بصمات

العَرَبُ ومَراكِزُ التَّفْكير (1/2)

في كُلِّ مَرَّةٍ تَقَعُ أَزْمَةٌ كُبْرى في مَنْطِقَتِنا العَرَبِيَّة، يُطِلُّ الخُبَراءُ وَالمُحَلِّلونَ العَرَبُ لِلإِدْلاءِ بِدَلْوِهِمْ في تَوْصيفِ الأَزْمَة، وَشَرْحِ سِياقِها التّاريخِيّ، وَتَحْليلِ وَضْعِها الرّاهِن، بَلْ وَوَضْعِ وَصْفاتٍ لِلتَّعامُلِ مَعَها وَعِلاجِ مُسَبِّباتِها وَصِياغَةِ أُفُقٍ لِلْمُسْتَقْبَل. وَهُنا يَبْرُزُ سُؤالٌ طَبيعِيّ: طالَما أَنَّ لَدَيْنا خُبَراءَ بِهَذا الحَجْمِ مِنَ المَعْرِفَةِ وَالفَهْم، فَلِماذا نَكْتَشِف، في كُلِّ أَزْمَةٍ تَقْريبًا، أَنَّنا كُنَّا نَعْرِفُ الكَثير، لَكِنَّنا لَمْ نَفْعَلْ بِما نَعْرِفُهُ إِلَّا القَليل؟!.

العَرَبُ ومَراكِزُ التَّفْكير (1/2)

في السّودانِ، وَغَزَّةَ، وَاليَمَن، وَباقي حُروبِ المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّةِ وَالشَّرْقِ أَوْسَطِيَّةِ وَأَزْماتِها، وَحَتّى في مَوْضوعاتٍ كُبْرى مِثْلَ تَغَيُّرِ شَكْلِ النِّظامِ السِّياسيِّ العالَميِّ وَتَأْثيرِهِ على دُوَلِ المِنْطَقَة، لَدَيْنا مَخْزونٌ واسِعٌ مِنَ التَّعْريفاتِ وَالتَّصْنيفاتِ وَالتَّحْليلات. لَكِنَّ هَذا المَخْزونَ لا يَتَحَوَّل، في مُعْظَمِ الأَحْوال، إِلى أَجَنْدَةِ عَمَلٍ اسْتِباقِيَّة. فَلا يَتَحَرَّكُ أَحَدٌ إِلّا بَعْدَ وُقوعِ الأَزْمَةِ بِالفِعْل. وَالأَغْرَبُ أَنَّنا كَثيرًا ما نَكْتَشِفُ بَعْدَ وُقوعِها، أَنَّ التَّحْذيراتِ كانَتْ مَوْجودَة، وَأَنَّ سينارْيُواتٍ عَديدَةً جَرى تَداوُلُها، وَرُبَّما كُتِبَتْ عَنْها دِراساتٌ وَتَقارير، لَكِنَّها بَقِيَتْ مَحْصورَةً في دَوائِرَ ضَيِّقَة، أَوْ وَصَلَتْ مُتَأَخِّرَة، أَوْ وَصَلَتْ في صورَةٍ لا تُساعِدُ صانِعَ القَرارِ على التَّحَرُّك.

مراكز الفكر ليست مراكز بحثية أو أكاديمية بالمعنى التقليدي لكنها ماكينة سياسات تُـمثّل العقل المُفكّر وَالمُخطّط

هَلِ المُشْكِلَةُ في جَوْدَةِ هَذِهِ التَّحْليلات؟ هَلْ هِيَ مُتَواضِعَةُ العُمْق، وَلا تَقِفُ على الأَسْبابِ الأَكْثَرِ تَجَذُّرًا لِلْمُشْكِلَة؟ أَمْ أَنَّ الأَزْمَةَ أَنَّنا، في ثَقافَتِنا السِّياسِيَّةِ عُمومًا، لا نَتَحَرَّكُ إِلَّا بَعْدَ فَواتِ الأَوان؟ أَمْ أَنَّنا لا نَثِقُ بِما يَكْفي في مُحَلِّلينا وَخُبَرائِنا؟ أَمْ أَنَّ هُناكَ سَبَبًا آخَرَ غَيْرَ كُلِّ ذَلِك؟.

هُنا تَظْهَرُ أَهَمِّيَّةُ مَراكِزِ الفِكْرِ وَالبَحْث، بِاعْتِبارِها الماكينَةَ التَّحْليلِيَّةَ وَالمَعْرِفِيَّةَ القادِرَةَ على التَّعامُلِ مَعَ الأَحْداثِ بِوَتيرَةٍ أَسْرَع، وَبِقُدْرَةٍ عالِيَةٍ على الفَهْمِ وَالتَّحْليل، ثُمَّ تَقْديمِ تَوْصِياتٍ بِخُصوصِ السِّياساتِ الواجِبِ اتِّخاذُها داخِلِيًّا وَخارِجِيًّا. هَذِهِ لَيْسَتْ مَراكِزَ بَحْثِيَّةً أَوْ أَكاديمِيَّةً بِالمَعْنى التَّقْليدِيّ، وَإِنْ ظَلَّ البَحْثُ العِلْمِيُّ جُزْءًا مِنْ عَمَلِها بِكُلِّ تَأْكيد، لَكِنَّها ماكينَةُ سِياسات، تُمَثِّلُ العَقْلَ المُفَكِّرَ وَالمُتَدَبِّرَ وَالمُخَطِّطَ لِلْكَثيرِ مِنَ الدُّوَلِ وَالأَحْزابِ وَمُؤَسَّساتِ الدَّوْلَةِ وَالمُجْتَمَعِ مَعًا.

الحَقيقَةُ أَنَّ مَراكِزَ الفِكْر، بِهَذا المَعْنى، لَيْسَتْ كَثيرَةً في عالَمِنا العَرَبِيّ. فَمُعْظَمُ مَراكِزِنا البَحْثِيَّةِ تَعْمَلُ بِالشَّكْلِ التَّقْليدِيِّ لِلْبَحْثِ الأَكاديمِيّ، وَمُشْكِلَةُ هَذا النَّوْعِ مِنَ البَحْثِ لَيْسَتْ في قيمَتِه، فَقيمَتُهُ الحَقيقِيَّةُ نَظَرِيَّةٌ بِالأَساس، وَهَذا لَيْسَ عَيْبًا، إِذْ مِنْ دونِ النَّظَرِيّاتِ لَنْ تَكونَ لَدَيْنا مَعْرِفَةٌ صَحيحَةٌ وَلا تَراكُمٌ عِلْمِيّ. لَكِنَّ مُخْرَجاتِ البَحْثِ الأَكاديمِيِّ لَيْسَتْ دائِمًا مُناسِبَةً لِلْوَتيرَةِ السَّريعَةِ وَالقُدْرَةِ الاسْتِخْلاصِيَّةِ وَالتَّحْليلِيَّةِ الَّتي يَحْتاجُها صانِعُ القَرار. فَالأَخيرُ تَحْكُمُهُ عادَةً مُحَدِّداتٌ كَثيرَة، أَهَمُّها الوَقْتُ وَسُرْعَةُ اتِّخاذِ القَرارِ في مُواجَهَةِ أَزْماتٍ تَظْهَرُ على السَّطْحِ فَجْأَةً وَتَتَطَلَّبُ رَدَّ فِعْلٍ سَريعًا وَهَذِهِ هِيَ الميزَةُ الرَّئيسِيَّةُ لِمَراكِزِ الفِكْر: أَنَّها مُصَمَّمَةٌ لِلْبَحْثِ بِعِنايَةٍ وَعُمْق، لَكِنْ بِالوَتيرَةِ الَّتي يَتَوَقَّعُها صانِعُ القَرار. كَما أَنَّها تَعْتَمِدُ على الاحْتِكاكِ المُباشِرِ بِالأَزْمَةِ وَظُروفِها الواقِعِيَّةِ على الأَرْض، وَلِذَلِكَ لا تَسْتَقْطِبُ فَقَطِ الباحِثينَ ذَوي المَهارَةِ التَّحْليلِيَّة، لٰكِنَّها تَسْتَعينُ أَيْضًا بِخُبَراءَ سَبَقَ لَهُمْ العَمَلُ في مَراكِزِ صُنْعِ القَرارِ أَوْ بِالقُرْبِ مِنْها. وَمِنْ هُنا تُحَقِّقُ المُعادَلَةَ الصَّعْبَة: الجَمْعَ بَيْنَ قُوَّةِ التَّحْليلِ النَّظَرِيّ، وَسُرْعَةِ الكِتابَة، وَمَهاراتِ العَرْضِ التَّحْريرِيَّةِ وَالشَّفَوِيَّةِ المُناسِبَةِ لِطَبيعَةِ الأَزْماتِ وَطَريقَةِ تَعامُلِ صُنّاعِ القَرارِ مَعَها.

لَكِنَّ البَعْضَ يَطْرَحُ بَيْنَ الحينِ وَالآخَرِ أَسْئِلَة، أَراها مَشْروعَة، حَوْلَ ما إِذا كانَتْ مَراكِزُ التَّفْكير، بِهَذا المَعْنى، تَتَنافى مَعَ فِكْرَةِ الاسْتِقْلالِيَّةِ وَالحِيادِ المُفْتَرَضَةِ في البَحْثِ العِلْمِيّ، كَوْنَها تَعْمَلُ في النِّهايَةِ مَعَ صانِعِ القَرارِ داخِلَ نِظامٍ سِياسِيٍّ لَهُ، بِطَبيعَةِ الحال، انْحِيازاتُهُ الفِكْرِيَّةُ وَالمَصْلَحِيَّة. غَيْرَ أَنَّ التَّعامُلَ مَعَ هَذا السُّؤالِ يَتَطَلَّبُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ صِناعَةِ الأَبْحاثِ وَصِناعَةِ أَوْراقِ السِّياسات، وَكَذَلِكَ بَيْنَ حِرْفَةِ صُنْعِ التَّحْليلِ وَحِرْفَةِ عَرْضِه.

البَحْثُ العِلْمِيُّ جُمْهورُهُ الأَساسِيُّ هُوَ جَماعَةُ الباحِثينَ وَالدّارِسينَ المُهْتَمِّينَ بِالمَوْضوعِ مَحَلِّ النَّظَرِ مِنْ زاوِيَةٍ عِلْمِيَّة، فَهُوَ لَيْسَ مُوَجَّهًا بِالأَساسِ إِلى صُنّاعِ السِّياسات، وَلا حَتّى إِلى الجُمْهورِ العامّ، بَلْ إِلى جَماعَةٍ بَحْثِيَّةٍ تَهْتَمُّ بِالتَّراكُمِ وَصِناعَةِ النَّظَرِيّاتِ وَمُحاوَلَةِ التَّعْميم. أَمّا في حالَةِ مَراكِزِ الفِكْر، فَالجُمْهورُ الأَساسِيُّ هُوَ صُنّاعُ القَرارِ أَوْ مُسْتَشاروهُم، مِمَّنْ يَبْحَثونَ عَنْ حُلولٍ عِلْمِيَّة، لَكِنَّها في الوَقْتِ نَفْسِهِ عَمَلِيَّةٌ وَمُخْتَصَرَة، لِلتَّعامُلِ مَعَ أَزْمَةٍ أَوْ سِياسَةٍ مُعَيَّنَة.

المعيار الحقيقي هو قدرة المركز على إنتاج معرفة تقول لصانع القرار ما يحتاج إلى معرفته لا ما يُفضّل سماعه

أَمّا حِرْفَةُ التَّحْليل، فَتَتَطَلَّبُ الحِيادَ وَالدِّقَّةَ وَالنَّزاهَةَ وَالعُمْق، سَواءٌ في البَحْثِ العِلْمِيِّ أَوْ في أَوْراقِ السِّياسات. لَكِنَّ حِرْفَةَ العَرْضِ تَخْتَلِف. فَالبَحْثُ العِلْمِيّ، بِحُكْمِ جُمْهورِهِ وَهَدَفِه، يَحْتاجُ إِلى الإِسْهابِ وَشَرْحِ المَعاني النَّظَرِيَّة، وَاحْتِمالاتِ التَّعْميم، وَالخُلاصات، وَالحَواشي. أَمّا في حالَةِ أَوْراقِ السِّياسات، فَيَجِبُ أَنْ يَكونَ العَرْضُ مُخْتَصَرًا، واضِحًا، وَمُناسِبًا لِخَلْفِيَّةِ صانِعِ القَرارِ وَاحْتِياجاتِه. وَالاخْتِصارُ هُنا لا يَعْني التَّبْسيطَ المُخِلّ، بَلِ القُدْرَةَ على تَحْديدِ جَوْهَرِ المُشْكِلَة، وَتَرْتيبِ الأَوْلَوِيّات، وَعَرْضِ البَدائِلِ وَتَكْلِفَةِ كُلِّ بَديلٍ وَمَخاطِرِه.

هَذِهِ الوَظيفَةُ تَبْدو ضَرورِيَّة، لَكِنَّ وُجودَها في العالَمِ العَرَبِيِّ لا يَزالُ مَحْدودًا. وَالمُشْكِلَةُ هُنا لا تَتَعَلَّقُ فَقَطْ بِعَدَدِ المَراكِز، بَلْ بِالبيئَةِ الَّتي تَعْمَلُ فيها، وَبِالعَلاقَةِ بَيْنَها وَبَيْنَ الدَّوْلَة، وَالمُمَوِّلين، وَالباحِثين، وَالإِعْلام. وَهَذا ما يَقودُ إِلى المُعْضِلاتِ الحَقيقِيَّةِ الَّتي تَعوقُ بِناءَ مَراكِزِ فِكْرٍ مُؤَثِّرَةٍ في المِنْطَقَة. فَوُجودُ مَرْكَزٍ يَحْمِلُ اسْمًا كَبيرًا وَيُنَظِّمُ النَّدَواتِ لا يَعْني بِالضَّرورَةِ أَنَّهُ يُؤَدّي وَظيفَةَ مَرْكَزِ التَّفْكير. المِعْيارُ الحَقيقِيُّ هُوَ قُدْرَتُهُ على إِنْتاجِ مَعْرِفَةٍ تَصِلُ في الوَقْتِ المُناسِب، وَأَنْ تَقولَ لِصانِعِ القَرارِ ما يَحْتاجُ إِلى مَعْرِفَتِه، لا ما يُفَضِّلُ سَماعَه، ثُمَّ تَضَعُ أَمامَهُ بَدائِلَ قابِلَةً لِلنِّقاشِ وَالتَّنْفيذ.

وَلِلْحَديثِ بَقِيَّةٌ في الجُزْءِ الثّاني مِنْ هَذا المَقال.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن