في هَذا الكِتاب، يُلقي غالِيانو الضَّوْءَ على قِصَّةِ "اللُّعْبَةِ" التي اسْتَطاعَتْ أَنْ تُوَحِّدَ سُكّانَ العالَمِ مُمارَسَةً وَمُشاهَدَة. وَأَنْ تُصْبِح، مَعَ مُرورِ الزَّمَن، "مَصْدَرًا لِلمُتْعَةِ" لا غِنى عَنْهُ وَ"عِشْقًا فِطْرِيًّا" لا تَفْسيرَ لَه... حَيْثُ تَمْنَحُ "كُرَةُ القَدَمِ" البَهْجَةَ لِكُلَّ مَنْ يُلامِسُها... فَهَل يا تُرى لَمْ تَزَلِ المُتْعَةُ هِيَ الشُّعورُ الذي يَرْبِطُ بَيْنَ عُشّاقِ السّاحِرَةِ المُسْتَديرَةِ أَمْ أَنَّ جَديدًا طَرَأَ عَلى هَذِهِ العَلاقَة؟.
الشغف الكروي يوظَّف لصالح منظومة شركات المراهنات
هُناكَ مَنْ يَرْصُدُ كَيْفَ خَضَعَتْ كُرَةُ القَدَمِ لِقَوانينِ السّوق، وَلِسَطْوَةِ الِاحْتِكاراتِ الكُبْرى خاصَّةً في العَقْدَيْنِ الأَخيرَيْن، ما أَدّى إِلى تَسْليعِ اللُّعْبَةِ بِكُلِّ عَناصِرِها وحَوَّلَ عَدَدًا - غَيْرِ قَليل - مِنْ عُشّاقِ السّاحِرَةِ المُسْتَديرَةِ إلى مُراهِنينَ وَمُتَسَوِّقينَ وَمُسْتَهْلِكين. وَمِنْ ثُمَّ يُصْبِحُ المُشَجِّعُ نَفْسُهُ هُوَ الأَصْلُ الِاقْتِصادِيُّ الأَكْثَرُ قيمَة. فَكُلُّ دَقيقَةِ مُشاهَدَة، وَكُلُّ اشْتِراكٍ في مِنَصَّةٍ رَقْمِيَّة، وَكُلُّ قَميصٍ رَسْمِيّ، وَكُلُّ تَفاعُلٍ على وَسائِلِ التَّواصُلِ الِاجْتِماعِيّ، وَكُلُّ مَعْلومَةٍ رَقْمِيَّةٍ يَتْرُكُها المُسْتَخْدِم، تَتَحَوَّلُ إِلى مَصْدَرِ دَخْلٍ داخِلَ مَنْظومَةٍ اقْتِصادِيَّةٍ عالَمِيَّة.
وَيُعَلِّقُ أَحَدُ الباحِثينَ على ما سَبَق بِإنَّ "الرَّأْسَمالِيَّةَ لَمْ تَعُدْ تَبيعُ لِلمُشَجِّعِ مُباراةً تَسْتَغْرِقُ تِسْعينَ دَقيقَةً فَقَط. فَالمُواطِنُ الكُرَوِيُّ يُتابِعُ المُؤْتَمَراتِ الصُّحُفِيَّة، وَيُشاهِدُ المَقاطِعَ القَصيرَة، وَيُشارِكُ في النِّقاشاتِ الرَّقْمِيَّة، وَيَشْتَري المُنْتَجاتِ الرَّسْمِيَّة، وَيَتَفاعَلُ مَعَ المُحْتَوى الَّذي تُنْتِجُهُ الأَنْدِيَةُ وَالرُّعاةُ وَيَقومُ بِالمُراهَنَةِ لَيْسَ فَقَطْ عَلَى النَّتائِجِ النِّهائِيَّةِ لِلمُبارَياتِ وَإِنَّما عَلى الكَثيرِ مِنَ التَّفاصيلِ الخاصَّةِ بِها، مِثْل: مَنْ يُحْرِزُ الهَدَفَ الأَوَّل، وَعَدَدُ الرُّكْنِيّات، وَعَدَدُ البِطاقاتِ الصَّفْراءِ وَالحَمْراء، وَنِسْبَةُ الِاسْتِحْواذ، وَعَدَدُ التَّمْريراتِ الصَّحيحَة... إِلَخ؛ هَكَذا تَتَحَوَّلُ المُباراةُ إِلى سوقٍ مالِيَّةٍ يُوَظَّفُ فيها الشَّغَفُ الكُرَوِيُّ اقْتِصادِيًّا لِصالِحِ مَنْظومَةِ شَرِكاتِ المُراهَنات.
في هَذا المَقامِ تُؤَكِّدُ دَوْرِيَّةُ "الغارديان" البَريطانِيَّة، اتِّساعَ نُفوذِ تِلكَ الشَّرِكات. فَقَدْ أَظْهَرَتْ تَحْقيقاتٌ صُحُفِيَّةٌ أوروبِّيَّةٌ أَنَّ نَحْوَ ثُلُثَيْ أَنْدِيَةِ 31 دَوْرِيًّا أوروبِّيًّا تَرْتَبِطُ بِعَلاقاتِ رِعايَةٍ مَعَ شَرِكاتِ مُراهَنات، وَأَنَّ جَميعَ أَنْدِيَةِ الدَّوْرِيِّ الإِنْجليزِيِّ المُمْتازِ تَقْريبًا تَمْتَلِكُ شَراكاتٍ تِجارِيَّةً مَعَ هَذا القِطاع، حَتّى مَعَ اتِّجاهِ بَعْضِ الدُّوَلِ إِلى فَرْضِ قُيودٍ عَلى ظُهورِ شِعاراتِ المُراهَناتِ عَلى قُمْصانِ اللّاعِبين. وَهَذا يَعْكِسُ مَدى تَغَلْغُلِ رَأْسِ المالِ المُرْتَبِطِ بِالمُراهَناتِ في البُنْيَةِ الِاقْتِصادِيَّةِ لِكُرَةِ القَدَمِ الأوروبِّيَّة.
تجربة أولوية "البيزنس" أثبتت أنها قد تضرّ بالرياضة
هَذا التَّحَوُّلُ لَمْ يَحْدُثْ دَفْعَةً واحِدَة، وَإِنَّما جاءَ نَتيجَةَ مَسارٍ طَويلٍ مِنْ "تَسْليعِ" كُرَةِ القَدَم، بَدَأَ مَعَ تَحْريرِ حُقوقِ البَثِّ التِّلفِزْيونِيِّ في تِسْعينِيّاتِ القَرْنِ الماضي، ثُمَّ تَسارَعَ مَعَ العَوْلَمَةِ الرَّقْمِيَّة، قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ ذُرْوَتَهُ في العَقْدِ الأَخيرِ مَعَ دُخولِ صَناديقِ الثَّرْوَةِ السِّيادِيَّةِ وَشَرِكاتِ الِاسْتِثْمارِ الخاصَّةِ إِلى مِلْكِيَّةِ الأَنْدِيَةِ الكُبْرى، وَانْدِماجِ شَرِكاتِ المُراهَناتِ في المَنْظومَةِ الرِّياضِيَّة. وَلَمْ تَعُدْ قيمَةُ النّادي تُقاسُ بِعَدَدِ بُطولاتِهِ فَحَسْب، وَإِنَّما أَيْضًا بِقيمَةِ عَلامَتِهِ التِّجارِيَّة، وَعَدَدِ مُتابِعيهِ على المِنَصّاتِ الرَّقْمِيَّة، وَقيمَتِهِ السّوقِيَّة، وَقُدْرَتِهِ على جَذْبِ الرُّعاةِ وَالمُسْتَثْمِرين. وَنُشيرُ هُنا إِلى أَنَّ هَذا التَّغَوُّلَ الرَّأْسَمالِيَّ لا يَدْعَمُ دَوْمًا تَطْويرَ اللُّعْبَةِ أَوْ دَعْمَ المُنْتَخَباتِ وَالأَنْدِيَة. إِذْ أَثْبَتَتْ تَجْرِبَةُ أَوْلَوِيَّةِ "البيزْنِسِ" أَنَّها قَدْ تَضُرُّ بِالرِّياضَة.
وَنُشيرُ هُنا إِلى تَجْرِبَةِ نادي "مانْشِسْتِرْ يونايْتِد"، النّادي الإِنْجليزِيِّ العَريقِ الذي تَأَسَّسَ عامَ 1878، عِنْدَما عَيَّنَ مُلّاكُ النّادي شَخْصًا اسْمُهُ "إِدْ وودوارد" سَنَةَ 2013، كانَ جُلُّ هَمِّهِ هُوَ زِيادَةُ الحَصيلَةِ الِاسْتِثْمارِيَّةِ لِلنّادي وَقَدْ نَجَحَ في ذَلِك، إِلّا أَنَّ ذَلِكَ كانَ عَلى حِسابِ البُطولاتِ (الكَبيرة) التي خاصَمَتِ النّادي مُنْذُ 2013 إِلى يَوْمِنا هَذا. وَهُوَ ما تَصَدَّتْ لَهُ جَماهيرُ "مانْشِسْتِرْ يونايْتِد" وَنَظَّمَتْ حَرَكَةَ "1958" الِاحْتِجاجِيَّة (تَأَسَّسَتْ في 2022) ضِدَّ جَنْيِ المالِ على حِسابِ حَصْدِ البُطولات، وَرَفْضًا لِتَحْويلِ النّادي إِلى مَشْروعٍ مالِيٍّ مَحْضٍ يَعْتَمِدُ تَعْظيمَ الأَرْباحِ هَدَفًا، وَالمُطالَبَة بإِنْهاءِ مِلْكِيَّةِ العائِلَةِ المالِكَةِ لِلنّادي، وَمَنْحِ المُشَجِّعينَ دَوْرًا أَكْبَرَ في المُحاسَبَةِ وَالحَوْكَمَةِ في إِدارَةِ النادي وَقَراراتِه.
هل تختطف الرأسمالية الرياضية الاحتكارية والاستحواذية اللعبة الشعبية الأولى؟
وَقَدْ كَشَفَتْ "كَأْسُ العالَمِ" 2026 عَنِ الحَجْمِ الذي بَلَغَتْهُ اقْتِصادِيّاتُ البُطولَة، إِذْ تَوَقَّعَ الِاتِّحادُ الدَّوْلِيُّ أَنْ يُحَقِّقَ إيراداتٍ تَتَجاوَزُ 10 مِلْياراتِ دولار، حَيْثُ تُشَكِّلُ حُقوقُ البَثِّ 45% مِنَ الإِيرادات، كَما تُشَكِّلُ الضِّيافَةُ وَعَوائِدُ التَّذاكِرِ 35%، وَحُقوقُ التَّسْويقِ وَالرِّعايَة 20%. إِلّا أَنَّ الرَّقْمَ الأَهَمَّ هُوَ حَجْمُ الأَمْوالِ المُتَداوَلَةِ في أَسْواقِ المُراهَنات - العابِرَةِ لِلحُدود - حَيْثُ تُشيرُ بَعْضُ التَّقْديراتِ إِلى أَنَّهُ يَتَراوَحُ ما بَيْنَ 50 وَ60 مِلْيارَ دولار، أَيْ ما يَزيدُ بِخَمْسَةِ أَضْعافٍ الإيراداتِ المُباشِرَةَ لِلبُطولَة، وَبِزِيادَةٍ تُقارِبُ 70% مُقارَنَةً بِتَقْديراتِ "كَأْسِ العالَمِ" 2022.
وَرُبَّما يَكونُ السُّؤالُ المَشْروع: هَلْ تَخْتَطِفُ الرَّأْسَمالِيَّةُ الرِّياضِيَّةُ الِاحْتِكارِيَّةُ وَالِاسْتِحْواذِيَّةُ اللُّعْبَةَ الشَّعْبِيَّةَ الأولى، وَتَسْتَبْدِلُ شَغَفَ الجَماهيرِ بِالسّاحِرَةِ المُسْتَديرَةِ بِالِاسْتِثْمارِ وَالمُراهَنَةِ وَالِاسْتِهْلاك؟ وَهَلْ يَتَمَكَّنُ عُشّاقُ الكُرَةِ مِنَ الحِفاظِ عَلى روحِها الشَّعْبِيَّةِ في ظِلِّ هَذا الزَّخَمِ الِاسْتِثْمارِيِّ الهائِل؟ أَمْ أَنَّ الرَّأْسَمالِيَّةَ الرِّياضِيَّةَ سَتُواصِلُ إِعادَةَ تَشْكيلِ "السّاحِرَةِ المُسْتَديرَة"، حَتّى تُصْبِحَ المُتْعَةُ لَيْسَتْ في فَنِّيّاتِ كُرَةِ القَدَمِ وَإِعْجازِ لاعِبيها، بَلْ في الِاسْتِثْماراتِ وَالتَّسْويقِ وَالرِّهاناتِ وَالسَّمْسَرَةِ وَاقْتِناصِ الرُّعاة... لَقَدِ اسْتَطاعَتِ الجَماهيرُ الكُرَوِيَّةُ التَّصَدِّيَ قَبْلَ خَمْسَةِ أَعْوامٍ لِلفِكْرَةِ الَّتي أَطْلَقَتْها الأَنْدِيَةُ الغَنِيَّةُ التي تُديرُها شَرِكاتٌ قابِضَةٌ لِتَنْظيمِ بُطولَةٍ كُرَوِيَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ تَحْتَ مُسَمّى "السّوبَرْ ليغ"... فَهَل يُمْكِنُ أَنْ يَتَصَدّى عُشّاقُ السَّاحِرَةِ لِلرَّأْسَمالِيَّةِ الرِّياضِيَّة؟!.
(خاص "عروبة 22")

