تقدير موقف

حينَ يُحارِبُ العَقائِدِيّون!

هَلْ هُناكَ بُعْدٌ عَقائِدِيٌّ في الحَرْبِ الأَميرِكِيَّةِ - الإيرانِيَّة؟ البَعْضُ سَيَقولُ إِنَّها حَرْبٌ أَميرِكِيَّةٌ على الإِسْلامِ أَوْ هِيَ حَرْبٌ بَيْنَ مَنْظومَتَيْنِ عَقائِدِيَّتَيْنِ مُتَناقِضَتَيْنِ تَحْمِلانِ قِيَمًا مُخْتَلِفَةً لِلنَّفْسِ وَالعالَم؟ وَهَذِهِ الإِجابَةُ جَدَلِيَّةٌ لِأَنَّ البُعْدَ العَقائِدِيّ، حَتّى لَوْ كانَ حاضِرًا في الصِّراعِ الأَميرِكِيِّ – الإيرانِيّ، إِلّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ السَّبَبَ الرَّئيسِيَّ وَراءَ انْدِلاعِ هَذِهِ الحَرْبِ وَمُعْظَمِ الحُروب.

حينَ يُحارِبُ العَقائِدِيّون!

البُعْدُ العَقائِدِيُّ يُمْكِنُ النَّظَرُ إِلَيْهِ بِصورَةٍ أَكْثَرَ اتِّساعًا مِنْ هَذا المَفْهومِ المُبَسَّطِ في "الحَرْبِ على الإِسْلام"، فَتَناقُضُ المَصالِحِ وَالمَشاريعِ السِّياسِيَّةِ وَالحَضارِيَّةِ وَالطُّموحاتِ الإِقْليمِيَّةِ بَيْنَ الدُّوَلِ خَلَقَ صِراعَ مَصالِحَ وَأَحْيانًا حُروبًا، أَما حالَةُ التَّضامُنِ أَوِ التَّحالُفِ بَيْنَ الدُّوَلِ على أَساسٍ عَقائِدِيّ، فَظَلَّتِ اسْتِثْنائِيَّةً في عالَمِ ما بَعْدَ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثَّانِيَةِ حَتّى شَهِدْنا تَجَلِّياتِها في الحَرْبِ الأَميرِكِيَّةِ - الإيرانِيَّة.

وَالحَقيقَة، أَنَّ هَذِهِ الحَرْبَ كانَ لَها تَدَاعِياتٌ اقْتِصادِيَّةٌ وَسِياسِيَّةٌ وَعَسْكَرِيَّة، وَلَكِنَّها طَرَحَتْ تَساؤُلاتٍ أَيْضًا تَتَعَلَّقُ "بِالصّيغَةِ العَقائِدِيَّةِ" التي ظَهَرَ بِها هَذا التَّحالُفُ الأَزَلِيُّ بَيْنَ أَميرِكا وَإِسْرائيل، وَالذي يُقابِلُهُ تَحالُفٌ آخَرُ مُخْتَلِفٌ تَمَثَّلَ في حُلَفاءِ إيرانَ العَقائِدِيّينَ الذينَ خاضوا مَعَها الحَرْب، وَأَبْرَزُهُمْ "حِزْبُ الله".

حلفاء إيران العقائديون هم تنظيمات مسلّحة عمّقت الانقسام المجتمعي والسياسي داخل بلادها

الواقِعُ أَنَّهُ لا يوجَدُ تَفْسيرٌ عِلْمِيٌّ يُبَرِّرُ هَذِهِ الدَّرَجَةَ مِنَ التَّطابُقِ في العَلاقاتِ الأَميرِكِيَّةِ - الإِسْرائيلِيَّةِ وَهَذا التَّداخُلَ العَميقَ في خِياراتِ البَلَدَيْنِ تُجاهَ قَضايا وَمَلَفّاتٍ عَديدَةٍ وَخاصَّةً في الشَّرْقِ الأَوْسَط، وَهُوَ ما دَفَعَ تَيّارًا أَميرِكِيًّا مُحافِظًا إلى رَفْعِ شِعارِ "أَميرِكا أَوَّلًا" بَعْدَ أَنْ شَعَرَ بِأَنَّ الإِدارَةَ الحالِيَّةَ باتَتْ وَكَأَنَّها تَرْفَعُ شِعارَ "إِسْرائيل أَوَّلًا".

إِنَّ الحَرْبَ الأَميرِكِيَّةَ - الإِسْرائيلِيَّةَ على إيرانَ لَمْ يُشارِكْ فيها أَحَدٌ إِلّا "الحَليفَيْنِ العَقائِدِيَّيْن"، فَقَدِ اعْتَبَرَتْها أوروبّا لَيْسَتْ حَرْبَها على الرَّغْمِ مِنْ أَنَّها سَبَقَ أَنْ حارَبَتْ مَعَهُما في حُروبٍ سابِقَة، كَما أَنَّ دُوَلَ الخَليجِ التي تَعَرَّضَتْ لِهَجَماتٍ إيرانِيَّةٍ انْتَهَكَتِ القَوانينَ الدَّوْلِيَّةَ وَأَعْرافَ الجيرَة، لَمْ تَدْخُلْ هَذِهِ الحَرْبَ وَبَقِيَتْ مُحافِظَةً على مَوْقِفِها الثّابِتِ على الرَّغْمِ مِنَ المُغْرَياتِ وَالضُّغوطاتِ في العَمَلِ على وَقْفِ إِطْلاقِ النّارِ وَإِنْهاءِ الحَرْب.

إِسْرائيلُ وَأَميرِكا كانَتا مَعًا في حَرْبِ غَزَّة، فَالأولى تَرْتَكِبُ جَرائِمَ الإِبادَةِ الجَماعِيَّةِ بِحَقِّ المَدَنِيّينَ الأَبْرِياءِ وَأَميرِكا تُرْسِلُ لَها السِّلاحَ وَالعَتاد، كَما أَنَّ العالَمَ كُلَّهُ لَمْ يُشارِكْ في الحَرْبِ على إيرانَ وَتَمَسَّكَ البَعْضُ بِكَلامٍ بَدا قَديمًا عَنِ القانونِ الدَّوْلِيّ، وَظَلَّ التَّحالُفُ الأَميرِكِيُّ - الإِسْرائيلِيُّ فَوْقَ أَيِّ قانونٍ وَتَغيبُ عَنْهُ الرَّشادَةُ وَالمَصْلَحَةُ الوَطَنِيَّة.

وَقَدْ حَمَلَتْ هَذِهِ الحَرْبُ أَيْضًا النَّمَطَ المُقابِلَ "لِلتَّحالُفِ العَقائِدِيِّ" الأَميرِكِيِّ - الإِسْرائيلِيّ، فَكانَ تَحالُفُ إيرانَ مَعَ "إِخْوَانِها العَقائِدِيّينَ" في لُبْنانَ وَالعِراق، في حينِ أَنَّ حُلَفاءَها "غَيْرَ العَقائِدِيّينَ" في روسْيا وَالصّينِ دَعَموها خِلْسَةً وَمِنْ دونِ التَّوَرُّطِ في الحَرْب.

 "التحالف العقائدي" الأميركي - الإسرائيلي انتهك القوانين والأعراف

لَقَدِ اخْتارَتْ إيرانُ طَريقَ الحُلَفاءِ العَقائِدِيّينَ لِكَيْ تُدافِعَ عَنْ مَصالِحِها وَطُموحاتِها الإِقْليمِيَّةِ وَلَمْ تَجِدْ مِنْ بَيْنِ حُلَفائِها مَنْ هُوَ مُسْتَعِدٌّ لِلْمُشارَكَةِ في هَذِهِ الحَرْبِ إِلّا العَقائِدِيّين، وَالمُشْكِلَةُ أَنَّهُ على خِلافِ التَّحالُفِ العَقائِدِيِّ بَيْنَ أَميرِكا وَإِسْرائيلَ كَنَموذَجٍ لِتَحالُفِ دُوَلٍ وَمُؤَسَّساتٍ مُتَوافَقٍ عَلَيْها سِياسِيًّا، فَإِنَّ حُلَفاءَ إيرانَ العَقائِدِيّينَ هُمْ تَنْظيماتٌ مُسَلَّحَةٌ لَيْسَتْ مَحَلَّ تَوافُقٍ وَعَمَّقَتِ الانْقِسامَ المُجْتَمَعِيَّ وَالسِّياسِيَّ داخِلَ بِلادِها.

إِنَّ الصّورَةَ التي أَوْضَحَتْها هَذِهِ الحَرْبُ تَقولُ إِنَّ كُلَّ الحُلَفاءِ الذينَ لا يَنْتَمونَ لِهَذا "التَّحالُفِ العَقائِدِيِّ" لَمْ يُشارِكُوا في الحَرْبِ سَواءٌ كانوا بَيْنَ حُلَفاءِ أَميرِكا في أوروبّا وَدُوَلِ الخَليجِ وَحَتّى أَفْريقْيا وَأَميرِكا الجَنوبِيَّة، فَجَميعُهُمْ يُعْلونَ مَصْلَحَتَهُمُ الوَطَنِيَّةَ على أَيِّ تَحالُفٍ عابِرٍ لِلْحُدود، وَإِنَّ بَعْضَهُمْ تَحَدَّثَ عَنْ رَفْضِ المُشارَكَةِ في حَرْبٍ خارِجَ إِطارِ القانونِ وَالشَّرْعِيَّةِ الدَّوْلِيَّة.

كَما لَمْ تَمْنَعْ مُعاهَداتُ التَّحالُفِ وَالشَّراكاتُ العَسْكَرِيَّةُ وَالاقْتِصادِيَّةُ وَالصِّناعِيَّةُ التي تَرْبِطُ إيرانَ بِروسْيا وَالصّينِ مِنْ وَزْنِهِما بِدِقَّةٍ ثَمَنَ الدَّعْمِ الواضِحِ لِإيران، حَتّى لَوْ لَمْ يَدْخُلا الحَرْب، وَفي النِّهايَةِ فَضَّلا أَنْ يَكونَ دَعْمُهُما مَحْدودًا وَغَيْرَ ظاهِرٍ لِأَنَّ مَصالِحَهُما الوَطَنِيَّةَ وَحِساباتِ حَرْبِ روسْيا في أُوكْرانْيا، وَحِساباتِ انْدِماجِ الصّينِ في النِّظامِ الدَّوْلِيِّ جَعَلَتْهُما يَحْسِبانِ بِدِقَّةٍ دَرَجَةَ وَحُدودَ دَعْمِ إيران. وَهَذا على خِلافِ حُلَفاءِ إيرانَ العَقائِدِيّينَ الذينَ أَدْخَلَ الحَليفُ الأَكْبَرُ مُمَثَّلًا في "حِزْبِ اللهِ" بَلَدًا وَشَعْبًا بِأَكْمَلِهِ في حَرْبِ "إِسْنادِ إيرانَ" مِنْ دونِ أَيِّ حِساباتٍ لِلْمَصْلَحَةِ الوَطَنِيَّةِ، وَمِنْ دونِ احْتِرامٍ لِرَفْضِ أَغْلَبِ شُرَكائِهِ في الوَطَنِ الدُّخولَ في هَذِهِ الحَرْب، وَدَفَعَ اللُّبْنانِيّونَ ثَمَنَها باهِظًا.

التحالف لا بدّ أن يُؤسَّس على احترام قواعد القانون الدولي وإعلاء المصلحة الوطنية

سَيَظَلُّ مَشْهَدُ هَذِهِ الحَرْبِ مُخْتَلِفًا عَنْ حُروبِ "ما بَعْدَ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثَّانِيَة"، فَهُناكَ تَحالُفاتٌ تَعَمَّقَتْ خارِجَ إِطارِ أَيِّ رَشادَةٍ وَقَوانينٍ وَقَواعِدَ دَوْلِيَّةٍ مِثْلَ هَذا "التَّحالُفِ العَقائِدِيِّ" الأَميرِكِيِّ - الإِسْرائيلِيِّ الذي انْتَهَكَ القَوانِينَ وَالأَعْراف، وَهُناكَ تَحالُفاتٌ عَقائِدِيَّةٌ فَعَّلَتْها إيرانُ مَعَ أَذْرُعِها، وَخاصَّةً في لُبْنان، مِنْ أَجْلِ الدُّخولِ مَعَها في هَذِهِ الحَرْب، حَتّى لَوْ كانَتْ خارِجَ الحِساباتِ وَالمَصْلَحَةِ الوَطَنِيَّة.

سَيَبْقى التَّحالُفُ بَيْنَ الدُّوَلِ أَمْرًا طَبيعِيًّا وَمَشْروعًا لَكِنَّهُ لا بُدَّ أَنْ يُؤَسَّسَ على احْتِرامِ قَواعِدِ القانونِ الدَّوْلِيِّ وَإِعْلاءِ المَصْلَحَةِ الوَطَنِيَّة، وَإِلّا أَصْبَحْنا أَمامَ نَوْعٍ مِنَ التَّحالُفاتِ المُضِرَّةِ بِالجَميع!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن