الأمن الغذائي والمائي

كَيْفَ يُـمكِنُ تَحقيقُ الاكتِفاءِ الذّاتيِّ مِنَ الدَّواجِنِ في الوَطَنِ العَرَبيّ؟

تُعَدُّ الثَّرْوَةُ الدّاجِنَةُ مِنْ أَهَمِّ القِطاعاتِ الإِنْتاجِيَّةِ في الوَطَنِ العَرَبِيِّ لِما لَها مِنْ دَوْرٍ حَيَوِيٍّ في دَعْمِ الأَمْنِ الغِذائِيِّ وَتَوْفيرِ مَصادِرِ البْروتينِ الحَيَوانِيِّ بِأَسْعارٍ مُناسِبَةٍ مُقارَنَةً بِغَيْرِها مِنْ مَصادِرِ اللُّحوم. وَتَزْدادُ أَهَمِّيَّةُ الثَّرْوَةِ الدّاجِنَةِ في الوَطَنِ العَرَبِيِّ بِسَبَبِ الزِّيادَةِ السُّكّانِيَّةِ المُسْتَمِرَّةِ وارْتِفاعِ الطَّلَبِ على الغِذاء، حَيْثُ تُعَدُّ الدَّواجِنُ مِنْ أَكْثَرِ المُنْتَجاتِ الغِذائِيَّةِ اسْتِهْلاكًا في المُجْتَمَعاتِ العَرَبِيَّة. كَما أَنَّ هَذا القِطاعَ يُوَفِّرُ فُرَصَ عَمَلٍ واسِعَةً وَيُساهِمُ في دَعْمِ الاقْتِصاداتِ العَرَبِيَّة.

كَيْفَ يُـمكِنُ تَحقيقُ الاكتِفاءِ الذّاتيِّ مِنَ الدَّواجِنِ في الوَطَنِ العَرَبيّ؟

خِلالَ العُقودِ الأَخيرَة، أَصْبَحَتْ تَنْمِيَةُ قِطاعِ إِنْتاجِ الدَّواجِنِ مِنَ الأَوْلَوِيّاتِ الاقْتِصادِيَّةِ في العَديدِ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ بِهَدَفِ تَحْقيقِ الاكْتِفاءِ الذّاتِيِّ وَتَقْليلِ فاتورَةِ الاسْتيرادِ الضَّخْمَة، فَعلى سَبيلِ المِثالِ تَسْتَوْرِدُ السُّعودِيَّةُ ما بَيْنَ 600 وَ700 أَلْفِ طُنٍّ مِنْ لُحومِ الدَّواجِنِ سَنَوِيًّا بِقيمَةٍ تَصِلُ إلى 1.2 مِلْيارِ دولار، وَتَسْتَوْرِدُ الإِماراتُ ما بَيْنَ 420 وَ445 أَلْفِ طُنٍّ بِقيمَةِ مِلْيارِ دولارٍ في حينِ انْخَفَضَتْ وارِداتُ مِصْرَ بِشَكْلٍ مَلْحوظٍ إلى ما بَيْنَ 80 وَ85 مِلْيونَ دولارٍ نَظَرًا لِتَحْقيقِها اكْتِفاءً ذاتِيًّا يَقْتَرِبُ مِنْ 97%.

قطاع الدواجن يعمل على تنشيط الصناعات المرتبطة به

وَيَتَمَيَّزُ قِطاعُ الدَّواجِنِ بِسُرْعَةِ دَوْرَةِ الإِنْتاجِ مُقارَنَةً بِقِطاعاتِ الثَّرْوَةِ الحَيَوانِيَّةِ الأُخْرى حَيْثُ يُمْكِنُ الحُصولُ على إِنْتاجِهِ خِلالَ أَسابيعَ قَليلَةٍ مِمّا يَجْعَلُهُ مِنْ أَكْثَرِ القِطاعاتِ الزِّراعِيَّةِ قُدْرَةً على تَلْبِيَةِ الاحْتِياجاتِ الغِذائِيَّةِ المُتَزايِدَةِ لِلسُّكّان.

وَيُساهِمُ أَيْضًا قِطاعُ الدَّواجِنِ في زِيادَةِ النّاتِجِ المَحَلِّيِّ حَيْثُ يَعْمَلُ على تَنْشيطِ العَديدِ مِنَ الصِّناعاتِ المُرْتَبِطَةِ بِهِ مِثْلَ صِناعَةِ الأَعْلافِ والأَدْوِيَةِ البَيْطَرِيَّةِ واللُّقاحَاتِ وَمُعَدّاتِ المَزارِعِ بِالإِضافَةِ إلى الصِّناعاتِ الغِذائِيَّةِ التي تَعْتَمِدُ على الدَّواجِنِ وَمُنْتَجاتِها الثّانَوِيَّة.

وَخِلالَ السَّنَواتِ الأَخيرَة، شَهِدَ قِطاعُ الدَّواجِنِ العَرَبِيُّ زِيادَةً هائِلَةً في الاسْتِثْماراتِ وَقَدْ ساعَدَ ذَلِكَ في إِنْشاءِ مَزارِعَ حَديثَةٍ رَفَعَتْ كَفاءَةَ الإِنْتاجِ والجَوْدَة، وَمِنْ أَبْرَزِ مَظاهِرِ هَذا التَّطَوُّرِ اسْتِخْدامُ أَنْظِمَةِ التَّرْبِيَةِ التي تَعْتَمِدُ على الأَنْظِمَةِ الذَّكِيَّةِ لِلتَّحَكُّمِ في دَرَجاتِ الحَرارَة، والتَّهْوِيَة، والإِضاءَة، والتَّغْذِيَة. كَما أَدّى التَّقَدُّمُ العِلْمِيُّ في هَذا المَجالِ إلى إِنْتاجِ أَعْلافٍ مُتَوازِنَةٍ تُؤَدّي إلى تَحْسينِ مَعَدَّلاتِ التَّحَوُّلِ الغِذائِيِّ بِالإِضافَةِ إلى الرِّعايَةِ البَيْطَرِيَّةِ بِاسْتِخْدامِ لُقاحاتٍ وَأَدْوِيَةٍ بَيْطَرِيَّةٍ حَديثَةٍ لِلْحَدِّ مِنْ انْتِشارِ الأَمْراضِ وَتَقْليلِ مَعَدَّلاتِ النُّفوق.

وَعلى الرَّغْمِ مِنْ هَذا التَّطَوُّرِ، ما زالَ قِطاعُ الثَّرْوَةِ الدّاجِنَةِ في الوَطَنِ العَرَبِيِّ يُواجِهُ العَديدَ مِنَ التَّحَدِّياتِ التي تُؤَثِّرُ على حَجْمِ الإِنْتاجِ وَجَوْدَتِه.

وَيُمْكِنُ تَلْخيصُ أَهَمِّ تِلْكَ التَّحَدِّياتِ في ثَلاثَةِ مَحاوِرَ رَئيسِيَّة:

يَشْمَلُ المِحْوَرُ الأَوَّلُ ارْتِفاعَ أَسْعارِ الأَعْلافِ التي تُشَكِّلُ العُنْصُرَ الأَساسِيَّ في صِناعَةِ الدَّواجِنِ حَيْثُ تُساهِمُ بِما يُقارِبُ مِنْ 60% إلى 75% مِنْ تَكْلِفَةِ الإِنْتاجِ مِمّا يَنْعَكِسُ على أَسْعارِ الدَّواجِنِ واسْتِقْرارِ القِطاعِ بِأَكْمَلِهِ نَظَرًا لاِعْتِمادِهِ على اسْتيرادِ المُكَوِّناتِ الأَساسِيَّةِ لِلأَعْلافِ مِثْلَ الذُّرَةِ وَفولِ الصّويا والشَّعير، الأمرُ الذي يَجْعَلُهُ عُرْضَةً لِلتَّقَلُّباتِ في الأَسْعارِ وَسَلاسِلِ الإِمْداد.

البحث عن بدائل غير تقليدية ضرورة مُلِحّة لاستدامة قطاع الأعلاف

على سَبيلِ المِثالِ تَسْتَوْرِدُ مِصْرُ حَوالَيْ 80% مِنِ احْتِياجاتِها مِنَ الذُّرَةِ وَحَوالَيْ 95% مِنْ فولِ الصّويا بِقيمَةٍ تَتَراوَحُ ما بَيْنَ 4 وَ4.5 مِلْياراتِ دولارٍ سَنَوِيًّا، بَيْنَما تَصِلُ قيمَةُ وارِداتِ السُّعودِيَّةِ مِنَ الأَعْلافِ الخَشِنَةِ والمُرَكَّبَةِ إلى حَوالَيْ 2.4 مِلْيارِ دولارٍ سَنَوِيًّا، وَلَكِنْ مِنَ المُتَوَقَّعِ أَنْ تَصِلَ إلى 3.46 مِلْياراتِ دولارٍ عامَ 2027 بَيْنَما تَصِلُ وارِداتُ دُوَلِ المَغْرِبِ العَرَبِيِّ إلى حَوالَيْ 1.1 مِلْيارِ دولارٍ سَنَوِيًّا.

وَنَتيجَةً لِتَزايُدِ الطَّلَبِ على الأَعْلافِ في تِلْكَ الدُّوَل، أَصْبَحَ البَحْثُ عَنْ بَدائِلَ غَيْرِ تَقْليدِيَّةٍ ضَرورَةً مُلِحَّةً لِضَمانِ اسْتِدامَةِ القِطاعِ وَيُمْكِنُ تَحْقيقُ ذَلِكَ مِنْ خِلالِ التَّوَسُّعِ في الحُلولِ العِلْمِيَّةِ والتِّكْنولوجِيَّةِ التي تَعْتَمِدُ على المُخَلَّفاتِ الزِّراعِيَّةِ وَمُخَلَّفاتِ مَصانِعِ الأَغْذِيَةِ والمَطاحِنِ بَعْدَ مُعالَجَتِها بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ لِضَمانِ سَلامَتِها وَإِمْكانِيَّةِ إِضافَتِها إلى الْعَلائِقِ الجَديدَةِ وَغَيْرِ التَّقْليدِيَّة، وَيَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ تَشْجيعَ الاسْتِثْماراتِ المَحَلِّيَّةِ والدَّوْلِيَّةِ اللّازِمَةِ لِإِنْشاءِ مَصانِعَ حَديثَةٍ وَمُتَطَوِّرَةٍ لِإِنْتاجِ أَعْلافٍ غَيْرِ تَقْليدِيَّةٍ تَعْتَمِدُ على تَقْليلِ اسْتيرادِ الحُبوبِ مِثْلَ الذُّرَةِ وَفولِ الصّويا.

وَيَشْمَلُ المِحْوَرُ الثّاني تَطْويرَ الخِدْماتِ البَيْطَرِيَّةِ وَإِنْتاجَ اللُّقاحاتِ المَحَلِّيَّةِ اللّازِمَةِ لِبَرامِجِ التَّحْصينِ والمُتابَعَةِ الصِّحِّيَّة، حَيْثُ تُعاني العَديدُ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ مِنْ نَقْصٍ شَديدٍ في هَذِهِ الخَدَماتِ مِمّا يُسَهِّلُ انْتِشارَ الأَمْراضِ وَيَزيدُ مِنَ الخَسائِرِ الاقْتِصادِيَّة.

أمّا المِحْوَرُ الثَّالِث، فَهُوَ تَفْعيلُ دَوْرِ التِّكْنولوجِيا والبَحْثِ العِلْمِيِّ في تَطْويرِ قِطاعِ الدَّواجِنِ حَيْثُ ظَهَرَتْ أَنْظِمَةٌ إِلِكْترونِيَّةٌ حَديثَةٌ لِلتَّحَكُّمِ البيئِيِّ داخِلَ مَزارِعِ الدَّواجِنِ وَحِمايَتِها مِنَ الأَمْراضِ الوَبائِيَّة، مِمّا يُوَفِّرُ بيئَةً مُناسِبَةً لِنُمُوِّ الدَّواجِنِ وَزِيادَةِ إِنْتاجِيَّتِها.

وَخِلالَ السَّنَواتِ القَليلَةِ الماضِيَةِ لَعِبَ الذَّكَاءُ الاصْطِناعِيُّ دَوْرًا كَبيرًا في تَحْليلِ البَياناتِ الخاصَّةِ بِالدَّواجِنِ والتَّنَبُّؤِ بِالأَمْراضِ وَتَحْسينِ نُظُمِ إِدارَةِ المَزارِع.

وَفي مَجالِ الهَنْدَسَةِ الحَيَوِيَّةِ والوِراثِيَّة، تَمَكَّنَتِ البُحوثُ العِلْمِيَّةُ مِنْ تَحْسينِ سُلالاتِ الدَّواجِنِ بِهَدَفِ زِيادَةِ الإِنْتاجِيَّةِ وَمُقاوَمَةِ الأَمْراضِ وَتَحْسينِ جَوْدَةِ اللَّحْم، بِالإِضافَةِ إلى إِنْتاجِ أَعْلافٍ غَيْرِ تَقْليدِيَّةٍ وَوَسائِلَ تَغْذِيَةٍ حَديثَةٍ تَعْمَلُ على تَقْليلِ الهَدْرِ مِنَ الأَعْلافِ وَتَحْسينِ اسْتِغْلالِ المَوارِد.

ضرورة الاستثمار والتعاون العربي المشترك في البحث العلمي

وَلَقَدْ شَهِدَ قِطاعُ الثَّرْوَةِ الدّاجِنَةِ تَطَوُّرًا كَبيرًا في العَديدِ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، فَعلى سَبيلِ المِثالِ عَمِلَتِ المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعودِيَّةُ مِنْ خِلالِ "رُؤْيَةِ 2030" على تَحْقيقِ نِسْبَةِ الاكْتِفاءِ الذّاتِيِّ مِنَ الدَّواجِنِ وَتَقْليلِ الاسْتيرادِ بِشَكْلٍ كَبيرٍ مِنْ خِلالِ ضَخِّ اسْتِثْماراتٍ ضَخْمَةٍ لِتَعْزيزِ التَّحَوُّلِ نَحْوَ المَزارِعِ الذَّكِيَّةِ والمَشارِيعِ المُتَكَامِلَةِ التي تَشْمَلُ مَزارِعَ التَّرْبِيَة، وَمَصانِعَ الأَعْلاف، والمَجازِرَ الآلِيَّة، وَسَلاسِلَ التَّوْزيع، مِمّا يُقَلِّلُ مِنَ التَّكَاليفِ والمَخاطِر، كَما بَدَأَتْ مَشاريعُ مُماثِلَةٌ الاِنْتِشارَ في دُوَلٍ خَليجِيَّةٍ أُخْرى مِثْلَ الإِماراتِ والكُوَيْت.

وَحَقَّقَ قِطاعُ الدَّواجِنِ في مِصْرَ نُمُوًّا ضَخْمًا مَعَ وُجودِ شَرِكَاتٍ كُبْرى تَعْمَلُ على تَحْقيقِ التَّطَوُّرِ التَّدْريجِيِّ لِزِيادَةِ الإِنْتاجِيَّةِ وَتَوْفيرِ فُرَصِ التَّصْدير.

وَيُشيرُ ما سَبَقَ إلى ضَرورَةِ الاسْتِثْمارِ والتَّعاوُنِ العَرَبِيِّ المُشْتَرَكِ في مَجالِ البَحْثِ العِلْمِيِّ في قِطاعِ الدَّواجِن، كَذَلِكَ تَصْنيعُ مُسْتَلْزَماتِهِ لِتَرْشيدِ التَّكَاليفِ وَتَبادُلِ الخِبْراتِ بَيْنَ البُلْدانِ العَرَبِيَّةِ في هَذا القِطاعِ الحَيَوِيّ.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن