تقدير موقف

"السُّوَيْسُ" لَيْسَتْ "هُرْمُز"! (1/2)

مُنْذُ انْدِلاعِ أَزْمَةِ مَضيقِ هُرْمُز، راجَتْ في وَسائِلِ الإِعْلام، وَفي كِتاباتِ عَدَدٍ مِنَ المُحَلِّلين، مُقارَنَةٌ مُفادُها أَنَّ ما يَجْري اليَوْمَ يُشْبِهُ أَزْمَةَ السُّوَيْسِ عامَ 1956، وانَّ إيرانَ سَتَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ المُواجَهَةِ مُنْتَصِرَةً سِياسِيًّا كَما خَرَجَتْ مِصْرُ بِقِيادَةِ جَمالِ عَبْدِ النّاصِر، وَأَنَّ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةَ سَتُمْنى بِهَزيمَةٍ شَبيهَةٍ بِتِلْكَ التي لَحِقَتْ بِبَريطانْيا وَفَرَنْسا، بِما يَجْعَلُ "هُرْمُز" بِدايَةَ أُفولِ الهَيْمَنَةِ الأَميركِيَّةِ كَما كانَتِ "السُّوَيْسُ" بِدايَةَ أُفولِ الِاسْتِعْمارِ الأوروبِّيِّ التَّقْليدِيّ.

قَدْ تَبْدو هَذِهِ المُقارَنَة، لِلوَهْلَةِ الأولى، مُقْنِعَة. فَهُناكَ عُدْوانٌ عَسْكَرِيٌّ تَشُنُّهُ قُوًى كُبْرى، وَدَوْلَةٌ تَتَعَرَّضُ لِلهُجومِ لَكِنَّها لا تَنْهار، وَأَزْمَةٌ تَرْتَبِطُ بِأَحَدِ أَهَمِّ المَمَرّاتِ المائِيَّةِ في العالَم، ثُمَّ قُدْرَةٌ على الصُّمودِ يُرادُ لَها أَنْ تَتَحَوَّلَ إلى انْتِصارٍ سِياسِيّ. غَيْرَ أَنَّ هَذا التَّشابُهَ يُخْفي اخْتِلافًا جَوْهَرِيًّا في طَبيعَةِ الأَزْمَتَيْن.

التاريخ لا يُعيد نفسه لمجرّد تشابه بعض الأحداث

قَبْلَ مُناقَشَةِ المُقارَنَة، تَجْدُرُ الإِشارَةُ إلى ضَرورَةِ التَّمْييزِ بَيْنَ مَرْحَلَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ مِنْ أَزْمَةِ "هُرْمُز": الأولى تَمَثَّلَتْ في العُدْوانِ الأَميرْكِيّ - الإِسْرائيلِيِّ على إيران، وَهُوَ عُدْوانٌ اخْتَلَطَ بِمِلَفّاتٍ مُتَعَدِّدَة، وَفي مُقَدِّمَتِها البَرْنامَجُ النَّوَوِيُّ الإيرانِيّ. أَمّا الثّانِيَة، فَقَدْ بَدَأَتْ بَعْدَ إِغْلاقِ مَضيقِ هُرْمُز، وَتَعْطيلِ حُرِّيَّةِ المِلاحَةِ في أَحَدِ أَكْثَرِ المَمَرّاتِ البَحْرِيَّةِ حَساسِيَّةً لِأَمْنِ الطّاقَةِ العالَمِيّ، وَهُوَ ما غَيَّرَ البيئَةَ السِّياسِيَّةَ لِلأَزْمَة، وَأَضْعَفَ كَثيرًا مِنَ الرَّصيدِ السِّياسِيِّ الذي كَسَبَتْهُ إيرانُ بِوَصْفِها دَوْلَةً تَعَرَّضَتْ لِلعُدْوان، بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَتْ هِيَ أَيْضًا مَوْضِعَ انْتِقادٍ بِسَبَبِ المَساسِ بِحُرِّيَّةِ المِلاحَةِ الدَّوْلِيَّة، كَما أَوْجَدَ ذَرائِعَ جَديدَةً لِتَبْريرِ اسْتِخْدامِ القُوَّةِ ضِدَّها.

غَيْرَ أَنَّ هَذا التَّمْييز، على أَهَمِّيَّتِه، لا يُغَيِّرُ مِنَ السُّؤالِ الذي يُناقِشُهُ هَذا المَقال: هَل يَصِحُّ قِياسُ أَزْمَةِ "هُرْمُز" على أَزْمَةِ "السُّوَيْس"، والقَوْلُ إِنَّ نَتائِجَهُما سَتَكونُ واحِدَة؟.

