مِنْ قَبْل، اسْتَقَرَّ التَّعْريفُ التَّقْليدِيُّ لِلنَّصْر، وَمُؤَدّاهُ انْتِصارٌ حاسِمٌ لِأَحَدِ الأَطْرافِ وَاسْتِسْلامٌ وَقَبولٌ بِالهَزيمَةِ مِنَ الطَّرَفِ الآخَر، الذي رَفَعَ الرّايَةَ البَيْضاءَ وَوَقَّعَ وَثائِقَ الهَزيمَة. أَمّا الآن، فَمَعَ تَغَيُّرِ شَكْلِ الحُروبِ وَأَدَواتِها وَساحاتِها، وَتَبَلْوُرِ الحُروبِ الهِجينَة، وَتَعَقُّدِ الأَهْدافِ الِاسْتراتيجِيَّةِ لِلدُّوَل، وَإِدْراكِ الطَّرَفَيْنِ أَنَّ تَكْلِفَةَ الِاسْتِمْرارِ في الحَرْبِ أَعْلى بِكَثيرٍ مِنْ أَيِّ مَكاسِبَ مُتَوَقَّعَة، فَإِنَّهُما يُفَضِّلانِ صيغَةَ "لا غالِبَ وَلا مَغْلوبَ" مُغَلَّفَةً بِدَعاوى الِانْتِصار، وَيَطْرَحانِ سَرْدِيَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ عَمّا حَدَثَ إِبانَ الحَرْب، وَتَدَّعي كِلتاهُما تَحْقيقَ الِانْتِصار.
وَمِنْ ثَمَّ، فَقَدْ أَصْبَحَ تَعْريفُ الِانْتِصارِ جُزْءًا مِنَ المَعْرَكَة، وَباتَ إِقْناعُ الرّأْيِ العامِّ بِالنَّصْرِ مَسْأَلَةً لا تَقِلُّ أَهَمِّيَّةً عَمّا تَحَقَّقَ في مَيْدانِ القِتال، وَتُصْبِحُ الإِشْكالِيَّةُ لَيْسَت: مَنْ انْتَصَر؟ وَلَكِن: كَيْفَ يُعَرِّفُ كُلُّ طَرَفٍ النَّصْر؟ وَتَتَحَوَّلُ الحَرْبُ مِنْ صِراعٍ على حَسْمِ نَتيجَتِها في المَيْدانِ إلى صِراعٍ على الرِّوايَةِ وَالحِكايَةِ وَالسَّرْدِيَّة.
مفهوم الانتصار المزدوج يعني النجاح في تجنّب الهزيمة وتصوير الخسائر في إطار أنها ثمن تكتيكي لإنجاز استراتيجي
يُشيرُ مَفْهومُ "الِانْتِصارِ المُزْدَوِجِ" إلى حالَةِ انْتِهاءِ الحَرْبِ مِنْ دونِ إِحْرازِ أَيٍّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ تَفَوُّقًا عَسْكَرِيًّا مُطْلَقًا، مِمّا يُتيحُ لِكُلٍّ مِنْهُما ادِّعاءَ سَرْدِيَّةِ الِانْتِصار، يُقَدِّمُ فيها لِجُمْهورِهِ وَحُلَفائِهِ تَجَلِّيّاتِ هَذا الِانْتِصارِ وَمَظاهِرَه. وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ في المِنْطَقَة، حَرْبُ أُكْتوبَر/تِشْرين الأَوَّلِ 1973، وَالحَرْبُ العِراقِيَّةُ - الإيرانِيَّة (1980-1988)، وَالمُواجَهَةُ العَسْكَرِيَّةُ بَيْنَ إِسْرائيلَ وَ"حِزْبِ اللهِ" عامَ 2006.
لا يَعْني هَذا المَفْهومُ تَحْقيقَ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ لِكامِلِ أَهْدَافِه، وَلَكِنْ نَجاحَهُ في تَجَنُّبِ الهَزيمَة، وَتَصْويرَ الخَسائِرِ في إطارِ أَنَّها ثَمَنٌ تَكْتيكِيٌّ لِإِنْجازٍ اسْتراتيجِيّ.
وَفي حالَةِ الحَرْبِ بَيْنَ أَميرِكا وَإيران، فَقَدْ كانَتْ مُنْذُ البِدايَةِ حَرْبًا غَيْرَ مُتَماثِلَةٍ بَيْنَ قُوَّةٍ عَسْكَرِيَّةٍ وَتِكْنولوجِيَّةٍ وَاسْتِخْباراتِيَّةٍ ساحِقَة، في مُواجَهَةِ قُوَّةٍ شَبَكِيَّةٍ مَرِنَةٍ وَمُمْتَدَّةٍ إِقْليمِيًّا عَبْرَ بَغْدادَ وَبَيْروتَ وُصولًا إلى صَنْعاء. وَيُؤَدّي هَذا التَّبايُنُ إلى اسْتِحالَةِ الحَسْمِ العَسْكَرِيِّ التَّقْليدِيّ، وَيوجِدُ البيئَةَ المُنَاسِبَةَ لِلِانْتِصارِ المُزْدَوِج.
تَسْتَطيعُ القُوَّةُ العُظْمى، أَميرِكا، أَنْ تَدَّعِيَ الِانْتِصار، مُشيرَةً في ذَلِكَ إلى نَجاحِها في اسْتِعادَةِ حُرِّيَّةِ المِلاحَةِ في مَضيقِ هُرْمُز، وَمُمارَسَةِ سَيْطَرَتِها في العُمْقِ الإيرانِيِّ مِنْ دونِ عَوائِق، مِمّا سَمَحَ لَها بِتَدْميرِ القُدُراتِ العَسْكَرِيَّةِ الِاسْتراتيجِيَّةِ الإيرانِيَّةِ وَالبُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ المُساعِدَةِ لَها، وَأَنَّها دَمَّرَتِ المُنْشَآتِ النَّوَوِيَّةَ الإيرانِيَّةَ أَوْ عَطَّلَتْها لِسَنَواتٍ طَويلَةٍ قادِمَةٍ، وَقَصَفَتْ مَصانِعَ وَمَخازِنَ الصَّواريخِ الباليسْتِيَّةِ وَالطّائِراتِ المُسَيَّرَة، وَقَضَتْ على الأُسْطولِ العَسْكَرِيِّ بِالكامِل، وَأَلْزَمَتْ إيرانَ بِالتَّفاوُضِ لِإِنْهاءِ مُشْكِلَةِ البَرْنامَجِ النَّوَوِيِّ الإيرانِيِّ وَالمَوادِّ المُخَصَّبَةِ خِلالَ فَتْرَةٍ مُحَدَّدَة، مَعَ تَعَهُّدِ طَهْرانَ بِعَدَمِ السَّعْيِ لِامْتِلاكِ سِلاحٍ نَوَوِيٍّ مُسْتَقْبَلًا.
كلّ طرف يُرتّب أحداث الحرب ويُفسّرها على النحو الذي يُعطيه الشعور بالنصر
وَسَوْفَ تُضيفُ السَّرْدِيَّةُ الأَميرِكِيَّةُ أَنَّها حَمَتْ إِسْرائيلَ وَدُوَلَ الخَليجِ مِنَ "الهَيْمَنَةِ الإيرانِيَّة". وَسَوْفَ يَتَفاخَرُ الرَّئيسُ ترامب بِأَنَّ القُدْرَةَ العَسْكَرِيَّةَ الأَميرِكِيَّةَ أَدَّبَتِ النِّظامَ الإيرانِيَّ المارِقَ وَدَفَعَتْهُ إلى الجُلوسِ على طاوِلَةِ المُفاوَضات، وَقَبولِ الشُّروطِ الأَميرْكِيَّة. وَسَوْفَ يَكونُ هَدَفُ هَذِهِ السَّرْدِيَّةِ زِيادَةَ شَعْبِيَّةِ الرَّئيسِ الأَميرِكِيّ، وَتَبْريرَ تَكْلِفَةِ الحَرْب، وَالحِفاظَ على صورَةِ أَميرِكا القَوِيَّة.
وَفي المُقابِل، تَسْتَطيعُ إيران، وَهِيَ قُوَّةٌ إِقْليمِيَّةٌ عَقائِدِيَّة، ادِّعاءَ الِانْتِصارِ بِالإِشارَةِ إلى صُمودِ النِّظام، وَاسْتِمْرارِ قُدْرَتِهِ على المُقاوَمَةِ ضِدَّ الهَجَماتِ الأَميرِكِيَّةِ وَالإِسْرائيلِيَّة، وَالنَّجاحِ في مَنْعِ أَميرِكا مِنْ تَحْقيقِ هَدَفِها الرَّئيسِيّ، وَهُوَ إِسْقاطُ النِّظامِ وَتَغْييرُه. وَمِنْ ثَمَّ فَقَدْ أُثْبِتَت انْتِصارَ الإِرادَةِ على القُوَّة. كَما أَنَّها أَجْبَرَتْ أَميرِكا على الإِفْراجِ عَنْ قَدْرٍ مِنْ أُصولِها المالِيَّةِ المُجَمَّدَةِ في المَصارِفِ الخارِجِيَّة، وَرَفْعِ بَعْضِ العُقوباتِ الِاقْتِصادِيَّةِ المَفْروضَةِ عَلَيْها.
وَسَوْفَ تَخْرُجُ المَسيراتُ المُؤَيِّدَةُ لِلنِّظامِ في الشَّوارِعِ وَالمَيادينِ احْتِفالًا بِـ"النَّصْرِ الإِلَهِيّ"، وَهَزيمَةِ "غَطْرَسَةِ الِاسْتِكْبارِ العالَمِيّ"، وَسَوْفَ تَتَفاخَرُ السَّرْدِيَّةُ الإيرانِيَّةُ بِأَنَّها كَسَرَتِ الهَيْبَةَ الأَميرِكِيَّة، مِنْ خِلالِ حَجْمِ الخَسائِرِ التي أَلحَقَتْها بِالمَصالِحِ الأَميرِكِيَّةِ في المِنْطَقَة، وَعَدَمِ اسْتِسْلامِها وَرُضوخِها لِلمَطالِبِ الأَميرِكِيَّةِ تَحْتَ النّار، وَتَمَسُّكِها بِحَقِّها في التَّخْصيبِ لِأَغْراضٍ سِلْمِيَّة، وَأَنَّ القُوَّةَ الأَميرِكِيَّةَ الكاسِحَةَ لَمْ تَنْجَحْ في احْتِلالِ شِبْرٍ واحِدٍ مِنَ الأَرْضِ الإيرانِيَّة، وَأَنَّ "مِحْوَرَ المُقاوَمَةِ" لَمْ يَسْقُطْ وَخَرَجَ مِنَ الحَرْبِ أَكْثَرَ تَلاحُمًا.
توقّفت الحرب لكنّ صراع الإرادات والسرديات مستمر
تَخْتَلِفُ السَّرْدِيّات. فَعلى سَبيلِ المِثال، ما تُشيرُ إِلَيْهِ واشِنْطُنُ مِنْ تَدْميرٍ هائِلٍ لِلقُدُراتِ الإيرانِيَّةِ تَعْتَبِرُهُ طَهْرانُ نَموذَجًا فَذًّا لِلصُّمودِ وَعَدَمِ الِاسْتِسْلام. وَيَنْطَبِقُ ذَلِكَ على المُفْرَداتِ الأُخْرى، فَكُلُّ طَرَفٍ يُرَتِّبُ أَحْداثَ الحَرْبِ وَيُفَسِّرُها على النَّحْوِ الذي يُعْطيهِ الشُّعورَ بِالنَّصْر. وَهَكَذا، فَإِنَّ الِانْتِصارَ المُزْدَوِجَ لَيْسَ وَصْفًا لِنَتيجَةِ الحَرْب، بَل هُوَ اسْتْراتيجِيَّةٌ مَقْصودَةٌ لِلبَقاءِ السِّياسِيِّ وَعَدَمِ الِاعْتِرافِ بِالهَزيمَة، تَكونُ الحَقائِقُ المَوْضوعِيَّةُ أَوَّلَ ضَحاياها، وَتَنْتَصِرُ الرِّوايَةُ على الحَقيقَة.
إِنَّ انْتِهاءَ الحَرْبِ بِهَذِهِ الطَّريقَةِ لا يُنْتِجُ بِالضَّرورَةِ تَسْوِيَةً نِهائِيَّةً أَوْ سَلامًا مُسْتَدامًا، بَل مِنَ الأَرْجَحِ أَنْ يُؤَدِّيَ إلى وَاقِعٍ جِيوسْتراتيجِيٍّ مُعَقَّد، جَوْهَرُهُ إِدْراكُ الطَّرَفَيْنِ لِحُدودِ القُوَّة، فَكُلٌّ مِنْهُما يَمْتَلِكُ قُدُراتٍ تُمَكِّنُهُ مِنْ مَنْعِ الهَزيمَة، وَلَكِنَّها لا تُمَكِّنُهُ مِنْ تَحْقيقِ النَّصْرِ الحاسِم. فَقَدْ تَوَقَّفَتِ الحَرْب، وَلَكِنَّ صِراعَ الإِراداتِ وَالسَّرْدِيّاتِ يَظَلُّ مُسْتَمِرًّا بِأَشْكالٍ مُخْتَلِفَة، ظاهِرَةٍ وَكامِنَة، سِياسِيَّةٍ وَاقْتِصادِيَّةٍ وَإِعْلامِيَّة. وَلا أَحَدَ يَسْتَطيعُ أَنْ يَجْزِمَ بِما سَوْفَ تُسْفِرُ عَنْهُ المُفاوَضاتُ في السِّتّينَ يَوْمًا القادِمَةِ مِنْ تاريخِ تَوْقيعِ الِاتِّفاق.
(خاص "عروبة 22")

