إذا كانَتِ البيئَةُ السِّياسِيَّةُ قَدِ اخْتَلَفَت، فَإِنَّ المَشْروعَ السِّياسِيَّ الذي أَحاطَ بِكُلٍّ من أَزْمَةِ "السُّوَيْس" وأَزْمَةِ "هُرْمُز" كانَ أَكْثَرَ اخْتِلافًا. فانْتِصارُ مِصْرَ في السُّوَيْسِ لَمْ يَكُنْ ثَمَرَةَ الصُّمودِ العَسْكَرِيِّ وَحْدَه، بَل كانَ ثَمَرَةَ مَشْروعٍ سِياسِيٍّ حَمَلَتْهُ إلى العالَم. فَقَدْ نَجَحَ جَمال عَبْدِ النّاصِر في تَحْويلِ أَزْمَةِ "السُّوَيْسِ" مِنْ مُواجَهَةِ عَسْكَرِيَّةٍ إلى قَضِيَّةٍ عالَمِيَّةٍ ضِدَّ الِاسْتِعْمار، وَأَصْبَحَتْ مِصْرُ رَمْزًا لِحَرَكاتِ التَّحَرُّرِ الوَطَنِيِّ في الوَطَنِ العَرَبِيِّ وَآسْيا وَأَفْريقْيا وَأَميركا اللّاتينِيَّة. وَهَكَذا تَجاوَزَ الِانْتِصارُ حُدودَ المَيْدانِ العَسْكَرِيّ، لِيُصْبِحَ انْتِصارًا سِياسِيًّا وَتاريخِيًّا.
إيران لن تتحوّل إلى مركز إجماع إقليمي أو إلى رمز سياسي عالمي
أَمّا إيران، فَحَتّى لَوْ نَجَحَتْ في الصُّمودِ أَوْ في إِحْباطِ بَعْضِ أَهْدافِ خُصومِها، فَإِنَّ ذَلِكَ لا يَعْني أَنَّها سَتَتَحَوَّلُ إلى مَرْكَزِ إِجْماعٍ إِقْليمِيٍّ أَوْ إلى رَمْزٍ سِياسِيٍّ عالَمِيّ. فالِانْتِصاراتُ التّاريخِيَّةُ لا تَصْنَعُها نَتائِجُ المَعارِكِ وَحْدَها، وَإِنَّما تَصْنَعُها أَيْضًا المَشْروعاتُ السِّياسِيَّةُ التي تَخْرُجُ مِنْها، وَمَدى قُدْرَتِها على اكْتِسابِ الشَّرْعِيَّةِ الإِقْليمِيَّةِ والدَّوْلِيَّة.
وَيَزْدادُ الِاخْتِلافُ وُضوحًا إِذا انْتَقَلْنا إلى النِّظامِ الدَّوْلِيِّ الذي أَحاطَ بِكُلِّ أَزْمَة.
فَقَدْ وَقَعَتْ أَزْمَةُ "السُّوَيْسِ" في ظِلِّ نِظامٍ ثُنائِيِّ القُطْبِيَّة، التَقَتْ فيهِ مَصالِحُ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ والِاتِّحادِ السّوفْياتِيّ، على الرَّغْمِ مِنْ تَنافُسِهِما على إِنْهاءِ العُدْوانِ الثُّلاثِيّ. فالوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ لَمْ تَكُنْ مُسْتَعِدَّةً لِلدّفاعِ عَنْ آخِرِ مَظاهِرِ الِاسْتِعْمارِ الأوروبِّيّ، كَما وَجَدَ الِاتِّحادُ السّوفْياتِيُّ في الأَزْمَةِ فُرْصَةً لِتَعْزيزِ حُضورِهِ في العالَمِ الثّالِث. وَهَكَذا تَعَرَّضَتْ بَريطانْيا وَفَرَنْسا لِضُغوطٍ مُتَزامِنَةٍ مِنَ القُوَّتَيْنِ العُظْمَيَيْن، وَهُوَ ما عَجَّلَ بِإِنْهاءِ العُدْوان.
أَمّا العالَمُ اليَوْم، فَهُوَ أَكْثَرُ تَعْقيدًا وَتَشابُكًا. فالمُنافَسَةُ بَيْنَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ والصّينِ وَروسْيا لا تُنْتِجُ بِالضَّرورَةِ تَوافُقًا مُماثِلًا، كَما أَنَّ تَشابُكَ المَصالِحِ الِاقْتِصادِيَّةِ والأَمْنِيَّةِ يَجْعَلُ الوُصولَ إلى نَتائِجَ حاسِمَةٍ أَكْثَرَ صُعوبَة. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ تَعَرُّضَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ لِضُغوطٍ أَوْ لِانْتِقاداتٍ دَوْلِيَّةٍ لا يَعْني وُجودَ بيئَةٍ دَوْلِيَّةٍ شَبيهَةٍ بِتِلْكَ التي فَرَضَتْ على بَريطانْيا وَفَرَنْسا الِانْسِحابَ مِنْ مِصْر.
وَيَسْتَشْهِدُ أَصْحابُ المُقارَنَةِ أَيْضًا بِقُدْرَةِ إيرانَ على الصُّمود، بِاعْتِبارِها دَليلًا على أَنَّها سَتَخْرُجُ بِالنَّتيجَةِ عَيْنِها التي خَرَجَتْ بِها مِصْر. غَيْرَ أَنَّ هَذا الِاسْتِنْتاجَ يَخْلِطُ بَيْنَ الصُّمودِ والِانْتِصارِ السِّياسِيّ. فَصُمودُ مِصْرَ لَمْ يَكُنِ العامِلَ الوَحيدَ الذي حَسَمَ أَزْمَةُ "السُّوَيْس"، بَلِ اجْتَمَعَ مَعَ عُزْلَةِ المُعْتَدينَ دَوْلِيًّا، وَتَحَوُّلِ القَضِيَّةِ المِصْرِيَّةِ إلى رَمْزٍ عالَمِيٍّ لِلتَّحَرُّرِ مِنَ الِاسْتِعْمار، والتِقاءِ إِرادَةِ القُوَّتَيْنِ العُظْمَيَيْنِ على إِنْهاءِ العُدْوان.
أَمّا في الحالَةِ الإيرانِيَّة، فَإِنَّ الصُّمود - مَهْما كانَتْ أَهَمِّيَّتُه - قَدْ يَمْنَعُ الهَزيمَة، وَقَدْ يَفْرِضُ على الخُصومِ إِعادَةَ حِساباتِهِم، وَقَدْ يُعْطي إيرانَ وَزْنًا في التَّفاوُض، لَكِنَّهُ لا يَكْفي وَحْدَهُ لِإِنْتاجِ النَّتيجَةِ السِّياسِيَّةِ عَيْنِها، لِأَنَّ البيئَةَ التي صَنَعَتِ انْتِصارَ مِصْرَ لَمْ تَعُدْ قائِمَة.
وَيَرْتَبِطُ بِذَلِكَ عامِلٌ آخَرُ كَثيرًا ما يُغْفَل، وَهُوَ عامِلُ الزَّمَن.
لا يمكن الافتراض أنّ الزمن سيعمل لصالح إيران بالطريقة عينها التي عمل بها لصالح مصر
فَفي أَزْمَةِ "السُّوَيْس" كانَ مُرورُ الوَقْتِ يَعْمَلُ ضِدَّ بَريطانْيا وَفَرَنْسا أَكْثَرَ مِمّا يَعْمَلُ ضِدَّ مِصْر، إِذْ كانَتْ كُلُّ ساعَةٍ تَسْتَمِرُّ فيها الحَرْبُ تَزِيدُ الضُّغوطَ السِّياسِيَّةَ والِاقْتِصادِيَّةَ عَلَيْهِما، بَيْنَما كانَتْ مَكانَةُ مِصْرَ الدَّوْلِيَّةُ تَتَعَزَّز.
أَمّا في أَزْمَةِ "هُرْمُز"، فَإِنَّ اسْتِمْرارَ الصِّراعِ يَفْرِضُ أَثْمانًا على جَميعِ الأَطْراف، بِما فيها إيرانُ نَفْسُها. وَلِذَلِكَ لا يُمْكِنُ الِافْتِراضُ أَنَّ الزَّمَنَ سَيَعْمَلُ لِصالِحِها بِالطَّريقَةِ عَيْنِها التي عَمِلَ بِها لِصالِحِ مِصْر.
وَيَبْقى أَكْثَرُ أَوْجُهِ المُقارَنَةِ تَداوُلًا هُوَ القَوْلُ إِنَّ "هُرْمُز" سَتَكونُ بِدايَةَ نِهايَةِ الهَيْمَنَةِ الأَميركِيَّة، كَما كانَتِ "السُّوَيْس" بِدايَةَ نِهايَةِ الإِمْبَراطورِيَّتَيْنِ البَريطانِيَّةِ والفَرَنْسِيَّة.
وَهَذا أَيْضًا اسْتِنْتاجٌ يَتَجاهَلُ اخْتِلافَ السِّياقَيْن.
فَبَريطانْيا عامَ 1956 كانَتْ قُوَّةً اسْتِعْمارِيَّةً أَخَذَتْ مَكانَتَها العالَمِيَّةَ في التَّراجُعِ مُنْذُ نِهايَةِ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثَّانِيَة، وَجاءَتْ أَزْمَةُ "السُّوَيْسِ" لِتُوَجِّهَ لَها الضَّرْبَةَ القاضِيَة. أَمّا الوِلاياتُ المُتَّحِدَة، مَهْما كانَتْ نَظْرَتُنا إِلَيْها، فَلا تَزالُ القُوَّةَ العَسْكَرِيَّةَ والِاقْتِصادِيَّةَ الأَكْبَرَ في العالَمِ وَقَدْ تَتَعَرَّضُ لِاسْتِنْزافٍ أَوْ لِإِخْفاقات، لَكِنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ عَنِ التَّحَوُّلِ التّاريخِيِّ الذي مَثَّلَتْهُ أَزْمَةُ "السُّوَيْس" بِالنِّسْبَةِ إلى بَريطانِيا وَفَرَنْسا.
نتائج الأزمات تُحدّدها طبيعة القضية وميزان القوى وبنية النظام الدولي والتحالفات السياسية
إِنَّ أُفولَ القُوى الكُبْرى لا تَصْنَعُهُ أَزْمَةٌ واحِدَة، بَل مَسارٌ تاريخِيٌّ طَويلٌ تَتَراكَمُ فيهِ التَّحَوُّلاتُ الِاقْتِصادِيَّةُ والعَسْكَرِيَّةُ والتِّكْنولوجِيَّةُ والسِّياسِيَّة.
وَلِهَذا فَإِنَّ المُقارَنَةَ بَيْنَ "السُّوَيْس" وَ"هُرْمُز" تَقومُ على تَشابُهٍ في بَعْضِ الوَقائِع، لَكِنَّها تَتَجاهَلُ الِاخْتِلافاتِ التي تَصْنَعُ التّاريخ. فَقَدْ يَتَشابَهُ اسْتِخْدامُ القُوَّة، أَوْ قُدْرَةُ الدَّوْلَةِ المُسْتَهْدَفَةِ على الصُّمود، أَوْ أَهَمِّيَّةُ المَمَرّاتِ البَحْرِيَّة، لَكِنَّ هَذِهِ العَناصِرَ لا تَكْفي لِاسْتِنْساخِ النَّتائِج.
فـ"السُّوَيْس" كانَتْ مَعْرَكَةً لِإِنْهاءِ حِقْبَةِ الِاسْتِعْمارِ التَّقْليدِيّ، وانْتَهَتْ في ظِلِّ ظُروفٍ دَوْلِيَّةٍ اسْتِثْنائِيَّةٍ أَسْهَمَتْ مِصْرُ في صِناعَتِها، لَكِنَّها لَمْ تَكُنْ صانِعَتَها الوَحيدَة.
أَمّا "هُرْمُز"، فَهُوَ تَعْبيرٌ عَنْ صِراعٍ مُخْتَلِفٍ في طَبيعَتِهِ وَأَهْدافِهِ وَسِياقِه، تَتَداخَلُ فيها حِساباتُ الأَمْنِ الإِقْليمِيّ، والبَرْنامَجِ النَّوَوِيّ، وَحُرِّيَّةِ المِلاحَة، والتَّنافُسِ بَيْنَ القُوى الكُبْرى.
وَقَدْ تُحَقِّقُ إيرانُ مَكاسِبَ سِياسِيَّةً أَوْ عَسْكَرِيَّة، وَقَدْ تَتَعَرَّضُ الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ لِاسْتِنْزافٍ أَوْ لِإِخْفاقات، لَكِنَّ تَحْويلَ ذَلِكَ إلى نُسْخَةٍ جَديدَةٍ مِنْ انْتِصارِ مِصْرَ عامَ 1956، أَوْ اعْتِبارَهُ إِعْلانًا لِهَزيمَةِ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ كَما هُزِمَتْ بَريطانْيا وَفَرَنْسا، هُوَ تَبْسيطٌ مُخِلٌّ بِالتّاريخ، وَتَجاهُلٌ لِلفُروقِ العَميقَةِ بَيْنَ الأَزْمَتَيْن.
التاريخ لا يُكرّر نتائجه وإنما يُكرّر امتحان قدرة الساسة والمحلّلين على فهم اختلاف سياقاته
فالتّاريخُ لا يُقْرَأُ بِالتَّشابُهاتِ السَّطْحِيَّة، وَإِنَّما بِفَهْمِ اخْتِلافِ السِّياقات. وَحَتّى لَوْ تَشابَهَتْ بَعْضُ الوَقائِع، فَإِنَّ نَتائِجَ الأَزْماتِ لا تُحَدِّدُها شَرْعِيَّةُ الحَرْبِ وَحْدَها، وَلا قُدْرَةُ الأَطْرافِ على الصُّمودِ وَحْدَها، بَل تُحَدِّدُها أَيْضًا طَبيعَةُ القَضِيَّة، وَميزانُ القُوى، وَبُنْيَةُ النِّظامِ الدَّوْلِيّ، والتَّحَالُفاتُ السِّياسِيَّة، والمَشْروعُ السِّياسِيَّ الذي يولَدُ مِنْ قَلْبِ الأَزْمَة.
وَلِهَذا سَتَظَلُّ "السُّوَيْس" وَ"هُرْمُز" قِصَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْن، لا فُصولًا مِنَ الرِّوايَةِ عَيْنِها. فالتّاريخُ لا يُكَرِّرُ نَتائِجَه، وَإِنَّما يُكَرِّرُ امْتِحانَ قُدْرَةِ السّاسَةِ والمُحَلِّلينَ على فَهْمِ اخْتِلافِ سِياقاتِه!.
لقراءة الجزء الأول
(خاص "عروبة 22")