إِنَّ الإِجابَةَ عَنْ هَذا السُّؤالِ تَقْتَضي التَّمْييزَ بَيْنَ تَشابُهِ الوَقائِعِ وَتَشابُهِ النَّتائِج. فالتّاريخُ لا يُعيدُ نَفْسَهُ لِمُجَرَّدِ تَشابُهِ بَعْضِ الأَحْداث، لِأَنَّ نَتائِجَ الأَزْماتِ الكُبْرى لا تَصْنَعُها الجُغْرافْيا وَحْدَها، وَلا مُجَرَّدُ اسْتِخْدامِ القُوَّة، وَإِنَّما تَصْنَعُها طَبيعَةُ القَضِيَّة، والشَّرْعِيَّةُ السِّياسِيَّة، والبيئَةُ الإِقْليمِيَّة، وَميزانُ القُوى، وَبُنْيَةُ النِّظامِ الدَّوْلِيّ.

وَأَوَّلُ الفُروقِ الجَوْهَرِيَّةِ أَنَّ "السُّوَيْسَ" كانَت، في جَوْهَرِها، أَزْمَةَ إِنْهاءِ اسْتِعْمار، بَيْنَما "هُرْمُز" هِي، في جَوْهَرِها، أَزْمَةُ صِراعِ قُوًى.

فَفي عامِ 1956، كانَ النِّزاعُ يَدورُ حَوْلَ قَرارٍ سِيادِيٍّ اتَّخَذَتْهُ مِصْرُ بِتَأْميمِ "شَرِكَةِ قَناةِ السُّوَيْس" العامِلَةِ داخِلَ الأَراضي المِصْرِيَّة. وَلَمْ يَكُنِ الخِلافُ حَوْلَ حَقِّ مِصْرَ في السِّيادَةِ على القَناة، وَإِنَّما حَوْلَ مَصالِحِ الدُّوَلِ المالِكَةِ لِلشَّرِكَة. وَلِذَلِكَ بَدا العُدْوانُ الثُّلاثِيّ، في نَظَرِ أَغْلَبِيَّةِ المُجْتَمَعِ الدَّوْلِيّ، مُحاوَلَةً لِإِخْضاعِ دَوْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ لِأَنَّها مارَسَتْ حَقًّا سِيادِيًّا داخِلَ حُدودِها.

العدوان على مصر كان مُوَجّهًا ضدّ دولة بسبب ممارستها حقًا سياديًا داخل أراضيها

أَمّا أَزْمَةُ "هُرْمُز"، فَلا تَتَعَلَّقُ بِاسْتِعادَةِ سِيادَةٍ على أَرْضٍ أَوْ مِرْفَقٍ وَطَنِيّ، وَإِنَّما تَتَشابَكُ فيها مِلَفّاتُ البَرْنامَجِ النَّوَوِيِّ الإيرانِيّ، والأَمْنِ الإِقْليمِيّ، وَحُرِّيَّةِ المِلاحَةِ في مَضيقٍ يُمَثِّلُ شِرْيانًا رَئيسِيًّا لِلطّاقَةِ والتِّجارَةِ العالَمِيَّة، فَضْلًا عَنِ الصِّراعِ على النُّفوذِ في الخَليج. وَلِذَلِكَ تَخْتَلِفُ طَبيعَةُ القَضِيَّةِ عَيْنِها، وَيُصْبِحُ القِياسُ بَيْنَ الأَزْمَتَيْنِ مُضَلِّلًا مُنْذُ البِدايَة.

وَيَسْتَنِدُ كَثيرٌ مِنْ أَنْصارِ هَذِهِ المُقارَنَةِ إلى أَنَّ العُدْوانَ الثُّلاثِيَّ على مِصْرَ كانَ مُخالِفًا لِلقانونِ الدَّوْلِيّ، وَأَنَّ العُدْوانَ الأَميركِيَّ - الإِسْرائيلِيَّ على إيرانَ يُثيرُ بِدَوْرِهِ أَسْئِلَةً قانونِيَّةً مُماثِلَة، وَبِالتّالي فَإِنَّ تَشابُهَ المَوْقِفِ القانونِيِّ سَيَقودُ إلى تَشابُهِ النَّتيجَةِ السِّياسِيَّة.

غَيْرَ أَنَّ هَذا الِاسْتِنْتاجَ يَخْلِطُ بَيْنَ شَرْعِيَّةِ اسْتِخْدامِ القُوَّةِ وَطَبيعَةِ النِّزاعِ الذي اسْتُخْدِمَتِ القُوَّةُ بِشَأْنِه.

فَلا شَكَّ أَنَّ شَرْعِيَّةَ الحَرْبِ تُؤَثِّرُ في تَشْكيلِ المَواقِفِ الدَّوْلِيَّة، لَكِنَّها لا تَكْفي وَحْدَها لِصِناعَةِ نَتائِجِها. فالنَّتائِجُ تَتَحَدَّدُ أَيْضًا بِطَبيعَةِ القَضِيَّة، وَبِالتَّحالُفاتِ التي تَنْشَأُ حَوْلَها، وَبِالبيئَةِ السِّياسِيَّةِ التي تُفْرِزُها.

لَقَدْ كانَ العُدْوانُ على مِصْرَ مُوَجَّهًا ضِدَّ دَوْلَةٍ بِسَبَبِ مُمارَسَتِها حَقًّا سِيادِيًّا داخِلَ أَراضيها، بَيْنَما جَاءَتْ أَزْمَةُ "هُرْمُز" في سِياقٍ إِقْليمِيٍّ وَدَوْلِيٍّ أَكْثَرَ تَعْقيدًا، ثُمَّ ازْدادَتْ تَعْقيدًا بَعْدَ إِغْلاقِ المَضيقِ وَتَعْطيلِ المِلاحَةِ الدَّوْلِيَّة. لِذَلِك، وَحَتّى إِذا انْطَلَقْنا مِنْ وَصْفِ العُدْوانِ الأَميركِيِّ - الإِسْرائيلِيِّ بِأَنَّهُ مُخالِفٌ لِلقانونِ الدَّوْلِيّ، فَإنَّ ذَلِكَ وَحْدَهُ لا يَكْفي لِلقَوْلِ إِنَّ التّاريخَ سَيُعيدُ إِنْتاجَ النَّتيجَةِ التي انْتَهَتْ إِلَيْها أَزْمَةُ "السُّوَيْس".

إيران لا يُنظَر إليها بوصفها رمزًا للتحرُّر بل بوصفها طرفًا في أزمات المنطقة وصراعاتها

وَيَبْرُزُ بَعْدَ ذَلِكَ اخْتِلافٌ لا يَقِلُّ أَهَمِّيَّة، وَهُوَ البيئَةُ السِّياسِيَّةُ التي أَحاطَتْ بِكُلِّ أَزْمَة. فَقَدْ أَصْبَحَتْ مِصْرُ عامَ 1956 رَمْزًا لِحَرَكاتِ التَّحَرُّرِ الوَطَنِيّ، وَتَحَوَّلَ الدِّفاعُ عَنْها إلى دِفاعٍ عَنْ مَبْدَأِ إِنْهاءِ الِاسْتِعْمارِ وَحَقِّ الشُّعوبِ في تَقْريرِ مَصيرِها. أَمّا إيران، فَهِيَ اليَوْمَ لَيْسَتْ دَوْلَةً تَعَرَّضَتْ لِعُدْوان، وَإِنَّما هِيَ أَيْضًا قُوَّةٌ إِقْليمِيَّةٌ ارْتَبَطَ نُفوذُها، خِلالَ العُقودِ الماضِيَة، بِدَعْمِ جَماعاتٍ مُسَلَّحَةٍ والتَّدَخُّلِ في الشُّؤونِ الدّاخِلِيَّةِ لِعَدَدٍ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، والِانْخِراط، بِصورَةٍ مُباشِرَةٍ أَوْ عَبْرَ حُلَفائِها، في صِراعاتِها الدّاخِلِيَّة، مِنَ العِراقِ وَسورْيا وَلُبْنانَ إلى اليَمَن. وَلِهَذا لَمْ يُنْظَرْ إِلَيْها، في قِطاعاتٍ واسِعَةٍ مِنَ الرَّأْيِ العامِّ العَرَبِيّ، بِوَصْفِها رَمْزًا لِلتَّحَرُّرِ الوَطَنِيّ، بَل بِوَصْفِها طَرَفًا في أَزْماتِ المِنْطَقَةِ وَصِراعاتِها، وَهُوَ فارِقٌ جَوْهَرِيٌّ يُفَسِّرُ لِماذا لَمْ يَتَحَوَّلِ التَّعاطُفُ مَعَ إيران، على الرَّغْمِ مِنَ العُدْوانِ الذي تَعَرَّضَتْ لَه، إلى إِجْماعٍ عَرَبِيٍّ واقْليمِيٍّ كالذي حَظِيَتْ بِهِ مِصْرُ في أَزْمَةِ "السُّوَيْس"!.

... (يتبع)

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن