صحافة

كيف خسرت أميركا وانتصرت إيران؟

مصطفى السعيد

المشاركة
كيف خسرت أميركا وانتصرت إيران؟

فانس قبيل مغادرته إلى سويسرا للمشاركة في المحادثات (الفرنسية)

قبل التوقيع الرسمي على "مذكرة التفاهم" بين الولايات المتحدة وإيران كانت بنودها قد تسربت إلى الصحف الأمريكية، وتصدرت عناوين الكثير من الصحف عبارات "الهزيمة الأمريكية، والاستسلام، والإذعان، والإذلال"، وبعيدا عن المبالغات والتهويل، فعند الاطلاع على نصوص الوثيقة يتأكد أن جميعها تقريبا لمصلحة إيران، من البند الأول الذى ينص على وقف فوري ودائم للأعمال العدائية على كل الجبهات بما فيها لبنان، والبنود الأخرى التي تمنح إيران مكاسب غير مسبوقة مثل إدارة مضيق هرمز، على أن يكون الشهر الأول بلا رسوم.

وهو اعتراف واضح ليس بالسيطرة الإيرانية فقط على المضيق، بل حقها في فرض رسوم بعد الشهر الأول، سواء تحت بند خدمات أو تأمين المرور أو غير ذلك من مسميات، وكذلك الإسقاط الفوري للعقوبات على صادرات إيران من النفط والبتروكيماويات، وبند إنشاء صندوق لإعمار إيران بمبلغ لا يقل عن 300 مليار دولار، غير الإفراج عن أرصدة إيران المجمدة، والتي لا تقل عن 120 مليار دولار، وحصلت إيران مسبقا على جزء من أموالها المجمدة، ولا توجد التزامات في الاتفاق على إيران سوى بند واحد ينص على تأكيد إيران مجددا بعدم إنتاج أو الحصول على أسلحة نووية، وهو بند سبق أن أعلنت إيران مرارا الالتزام به.

دفاع الرئيس الأمريكي ترامب عما ورد في "مذكرة التفاهم" يوضح أسباب التنازلات الأمريكية، فقد قال إذا لم نوقع على الاتفاق كنا سنتعرض لأزمة اقتصادية خطيرة، فالمخزونات النفطية كانت على وشك النفاد، ووقتها سيحدث انهيار خطير. أما عن بند الـ 300 مليار لإعمار إيران فقال "لن ندفع منها دولارا واحدا"، بل حاول أنصار الرئيس ترامب وصفها بأنها مكسب قد يؤدي إلى تغير في توجهات إيران بعيدا عن الصين وروسيا. وعن بند الإفراج عن أموال إيران المجمدة فقال ترامب "من حق إيران استعادة أموالها"، وعن عدم الإشارة إلى صواريخ إيران الباليستية قال "الكثير من الدول المحيطة بإيران لديها مثل هذه الصواريخ".

هل كانت الدوافع الاقتصادية هي سبب خسارة الولايات المتحدة وربح إيران تلك الجولة؟ بالتأكيد كانت الأسباب الاقتصادية دافعا رئيسيا، لكن يسبقها الفشل العسكري الأمريكي، فلم يتحقق السيناريو الذي اعتمد عليه الهجوم العسكري، بالتوازي مع عملية مخابراتية لزعزعة الداخل، مع هجوم جماعات كردية معارضة من الحدود الشمالية الغربية، واستبعد هذا السيناريو الفاشل الرد الصاروخي الإيراني المكثف والسريع على القواعد العسكرية الأمريكية، التي جرى تدمير معظمها، لتفاجأ الولايات المتحدة بأنها أمام حرب قد تطول، ولم تستعد لها بما يكفي، رغم أن رئيس الأركان المشتركة الأمريكية كان قد حذر من سيناريو حرب طويلة أو الاضطرار إلى حرب برية لا تتوفر لها فرص النجاح.

كشفت الحرب أن حاملات الطائرات والبحرية الأمريكية ليست فعالة، فالحاملات التي كانت تثير ذعر أي دولة تقترب منها كانت تخشى الاقتراب من المياه الإيرانية، وابتعدت مسافات تجعل من إقلاع الطائرات منها أمرا غير ممكن، وليس على متنها، ولا يمكن أن تقلع منها طائرات تزود بالوقود، لتفقد فعاليتها إلى حد كبير. كما أن ضرب القواعد العسكرية في دول الخليج والأردن، خاصة الرادارات وطائرات التزود بالوقود ومنصات الدفاع الجوي زاد من صعوبة شن غارات مؤثرة ومستمرة على إيران، كما انكشف بطء الصناعات العسكرية الأمريكية، التي لم تعد قادرة على تعويض الخسائر والذخائر.

في المقابل كانت إيران قد استعدت مبكرا للحرب، وأهم ما فعلته كان إنشاء عشرات المدن العسكرية في باطن سلاسل جبال زاجروس والبرز الممتدة حول إيران بارتفاعاتها الشاهقة وصخورها الجرانيتية الصلبة، لتحد من تأثير الضربات الجوية عليها، بما تحتويه من منصات صواريخ ومصانع أسلحة وثكنات للجنود وخدمات طبية وغيرها، حتى إن أعتى القنابل الثقيلة والباهظة الثمن لم تتمكن من اختراق تلك التحصينات الطبيعية، وأثبتت أن توظيف الجغرافيا في الحرب له أهمية كبيرة في الصمود وتحقيق النصر.

كانت إيران قد اتبعت خطة طويلة الأمد لإنتاج أسلحة مناسبة وفعالة ورخيصة، فكانت تولي اهتماما كبيرا بإنتاج الصواريخ الفرط صوتية والطائرات المسيرة، وكذلك زوارق صغيرة وسريعة وغواصات صغيرة، تتخفى في كهوف الشواطئ الإيرانية، تحتمي بها ثم تخرج وتلدغ وتعود، إنها التكنولوجيا المناسبة لجغرافيتها وميزانيتها العسكرية التي تبلغ 25 مليار دولار فقط، مقابل ميزانية تريليونية أمريكية، تزيد عليها 40 مرة، بالإضافة إلى مشاركة إسرائيل بقدراتها العسكرية المتطورة.

لقد كشفت الحرب حدود القوة الأمريكية، وأسقطتها من عليائها، وأثبتت أنه يمكن هزيمتها، ولا يمكن الاعتماد عليها في حماية أي دولة، وهو ما سيعيد الحسابات والتموضع والتحالفات في المنطقة وخارجها، في بداية لمرحلة جديدة.

(الأهرام المصرية)

يتم التصفح الآن