيم قاسم، الذي وجّه رسالة شكرٍ إلى رئيس البرلمان الإيرانيّ محمد باقر قاليباف، أكد فيها دور إيران "في كفّ يد العدوان الإسرائيليّ الأميركيّ على لبنان"، مضيفًا: "قلنا دائمًا إن إيران أعطت حزب الله والمقاومة وشعب لبنان كلَّ شيءٍ ولم تأخذ منهم شيئًا". ويتغافل قاسم نفسه عن أن الحرب الحالية وُرِّطَت فيها البلاد والعباد ثأرًا لمقتل المرشد علي خامنئي، وعن أن الخسائر الجسيمة التي مُني بها لبنان على مختلف الصعد تحتاج إلى سنواتٍ طويلةٍ، سواء على صعيد الاقتصاد أو الاستثمار. وذلك من دون إغفال "الفاتورة" البشرية والإنسانيّة الباهظة، إذ أفادت وزارة الصحة بأن حصيلة ضحايا الحرب بلغت 3826 قتيلًا و11851 جريحًا، عدا عن نزوح نحو 1.2 مليون شخص.
وهؤلاء يُشكلون "ثمنًا باهظًا"، فضلًا عن كلفة إعادة الإعمار، إذ تشير أحدث البيانات الصادرة عن المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان، التي تغطي الفترة من الثاني من آذار/مارس حتى السابع عشر من أيار/مايو، إلى أن أكثر من 68 ألف وحدة سكنية في أنحاء البلاد تعرضت لأضرارٍ أو للدمار. ويقع نحو 30 ألفًا من هذه الوحدات في المناطق الثلاث في أقصى جنوب لبنان، بينما يقع أكثر من 8 آلاف في بيروت وضاحيتها الجنوبيّة. وانتقد ترامب تدمير إسرائيل أبنيةً بأكملها، قائلًا، خلال مشاركته في قمة مجموعة السبع في فرنسا إنه "ليس من الضروري هدم مبنى سكني في كل مرةٍ تبحثون فيها عن شخصٍ ما، لأن عددًا كبيرًا من الناس يسكن في تلك المباني، وليسوا جميعًا من حزب الله". ولكن أخطر ما قاله الأخير يتمثل في اعتباره أن "الحرب في لبنان مسألة ثانوية"، ما يكشفُ طريقة التعاطي مع هذا الملف، وإمكانية التضحية بهذه الساحة في سبيل حسابات ومصالح سياسيّة، أبرزها استكمال التسوية مع طهران. أما كلامه عن التدخل السوريّ في لبنان، ففجّر موجةً كبيرةً من الغضب والاستهجان الشعبيّ، تحديدًا حين عبّر صراحةً بأنه اقترح على إسرائيل أن تدعَ سوريا تتولى أمر "حزب الله"، قائلًا: "لأنني بصراحة أعتقد أنهم سيؤدون المهمة بشكلٍ أفضل". وهذه وتزيد التصريحات "الغريبة" وتهميش دور الدولة والحديث عن ضرورة قتح قناة للتواصل مع الحزب، الضغوط على المسؤولين اللبنانين الذين يحاولون دفع مسار واشنطن قدمًا. وفي هذا الإطار، اتصل وزير الخارجية الإيرانيّ عباس عراقجي بالرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، واضعًا إيّاهما في تفاصيل التعديلات الأخيرة التي شملت تأكيد سيادة لبنان. ورحّب عون بالتفاهم باعتباره "خطوةً إيجابيّةً لخفض التوتر الإقليميّ،" مشدّدًا على أن "أمن لبنان وسيادته يُمثّلان أولوية وطنيّة".
بالتوازي، جاء التنسيق بين بري وقاليباف ليضع المسؤولية مباشرةً على عاتق الولايات المتحدة والمجتمع الدولي لإلزام إسرائيل بإنهاء حربها، ووقف هدم القرى، والانسحاب الفوريّ من الأراضي المحتلة. وهو موقفٌ حظي بدعمٍ إقليميٍّ أيضًا، وعبّرت عنه الدوحة بإعلان الخارجيّة القطريّة، على لسان المتحدث باسمها ماجد بن محمد الأنصاري، أن لا مبرّر للهجمات الإسرائيليّة، التي وضعها في إطار "التعدي الصارخ على السيادة اللبنانيّة". كلُ تلك التطورات تراقبها تلّ أبيب بتمعن، إذ حاول نتنياهو النأي بنفسه عن "الاتفاق الذي أبرمه ترامب"، مشيرًا إلى أن "هذا قراره، ونحن لنا مصالحنا الخاصة"، مؤكدًا الاحتفاظ بحرية التحرك والعمل العسكري في لبنان. كما عّبر العديد من المسؤولين الإسرائيليين عن غضبهم واستنكارهم، فيما واصل الاحتلال خرق التفاهمات عبر المُسيّرات التي حلقت طوال نهار أمس فوق بيروت والضاحية الجنوبيّة على علوٍ منخفض، فيما قُتلَ 4 أشخاصٍ في سلسلةِ غاراتٍ إسرائيليّةٍ استهدفت 3 سياراتٍ في جنوب لبنان. ولم تقتصر التطورات الميدانيّة على هذه الغارات، إذ أفادت "الوكالة الوطنية للإعلام" بأن قصفًا مدفعيًا استهدف بلدة النبطية الفوقا ومحيط بلدة الريحان في قضاء جزين. كما ألقت مُسيّرةٌ تابعة للعدو قنبلةً صوتيةً قرب عددٍ من المواطنين في بلدة بيت ياحون. وعلى الرغم من تلك الخروقات، واصل الجنوبيون، لليوم الثاني على التوالي، تفقّد قراهم ومنازلهم وسط دمارٍ كبيرٍ خلّفه العدوان، الذي حوّل مدنًا وبلداتٍ جنوبيّةً إلى ركامٍ، وترك بعضها مناطقَ منكوبةً لا تصلحُ للعيش.
وعليه، ستتّجهُ الأنظارُ إلى يوم الجمعة المحُدّد للتوقيع على الاتفاق بين واشنطنَ وطهرانَ في جنيف، وما ستؤول إليه الأمور. فضلًا عن انتظار موعدٍ آخر، لا يقلُّ أهميةً، ويتعلق بمفاوضات واشنطن في جولتها الخامسة، المقرّرة في الثاني والعشرين من الشهر الجاري. وذلك، وسط سعيٍ لبنانيٍّ رسميٍّ إلى تأمين الانسحاب الإسرائيليّ كأولويةٍ لاستكمال النقاش في الأمور الأخرى، وأبرزها تحرير الأسرى وإعادة الإعمار. وتزيد هذه المواعيد "الضاغطة"، واختلاف آراء اللبنانيين حول الدور الإيرانيّ غير المستجد في لبنان، المشهد تعقيدًا، لأن طهران أعادت تكريس مبدأ "وحدة الساحات". كما ضمنت أن تبقى لها الكلمة الفصل في الملف الداخلي، على الرغم ممّا واجهته خلال المرحلة الماضية من رفضٍ وصلَ حدّ المطالبة بمغادرة سفيرها البلاد وعدم اعتماد أوراق تعيينه. لكن النظام الإيرانيّ المعروف بـ"الصبر الاستراتيجيّ"، لا يبني على "خطواتٍ آنيةٍ" بل يُخطّط "بدهاءٍ" لضمان الحفاظ على أوراقه ومصالحه. وبدا ترامب، أمس الثلاثاء، واثقًا من المسار التفاوضيّ المُتّبع، حتى أنه توقع أن تكون المرحلة الثانية "سهلةً وسريعة". وتعهّد ترامب بنشر نص الاتفاق رسميًا وعرض مذكرة التفاهم خلال يومين، مشددًا على أن الهدف الأساسيّ هو منع إيران من امتلاك سلاحٍ نوويّ. كما أكد أن مضيق هُرمز سيكون "مفتوحًا بالكامل" بحلول يوم الجمعة المقبل، نافيًا، في الوقت عينه، التزام واشنطن باستثمار أموالٍ في إيران أو تمويل إعادة إعمارها.
ولا يزال الغموض والضبابية يحيطان ببنود التسوية وسط أخذٍ وردٍ، على الرغم من التسريبات الإعلاميّة الكثيرة بشأن مضامينها، لكنها جميعها تُشير إلى أنها لا تزالُ أقرب إلى إطارٍ مرحليٍّ منه إلى اتفاقٍ نهائيّ. فالملفات الأكثر حساسيّة، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيرانيّ ورفع العقوبات، تُركت لجولة مفاوضاتٍ جديدةٍ تمتدُّ 60 يومًا. وذكرت مصادر مطلعة على التفاهم لصحيفة "وول ستريت جورنال" أن الاتفاق يسمح لإيران بالبدء فورًا في بيع النفط والوقود بعد توقيعه الرسميّ، عبر إعفاءاتٍ من العقوبات، تشمل أيضًا الخدمات المصرفيّة والنقل والتأمين المرتبطة بعمليات التصدير. وهبطت أسعار النفط، أمس الثلاثاء، إلى أدنى مستوياتها في ثلاثة أشهر، بعد أن تراجعت بنحو خمسةٍ في المئة في الجلسة السابقة بعد الإعلان عن الاتفاق. واستحوذ مضيق هُرمز على الاهتمام، بعد فترةٍ من الإغلاق وتحويله من قبل طهران إلى ورقة ابتزاز، فشهد عودةً خفيفةً ومحدودةً، على الرغم من الأجواء التفاؤلية، لأن شركات الشحن البحريّ لا تزال تتعامل بحذرٍ شديدٍ مع أيّ عودةٍ سريعةٍ للحركة الطبيعيّة. وضمن السياق عينه، أفادت "وكالة الأنباء العُمانيّة" الرسميّة بأن وزير الخارجية بدر البوسعيدي جدّد، في اتصالٍ مع نظيره الإيرانيّ، "التزام بلديهما بقواعد القانون الدوليّ في ما يتعلق بالعبور الآمن والحُرّ لحركة الملاحة البحرية عبر مضيق هُرمز". ويبدو أن طهران بدأت تتحدثُ عن تحصيل "رسوم خدماتٍ" بدلًا من "رسوم العبور الآمن"، في إطار تكريس هيمنتها على هذا الممر الحيويّ، بعد أن اختبرت أهميته بالنسبة إلى الأسواق العالميّة.
في غضون ذلك، كشفت وسائل إعلام إسرائيليّة أن واشنطن رفضت إطلاع تلّ أبيب على مذكرة التفاهم مع طهران، في موقفٍ جديدٍ يدّلُ على إعطاء ترامب الأولوية إلى مصلحة "أميركا أولًا"، ما يُسبب "خيبةً كبيرةً" داخل إسرائيل. فبحسب صحيفة "فايننشال تايمز"، تمرُّ العلاقة بين ترامب ونتنياهو "بواحدةٍ من أصعب مراحلها، بعد فشل حسابات نتنياهو المتعلقة بالحرب على إيران، ونتائجها المُعاكسة لما كان يأمله". وأشارت الصحيفة إلى أن نتنياهو يجد نفسه اليوم أمام خيارين أحلاهما مُرّ: إما القبول باتفاقٍ يمنح إيران فرصةً لاستعادة جزءٍ من قوتها الاقتصادية والسياسيّة، أو الدخول في مواجهةٍ مع الإدارة الأميركيّة عبر محاولة عرقلة المفاوضات وإفشالها. وفي الحالتين، يبدو هامش المناورة أمامه أضيق بكثير مما كان عليه في السابق. ويتزامن هذا التحليل مع ما كشفه قائد سلاح الجو الإسرائيليّ، اللواء عومر تيشلر، في رسالةٍ إلى جنوده، تحدث فيها عن هجومٍ واسعٍ كان مقررًا ضد إيران في الثامن من الشهر الجاري، قبل أن يُلغى بتدّخلٍ مباشرٍ من ترامب قبل أقل من ساعةٍ على التنفيذِ. والخلافُ مع نتنياهو لا يبدو الوحيد، فالفريق المُحيط بترامب غير موحّدٍ بالكامل تجاه التفاهمات الحاصلة. إذ نقل موقع "أكسيوس" أن مدير وكالة الاستخبارات المركزية، جون راتكليف، أبلغ الرئيس وكبار المسؤولين بأن معلوماتٍ استخباراتيّة تثير شكوكًا جديةً في استعداد إيران لتقديم التنازلات النووية المطلوبة. كما أبدى وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الحرب بيت هيغسيث تحفظاتٍ داخليّةٍ، في مقابلِ دعمٍ "مُطلقٍ" من نائب الرئيس جي دي فانس وستيف ويتكوف وجاريد كوشنر للمسار التفاوضيّ.
ستكون الأيام المقبلة، وربما الساعات، مفصليّةً في تحديد سياق الأمور، خصوصًا أن ما يحصل في طهران لا ينعكس عليها فقط أو على الملف اللبنانيّ، على الرغم من أهميته، بل على مختلف دول الخليج العربيّ، التي رحّبت معظمها بالتسوية ووجدت فيها فرصةً لعودة الاستقرار واستعادة الأمن. في وقتٍ يبدو فيه أن الساحة العراقيّة تشهد الكثير من المُستجدات. إذ نقل المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق توم برّاك لرئيس الوزراء العراقيّ علي الزيدي "تطلّع الرئيس ترامب لاستقباله في البيت الأبيض، في منتصف الشهر المقبل للبحث في العلاقات الثنائيةّ". وستكون هذه الزيارة الأولى للزيدي إلى الخارج منذ تسلّمه منصبه في منتصف أيار/مايو الماضي، وتعهّده بحصر سلاح الفصائل الموالية لطهران على وقع ضغوطٍ أميركيّة. أما في سوريا، فالأمور في الأيام الماضية، خرجت عن السيطرة بعدما عمّت التظاهرات عددًا من المحافظات السورية احتجاجًا على عودة المتعاونين مع النظام السابق والمطالبة بمحاسبتهم، ما دفع وزارة الداخلية إلى التدّخل العاجل لضبط الأمور ومنعها من التفاقم. ودخل تنظيم "داعش" الإرهابيّ على خط نشر الفوضى، إذ أعلن عن مسؤوليته عن الهجوم الذي استهدف معسكرًا تابعاً لوزارة الداخلية السورية في مدينة الرقة، وأسفر عن مقتل عنصرٍ من قوى الأمن الداخلي وإصابة ثلاثةٍ آخرين.
وضمن الأخبار العربيّة الأخرى، أعلن وزير المالية الإسرائيليّ المتطرّف بتسلئيل سموتريتش إلغاء "اتفاقية الخليل" الخاصة بمدينة الخليل، كبرى مدن الضفة الغربيّة، في ضربةٍ إضافيّةٍ للسلطة الفلسطينيّة. وأدانت السلطة المسّ بالوضع السياسيّ والقانونيّ للمدينة، والاتفاقيات الثنائيّة الموقعة بخصوصها، محذرةً من تقويض عملية السلام برمتها. ووفق سموتريتش، فإن هذه الخطوة تنطبق على جميع "المواقع الدينية والتاريخيّة"، من ضمنها الحرم الإبراهيميّ. بينما اعتبرت "القناة الثانية عشرة" أن هذه الخطوة تعني "نهاية حقبة أوسلو في البلدة القديمة في قلب الخليل". وتتزايدُ الخطوات الإسرائيليّة الاسعية إلى الحيلولة دون القيام بأيّ خطوةٍ نحو حلّ الدولتين، في حين لا تزال الأوضاع في قطاع غزّة تشهد المزيد من التأزم والتردي. ودعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أمس الثلاثاء، إسرائيل إلى التخلي عن خطتها للسيطرة على 70 في المئة من القطاع، خلال مشاركته في قمة مجموعة السبع في فرنسا. وحفلت القمة بالكثير من المواقف، وتناولت الأوضاع السياسيّة في فلسطين، والحرب الأوكرانيّة – الروسيّة، وغيرها من الملفات المُعقدة.
وفي الآتي، أبرز ما جاء في الصحف العربيّة الصادرة اليوم:
اعتبرت صحيفة "عكاظ" السعودية أن "تسويق الاتفاق الأميركي - الإيراني على أنه انتصار لجانب دون آخر لن يكون سهلًا أمام شعوب لديها القدرة اليوم على فحص التفاصيل، ومعرفة أبعادها، وخصوصًا أنها عايشتها وأدركت مداخلها ومخارجها على الأقل في نطاقها، وبالتالي لن يكون التسويق والدعاية السياسية بعد توقيع الاتفاق مقنعًا للجميع، وخصوصًا أن ما بعده من اجتماعات وتفاوض وترتيبات فنية على مدى 60 يومًا لن تترك تلك الدعاية تأخذ نسقها التصاعدي نحو التأثير، وإنما ستحاول أن تبقى في دائرة المكاسب (الفوائد)، وليس الانتصار (التفوق الحاسم)، والفرق بين الاثنين كبير في عقلية الجماهير". وأضافت أن "الاتفاق أيضاً يعيد المنطقة إلى معادلات جديدة، وتوازنات أكثر واقعية، وترميم مفاهيم كانت سابقًا ضمن المسلمات والأجندات السياسية والعسكرية، حيث يكشف الاتفاق بأن الصراع لا يعني السعي إلى استخدام القوة وفرض الوصاية، وإنما أصبح وسيلة لمزيد من الجهد الدبلوماسي للبحث عن الحلول وليس إشعال الحروب التي لم تحقّق الانتصار الحاسم في نهاية المطاف".
ورأت صحيفة "الأهرام" المصرية أن "ترامب باع نتنياهو في منتصف الطريق، وما الاستياء الذي عبر عنه نتيجة الاعتداء الإسرائيليّ على الضاحية الجنوبية بلبنان فور الإعلان عن اقتراب التوصل إلى الاتفاق إلا تأكيد أن ترامب اختار الاتفاق على حساب نتنياهو، واعتبره "كبش فداء"، وتلك هي قمة النكسة له. فقد تعرض للكثير من الانتقادات بالداخل الإسرائيليّ نتيجة تسليمه مقاليد الأمور تمامًا لترامب". وأشارت إلى أن هذه "النكسة ستنعكس حتمًا في الانتخابات بعد عدة أشهر، ما سيضطر نتنياهو للجوء إلى "حرب استنزافٍ" لأذرع إيران عبر ضرباتٍ بين الحين والآخر ليوحي بأن حالة الحرب لا تزال قائمة، وأنه لا يزال "سيد الأمن" ومسيطرًا على المشهد".
في السياق عينه، أكدت صحيفة "عُمان" العُمانية أن "الكيان الصهيوني هو الخاسر الأكبر بعد أن أدركت إدارة ترامب بأن إيجاد مقاربة سياسية مع إيران وفتح الملاحة البحرية والوصول إلى اتفاق نووي في نهاية المطاف هو أفضل لواشنطن وطهران؛ حيث إن إدارة الرئيس ترامب لديها استحقاق انتخابي في نوفمبر (تشرين الثاني) القادم حيث سوف تجري الانتخابات النصفية للكونغرس في ظل تراجع شعبية الحزب الجمهوري؛ ومن هنا فإن الخروج من مأزق المواجهة العسكرية مع إيران هو منطق سياسي صحيح". وقالت إنه "من خلال التنازلات المتبادلة يمكن القول إن إيران قد انتصرت استراتيجيًا وفرضت معادلة جديدة من خلال فرض هيبتها وإرادة شعبها في مواجهة عسكرية مع دولة كبرى كالولايات المتحدة والكيان الصهيوني. ومع كل حرب هناك دروس".
وكتبت صحيفة "الغد" الأردنية أنه "لنعرف من ربح في هذه الحرب أو خسر علينا أن ننظر إلى من خاضها، فالولايات المتحدة حاولت وقفها بكل الوسائل والطرق، إدراكًا منها أن كلفتها عالية وأنها لم تحقق كل أهدافها، وإن حققت بعضها بطبيعة الحال، كما أن ردّ الفعل الإسرائيليّ يثبت أن نسبة الربح والخسارة بالمعيار الإسرائيليّ تثبت أن حسابات إسرائيل لم تجر تمامًا كما تريد، وهذا يفسر عويل السياسة والصحافة الإسرائيلية، بما يؤشر على أن المنطقة ستبقى تحت خطط المكر الإسرائيلي لاستئناف الحرب والعودة إليها، بهدف تحقيق غايات مختلفة من بينها إسقاط النظام الإيراني، وتقسيم إيران". وتابعت أن "كل دول المنطقة تريد وقف الحرب، لكننا أمام أحد ارتدادين، أولهما العودة إلى الحرب على يد إسرائيل وهذا عنصر محتمل، وثانيهما أن يعاد خلط الأوراق وتنشب حرب أميركية إسرائيلية ضد إيران خصوصًا إذا تعثر الاتفاق النهائي، وخرج الأميركيون غدًا ليقولوا لنا إن إيران تتلاعب بهم، ولا تريد تنفيذ كل ما هو متفق عليه من تفاصيل".
(رصد "عروبة 22")

