صحافة

الفرصة الأخيرة لاحتواء حرب أمريكا وإيران

مصطفى السعيد

المشاركة
الفرصة الأخيرة لاحتواء حرب أمريكا وإيران

المدمرة الأميركية "ديلبرت دي بلاك" تطلق صاروخ "توماهوك" في إطار عملية "ملحمة الغضب" (رويترز)

انتهت الجولة الثالثة للحرب بين الولايات المتحدة وإيران بإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن هدنة من جانب واحد، والدعوة إلى مفاوضات جديدة، وكأن الصراع يدور في حلقة مفرغة، وينتقل من حلبة الصدام العسكري غير الحاسم إلى ساحة مفاوضات لا تقود إلى اتفاق جدي، وهو ما دفع إيران لرفض الهدنة، وتوجيه ضربة عسكرية إلى القواعد الأمريكية في الأردن، وتنتزع لأول مرة أسبقية توجيه الضربات.

يبدو أن الولايات المتحدة لا تصدق أنها عاجزة عن تحقيق الانتصار في الحرب، وظلت تعتقد بوجود خطأ ما في تكتيك القتال وليس في القدرة على النصر، لكنها تنتهي إلى نفس النتيجة في الجولات الثلاث، بل ارتفع معدل خسائرها في الجولة الأخيرة التي استمرت 13 يوما، وقالت القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم" إنها وجهت ضربات على مدار 11 ليلة للقوات الإيرانية حول مضيق هرمز. وكان هذا الإعلان بمثابة اعتراف من الجيش الأمريكي بعدم القدرة على فتح المضيق بالوسائل العسكرية، ليأتي الإعلان عن الهدنة الجديدة. الوضع الأمريكي أكثر صعوبة هذه المرة عن الجولتين السابقتين، فالتقارير تؤكد قرب نفاذ أنواع مهمة من الذخيرة، منها صواريخ باتريوت وثاد التي تشكل عصب الدفاع الجوي الأمريكي ضد الصواريخ، بينما القدرة الإنتاجية من صواريخ باتريوت تبلغ نحو 660 صاروخا سنويا، وصواريخ ثاد 96 صاروخا سنويا، والتوسع في الإنتاج يحتاج استثمارات ووقتا طويلا لن تنتظره الحرب، خاصة في ظل حاجة الجبهة الأوكرانية لهذه الصواريخ الاعتراضية.

الخسائر الأمريكية فى الجنود والعتاد في جولة الـ13 يوما الأخيرة فاقت خسائرها في جولة الـ40 يوما السابقة، وهناك عدة أسباب لارتفاع معدل الخسائر الأمريكية، أهمها فقدان عدد كبير من الرادارات، وإعطاب أو تدمير معظم القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وتقييد عدد من دول الخليج حركة القوات الأمريكية داخلها حتى تتجنب الضربات الأمريكية، بما أثر بالسلب على الفاعلية والسرعة والدقة التي تتميز بها القوات الأمريكية، المعتمدة عادة على الضربات السريعة والمكثفة لحسم المعارك في أسرع وقت. بينما على الجانب الآخر كانت الضربات الصاروخية الإيرانية أكثر دقة وتأثيرا، ويبدو أنها استفادت من الهدنة في تطوير وتحسين الأداء، ومثال على ذلك أنها زودت الصواريخ الباليستية المحددة المسار والسرعة بزعانف ومحركات جانبية تمكنها من المناورة، إلى جانب أنها استفادت من الهدنة فى إزالة الركام من مخارج مخازن الصواريخ المخبأة في باطن الجبال، مما زاد من مخزونها القابل للاستخدام، واستطاعت ترميم الكثير من الجسور والبنى التحتية المتضررة.

الولايات المتحدة تلقي باللوم على الدعم الصيني والروسي لإيران في التسلح والدعم اللوجيستي رغم محدوديته، بينما تواصل دعمها الصريح والواسع لكل من تايوان وأوكرانيا، وهو ما لا يمكن أن تقبل به الصين وروسيا. أما أهم مشكلات الولايات المتحدة في حربها على إيران فكانت تراجع الثقة في القوة الأمريكية من جانب حلفائها في دول الخليج، وسعى تلك الدول إما للتواصل مع إيران وعقد اتفاقيات معها لخفض التصعيد، والحفاظ على سلامة بنيتها التحتية، أو الاتفاق مع دول أخرى يمكن أن توفر لها مستوى أفضل من الحماية، ويرتاب حلفاء الولايات المتحدة من الضغوط التي تمارسها لخوض تلك البلدان حربا مباشرة مع إيران، وإعلان الولايات المتحدة أكثر من مرة أن تلك الدول شاركت في هجمات وأعمال حربية ضد إيران، وكأنها تدفع بها إلى الخطوط الأمامية للمواجهة، بما يمكن أن يترتب عليها من دمار واسع يشمل قطاع استخراج الغاز والبترول والبنى التحتية من كهرباء وتحلية مياه، وما يمكن أن يجره من معاناة إنسانية خطيرة على سكان المنطقة ومستقبل تلك الدول الواقعة فوق كمية هائلة من النفط والغاز القابلين للإشتعال.

لقد كشفت الجولة الثالثة من الحرب الأمريكية على إيران عن محدودية القوة الأمريكية، وعجزها عن تحقيق الانتصار، والارتباك الواضح في إدارة الأزمة، فلا خطة واضحة للحرب، ولا أسسا واضحة للسلام، والارتباك الأمريكي يهدد بحالة من الفوضى وعدم اليقين. إن سعى الولايات المتحدة لإشراك دول أخرى في الحرب، سواء من حلف الناتو أو خارجه سيؤدي إلى مزيد من التعقيد والفوضى، ودخول أوكرانيا على الساحة أحد نماذج التعقيدات التي يمكن أن تنشأ عن توسع أطراف الحرب، وما يمكن أن تجره على المنطقة، وستكون الجولة الجديدة من المفاوضات فرصة لاحتواء الصراع قد تكون الأخيرة، لأن فشلها سيبدد ما تبقى من ثقة محدودة فى الحلول الدبلوماسية.

(الأهرام المصرية)

يتم التصفح الآن