الأمن القومي العربي

"الإقليمُ الرّابِعُ" في ليبيا: تَغْييرُ الخَريطَةِ والدّيموغْرافْيا!

تُعيدُ النِّقاشاتُ الجارِيَةُ حَوْلَ تَسْوِيَةِ الأَزْمَةِ اللّيبِيَّة، إِنْتاجَ طُروحاتٍ هَيْكَلِيَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِطَبيعَةِ الدَّوْلَةِ وشَكْلِ النِّظامِ الإِدارِيِّ والسِّياسِيّ، آخِرُها مُبادَرَةُ "الإقْليمِ الرّابِع"، والتي تُطْرَحُ كَبَديلٍ أَو تَعْديلٍ لِلنِّظامِ الفيدِرالِيِّ التّاريخِيِّ القائِمِ على الأَقاليمِ الثَّلاثَةِ في البِلادِ (بَرْقَة، وَطَرابُلُس، وَفَزّان).

تَعْكِسُ هذِهِ المُبادَرَةُ إِحْباطًا مَحَلِّيًّا مِن أَداءِ السُّلْطَةِ المَرْكَزِيَّة، لَكِنَّها تُشيرُ أَيْضًا إلى مَخاوِفَ بِشَأْنِ تَعْزيزِ الجِهَوِيَّةِ في بَلَدٍ يُعاني مِنِ انْقِساماتٍ عَميقَةٍ، مِمَّا يَجْعَلُها عامِلًا إِضافِيًّا يُعَقِّدُ المَشْهَدَ بَدَلًا مِن تَبْسيطِه.

تَسْتَنِدُ الفِكْرَةُ الأَساسِيَّةُ لِلْمُبادَرَةِ إلى "كَسْرِ الجُمودِ الإِدارِيِّ والسِّياسِيِّ" المُتَرَتِّبِ على التَّقْسيمِ الثُّلاثِيِّ التَّقْليدِيِّ لِليبْيا، التي يَنُصُّ دُسْتورُها لِعامِ 1951، على أَنَّها دَوْلَةٌ فيدِرالِيَّةٌ تَتَكَوَّنُ مِن ثَلاثِ وِلاياتٍ رَئيسِيَّةٍ هِيَ: بَرْقَةُ في الشَّرْق، طَرابُلُسُ في الغَرْب، وَفَزّانُ في الجَنوب.

تَحَوُّلُ مَفْهومِ الإقْليم

في السّابِقِ جَرَتْ مَساعٍ لِتَحْويلِ مِنْطَقَةِ الجَنوبِ الشَّرْقِيِّ اللّيبِيّ، التي تُنْتِجُ نَحْوَ 75% مِن إِجْمالِيِّ النَّفْطِ في البِلادِ وَتَضُخُّ مِلْياراتِ اللّيتْراتِ مِن مِياهِ الشُّرْبِ عَبْرَ النَّهْرِ الصِّناعِيّ، إلى "الإقْليمِ الرّابِعِ" بِمُبادَرَةٍ مَحَلِّيَّةٍ لَم يُكْتَبْ لَها النَّجاح.

لَكِنَّ المَقْصودَ الآنَ هُوَ "إقْليمُ الوَسَطِ" أَو "إقْليمُ خَليجِ سِرْتَ والجُفْرَة"، المُمتَدُّ مِن سِرْتَ وَالمَناطِقِ المُحيطَةِ بِها وُصولًا إلى الواحاتِ والجُفْرَة، بِاعْتِبارِ أَنَّ هذا النِّطاقَ الجُغْرافِيَّ يَمْتَلِكُ خُصوصِيَّةً ديموغْرافِيَّةً وَاقْتِصادِيَّة، حَيْثُ يَضُمُّ الهِلالَ النِّفْطِيَّ وَمَناطِقَ الإِنْتاجِ الرَّئيسِيَّةِ، وَأَنَّ عَزْلَهُ عَنِ الصِّراعِ وَالاسْتِقْطابِ التَّقْليدِيِّ بَيْنَ "الشَّرْقِ وَالغَرْبِ" يَمْنَحُهُ دَوْرًا ضامِنًا لِلاسْتِقْرارِ المالِيِّ وَالسِّياسِيِّ في البِلاد.

ظَهَرَتِ المُبادَرَةُ المَحَلِّيَّةُ بِشَكْلٍ مُفاجِئٍ، بَعْدَما أَطْلَقَها عُمَداءُ بَلَدِيّاتٍ في المِنْطَقَةِ الوُسْطى، وَتَحْديدًا بِمُشارَكَةٍ بارِزَةٍ مِن عَميدِ بَلَدِيَّةِ تَرْهونَةَ مُحَمَّد الكَشَر، خِلالَ اجْتِماعاتٍ ضَمَّتْ 9 عُمَداءَ لِلْبَلَدِيّاتِ في مِصْراتَةَ في غَرْبِ البِلادِ، حَيْثُ تَمَّ الإِعْلانُ رَسْمِيًّا عَنْ تَأْسيسِ "إقْليمِ المِنْطَقَةِ الوُسْطى" كَإِطارٍ تَنْسيقِيّ.

الرِّهاناتُ المَحَلِّيَّة

يَسْتَنِدُ المُرَوِّجونَ للمُبادرةِ إلى قانونِ الإِدارَةِ المَحَلِّيَّةِ الذي يُجيزُ تَشْكيلَ أَقاليمَ اقْتِصادِيَّةٍ تَخْطيطِيَّةٍ وَتَنْمَوِيَّة، بِالإِضافَةِ إلى الإِشارَةِ إلى تَقْسيمِ ليبْيا إلى  أَرْبَعَةِ أَقاليمَ تَخْطيطِيَّةٍ مُنْذُ عامِ 1985، وَإلى الرَّوابِطِ التّاريخِيَّةِ وَالاجْتِماعِيَّةِ بَيْنَ مُدُنِ المِنْطَقَةِ الوُسْطى.

وَيُبَرِّرُ هؤُلاءِ هذِهِ الخُطْوَةَ بِضَرورَةِ الاسْتِجابَةِ لِاحْتِياجاتِ السُّكّانِ المَحَلِّيّينَ في ظِلِّ ما يَصِفونَهُ بِتَقْصيرِ السُّلْطاتِ المَرْكَزِيَّةِ في تَقْديمِ الخَدَماتِ وَالتَّنْمِيَة، كَما يُراهِنونَ على المُقْتَرَحِ كَوَسيلَةٍ لِانْتِزاعِ حُقوقِ التَّنْمِيَةِ لِمَناطِقِ الوَسَطِ وَالجَنوبِ الشَّرْقِيّ، وَحِمايَتِها مِنَ التَّهْميشِ النّاجِمِ عَنْ مَرْكَزِيَّةِ طَرابُلُسَ أَو بَنْغازِي، وَلِتَأْمينِ عَوائِدَ مُباشِرَةٍ لِلْمَناطِقِ الحاضِنَةِ لِلْمُنْشَآتِ النَّفْطِيَّة.

تَتَعَلَّقُ الفِكْرَةُ بِمُحاوَلَةِ إيجادِ مَساحَةٍ جُغْرافِيَّةٍ "مُحايِدَةٍ" أَو مِنْطَقَةٍ عازِلَةٍ تَصْلُحُ لِتَكونَ مَقَرًّا لِلْمُؤَسَّساتِ السِّيادِيَّةِ المُوَحَّدَة، مِمّا يُسَهِّلُ عَمَلِيَّةَ دَمْجِ وَبِناءِ المُؤَسَّساتِ بَعيدًا عَنْ نُفوذِ الميليشياتِ المُسَلَّحَةِ في العاصِمَةِ أَو هَيْمَنَةِ الجَيْشِ الوَطَنِيِّ في الشَّرْق.

لَكِنَّ التَّيّاراتِ الفيدِرالِيَّةَ التَّقْليدِيَّة، خاصَّةً في شَرْقِ البِلادِ (بَرْقَة)، التي تَرى في التَّقْسيمِ الثُّلاثِيِّ إِرْثًا دُسْتورِيًّا وَتاريخِيًّا غَيْرَ قابِلٍ لِلْمَساس، رَفَضَتِ الفِكْرَةَ وَاعْتَبَرَتْ أَيَّ تَقْسيمٍ إِضافِيٍّ بِمَثابَةِ تَفْتيتٍ لِلنُّفوذِ السِّياسِيِّ وَالجُغْرافِيِّ لِلأَقاليمِ الكُبْرى وَتَشْتيتِ عَوائِدِ الثَّرْوَة.

احْتِجاجاتٌ وَمَخاوِفُ شَعْبِيَّة

وَاحْتَجَّ سُكّانُ بَني وَليدٍ وَتَرْهونَةَ أَمامَ مَقَرّاتِ المَجالِسِ البَلَدِيَّة، وَأَغْلَقَ بَعْضُهُمُ المَقَرّاتِ أَو وَضَعوا أَكْوامَ الرِّمالِ أَمامَها، مُعَبِّرينَ عَنْ تَفاجُئِهِمْ وَرَفْضِهِمْ لِما اعْتَبَروهُ خُطْوَةً نَحْوَ تَقْسيمِ البِلادِ وَتَهْديدًا لِوَحْدَتِها الوَطَنِيَّة.

وَرَأَى بَعْضُ النّاشِطينَ وَالخُبَراءِ أَنَّها "مُحاوَلَةٌ لِخَلْطِ الأَوْراقِ وَإِدْخالِ البِلادِ في فِتْنَةٍ سِياسِيَّةٍ جَديدَة"، مُشيرينَ إلى أَنَّ ليبْيا تَاريخِيًّا تَتَكَوَّنُ مِنْ ثَلاثَةِ أَقاليمَ فَقَط، وَاعْتَبَروا أنَّ فِكْرَةَ "الإقْليمِ الرّابِعِ" تَطْفو على السَّطْحِ كُلَّما دَخَلَتِ البِلادُ في انْسِدادٍ سِياسِيّ، مُحَذِّرينَ مِنْ مَخاطِرِ التَّقْسيم.

تَتَخَوَّفُ نُخَبٌ سِياسِيَّةٌ في طَرابُلُسَ وَغَرْبِ البِلادِ مِنْ أَنْ يُؤَدِّيَ اسْتِحْداثُ إقْليمٍ رابِعٍ يُسَيْطِرُ على مَنابِعِ النَّفْط، إلى تَعْميقِ المُحاصَصَةِ الجِهَوِيَّةِ وَتَحْويلِ الصِّراعِ مِنْ صِراعٍ سِياسِيٍّ على السُّلْطَةِ إلى صِراعٍ حُدودِيٍّ وَإِدارِيٍّ دائِمٍ بَيْنَ الأَقاليمِ على كَعْكَةِ المَوارد، مِمَّا يُهَدِّدُ وَحْدَةَ البِلاد.

بْراغْماتِيَّةٌ أَميرْكِيَّةٌ وَتَحَفُّظٌ أُمَمِيّ

تَلْتَقي المُبادَرَةُ عَمَلِيًّا مَعَ الأُسْلوبِ البْراغْماتِيِّ وَالتِّجارِيّ، الذي تَطْرَحُهُ إِدارَةُ الرَّئيسِ الأَميرِكِيِّ دونالْد ترامب عَبْرَ مُسْتَشارِهِ مَسْعَد بولس، وِفْقَ خُطَّةٍ أَميرِكِيَّةٍ لِتَقاسُمِ السُّلْطَةِ وَتَأْمينِ اسْتِثْماراتِ شَرِكاتِ النَّفْطِ الكُبْرى.

لِذلِكَ، فَإِنَّ التَّرْكيزَ على إقْليمِ الوَسَطِ كَمِنْطَقَةِ اسْتِقْرارٍ اسْتراتيجيَّة، يَخْدِمُ مُباشَرَةً الأَهْدافَ الأَميرِكِيَّةَ الرّامِيَةَ لِتَأْمينِ تَدَفُّقاتِ الطّاقَةِ وَمُضاعَفَةِ الإِنْتاج، بِجَعْلِ مِنْطَقَةِ النَّفْطِ مِحْوَرَ التَّوافُقِ السِّياسِيّ.

وَمَعَ هَذا تَبْدو المُبادَرَةُ بَعيدَةً نِسْبِيًّا عَنْ مَساعي بَعْثَةِ الأُمَمِ المُتَّحِدَة، التي تَدْفَعُ بِاتِّجاهِ مُخْرَجاتِ "الحِوارِ المُهَيْكَلِ" وَتُرَكِّزُ على إيجادِ قاعِدَةٍ دُسْتورِيَّةٍ مُوَحَّدَةٍ تَذْهَبُ بِالبِلادِ نَحْوَ انْتِخاباتٍ بَرْلَمانِيَّةٍ وَرِئاسِيَّةٍ شامِلَة.

تَأْتي المُبادَرَةُ في وَقْتٍ حَسّاس، وَقَدْ تُؤَثِّرُ على مُعادَلاتِ تَوْزيعِ المَواردِ وَالإِنْفاقِ العامّ، وَتُعَقِّدُ جُهودَ المُصالَحَة، كَما تُثيرُ المَخاوِفَ مِنْ تَحَوُّلِها إلى أَداةِ مُحاصَصَةٍ أَو خُطْوَةٍ نَحْوَ فيدِرالِيَّةٍ غَيْرِ مَدْروسَة، مِمّا قَدْ يَزيدُ مِنَ التَّوَتُّراتِ الجِهَوِيَّةِ وَيُضْعِفُ التَّرْكيزَ على القَضايا الكُبْرى.

يَرْبِطُ بَعْضُ المُحَلِّلينَ السِّياسِيِّينَ ظُهورَ فِكْرَةِ الإقْليمِ الرّابِع، بِنِقاشاتِ الحِوارِ الذي يَسَّرَتْهُ البَعْثَةُ الأُمَمِيَّة، مُعْتَبِرينَ أَنَّها قَدْ تُؤَثِّرُ على مُعادَلاتِ التَّمْثيلِ وَالمَواردِ في أَيِّ تَسْوِيَةٍ مُسْتَقْبَلِيَّة.

وَفِي المُحَصِّلَة، فَإِنَّ مُبادَرَةَ الإقْليمِ الرّابِعِ لا تُعيدُ البِلادَ فَقَط وَبِشَكْلٍ مُباشِرٍ إلى الوَراءِ وَما قَبْلَ 75 عامًا، لَكِنَّها تَطْرَحُ تَعْقيداتٍ جَديدَةً في مَشْهَدٍ يُعاني أَصْلًا مِنِ انْسِدادٍ سِياسِيّ، وَتُساهِمُ في تَعْقيدِهِ أَكْثَرَ وَإِطالَةِ أَمَدِ المَرْحَلَةِ الانْتِقالِيَّةِ بَدَلًا مِنْ إِنْهائِها.. وَهَكَذا، يُضافُ لَغْمٌ سِياسِيٌّ جَديد، يُهَدِّدُ بِفَرْطِ ما تَبَقّى مِنْ عَقْدِ الوَحْدَةِ في ليبْيا!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن