في الخِطابِ عَيْنِه، أَشارَ الرَّئيسُ إلى أَولَوِيَّةِ تَحْقيقِ الرِّيادَةِ في الصِّحَّةِ وَالتَّعْليمِ وَالتَّنْمِيَةِ الصِّناعِيَّةِ وَالزِّراعِيَّةِ المُتَقَدِّمَةِ وَالجاذِبَةِ لِلِاسْتِثْماراتِ وَتَثْبيتِ الِاسْتِقْرارِ كَضَرورَةٍ لِلتَّنْمِيَةِ المُسْتَدامَةِ وَمُكافَحَةِ الفَسادِ وَحِمايَةِ المالِ العامّ، وَهُوَ ما يَسْتَدْعي مُقارَنَةَ هَذِهِ الأَهْدافِ التي لا يَخْتَلِفُ عَلَيْها أَحَد، مَعَ السِّياساتِ المُتَّبَعَةِ وَمَدى اقْتِرابِها مِنْ تَحْقيقِها أَوِ الِابْتِعادِ عَنْها.
هَل تَدَهْوَرَ الجُنَيْهُ في سَنَواتِ "الأَحْداث" أَمْ بَعْدَ تَطْبيقِ بَرْنامَجِ "الصُّنْدوق"؟
يَتَوَقَّفُ اسْتِقْرارُ أَيِّ عُمْلَةٍ على طَبيعَةِ السِّياسَةِ النَّقْدِيَّة، وَسِعْرِ الفائِدَةِ عَلَيْها، مُقارَنَةً بِأَسْعارِ الفائِدَةِ على العُمْلاتِ الرَّئيسِيَّة، وَحالَةِ ميزانِ الحِسابِ الجاري، وَمَدْيونِيَّةِ الدَّوْلَةِ وَأَعْباءِ خِدْمَتِها. وَتُشيرُ البَياناتُ الرَّسْمِيَّةُ إلى أَنَّ المُتَوَسِّطَ السَّنَوِيَّ لِعَجْزِ ميزانِ الحِسابِ الجاري المِصْرِيِ، قَدْ بَلَغَ -2,85% مِنَ النّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيِّ في عامَيْ 2009، وَ2010. وَخِلالَ الأَعْوامِ 2011، وَ2012، وَ2013، وَ2014 بِالتَّرْتيب، بَلَغَ العَجْزُ في ميزانِ الحِسابِ الجاري نَحْوَ -2,5%، وَ-3,6%، وَ-2,2%، وَ-0,8%، بِمُتَوَسِّطٍ سَنَوِيٍّ بَلَغَ 2,28%، بِما يَعْني أَنَّ مُتَوَسِّطَ العَجْزِ في ميزانِ الحِسابِ الجاري في أَعْوامِ "الأَحْداثِ" الأَرْبَعَة، أَقَلُّ مِنْ مُتَوَسِّطِ العَجْزِ عامَيْ 2009، وَ2010. وَأَشَرْنا في الجُزْءِ الأَوَّلِ مِنْ هَذا المَقالِ إلى أَنَّ مَجْموعَ إيراداتِ مِصْرَ السَّنَوِيَّةِ مِنْ مَصادِرِ النَّقْدِ الأَجْنَبِيِّ الرَّئيسِيَّةِ في الفَتْرَةِ مِنْ عامِ 2011 حَتّى عامِ 2014، كانَتْ أَعْلى كَثيرًا مِنْ قيمَتِها السَّنَوِيَّةِ قَبْلَ ثَوْرَةِ 25 يَنايِر.
التدهور مسؤولية السياسات الاقتصادية الكلية والمالية والنقدية المتبعة
وَهَذا يَعْني بِوُضوحٍ أَنَّ أَزْمَةَ النَّقْدِ الأَجْنَبِيّ، تَتَعَلَّقُ بِالإِنْفاقِ البَعيدِ عَنْ فِقْهِ الأَوْلَوِيّاتِ وَالمُكَرَّسِ بِشَكْلٍ مُبالَغٍ فيهِ لِلبُنْيَةِ الأَساسِيَّةِ وَالعَقارِيَّةِ وَالمَقارِّ الحُكومِيَّةِ وَالقُصورِ الرِّئاسِيَّة، وَلَيْسَ بِالإيراداتِ التي زادَتْ فِعْلِيًّا وِفْقًا لِلبَياناتِ الرَّسْمِيَّة. وَهَذا الإِنْفاقُ هُوَ تَجْسيدٌ لِسِياساتِ وَأَداءِ الحُكومَة. وَقَدِ ارْتَفَعَ سِعْرُ صَرْفِ الدّولارِ مُقابِلَ الجُنَيْهِ المِصْرِيِّ تَدْريجِيًّا مِن 5,62 جُنَيْه عامَ 2010، إلى 7,08 جُنَيْه عامَ 2014، بِنِسْبَةِ زِيادَةٍ قَدْرُها 26%، وَبِما يَعْني أَيْضًا أَنَّ الجُنَيْهَ تَراجَعَ بِنِسْبَةِ 20,6% خِلالَ الفَتْرَةِ عَيْنِها.
وَبَعْدَ انْتِهاءِ أَحْداثِ وَتَداعِياتِ الثَّوْرَةِ التي تَمَّتْ تَصْفِيَتُها بِقانونِ تَنْظيمِ التَّظاهُرِ الذي صَدَرَ في نوفَمْبِر/تِشْرينَ الثّاني عامَ 2013 وَأَدّى عَمَلِيًّا إلى مَنْعِ أَيِّ مُظاهَراتٍ أَوْ احْتِجاجاتٍ مُعارِضَةٍ لِلنِّظامِ السِّياسِيّ، ارْتَفَعَ سِعْرُ صَرْفِ الدّولارِ مُقابِلَ الجُنَيْهِ المِصْرِيِّ مِنْ 7,08 جُنَيْه عامَ 2014، إلى نَحْوِ 50 في المُتَوَسِّطِ في عامِ 2026، بِنِسْبَةِ زِيادَةٍ بَلَغَتْ 606% أَدَّتْ إلى ارْتِفاعِ أَسْعارِ الوارِداتِ وَتَحْريكِ مَوْجَةٍ تَضَخُّمِيَّةٍ كَبيرَةٍ، وَفي المُقابِلِ انْخَفَضَ سِعْرُ صَرْفِ الجُنَيْهِ المِصْرِيِّ مُقابِلَ الدّولارِ بِنِسْبَةِ 86% خِلالَ الفَتْرَةِ عَيْنِها. أَمّا الدُّيونُ الخارِجِيَّةُ فَقَدِ ارْتَفَعَتْ مِنْ نَحْوِ 35 مِلْيارَ دولارٍ في بِدايَةِ عامِ 2011، إلى 46,1 مِلْيارَ دولارٍ في مُنْتَصَفِ عامِ 2014، بِنِسْبَةِ زِيادَةٍ قَدْرُها 31,7%، ثُمَّ ارْتَفَعَتْ لِتَبْلُغَ 164,5 مِلْيارَ دولارٍ في يَنايِر/كانونَ الثّاني 2026، بِنِسْبَةِ زِيادَةٍ قَدْرُها 257% عَنْ قيمَتِها عامَ 2014، وَالأَسْوَأُ هُوَ الدُّخولُ غَيْرُ الرَّشيدِ في فَخِّ الدُّيونِ قَصيرَةِ الأَجَلِ وَمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِن أَزْماتٍ وَبَيْعٍ لِأَفْضَلِ الأُصولِ العامَّةِ الرّابِحَةِ لِسَدادِها.
وَهَذا يَعْني أَنَّ فَتْرَةَ الأَحْداثِ التي أَشارَ إِلَيْها الرَّئيسُ بَيْنَ عامَيْ 2011، وَ2014، بَريئَةٌ مِنْ دَمِ الجُنَيْهِ المِصْرِيِّ وَتَدَهْوُرِهِ الكَبيرِ الذي حَدَثَ بِدايَةً مِنْ خَريفِ عامِ 2016 وَحَتّى الآن، وَأَنَّ هَذا التَدَهْوُرَ مَسْؤولِيَّةُ السِّياساتِ الِاقْتِصادِيَّةِ الكُلِّيَّةِ وَالمالِيَّةِ وَالنَّقْدِيَّةِ المُتَّبَعَة، في إِطارِ تَنْفيذِ البَرْنامَجِ الِاقْتِصادِيِّ الذي تَمَّ الِاتِّفاقُ عَلَيْهِ مَعَ صُنْدوقِ النَّقْدِ الدَّوْلِيّ، وَالذي شَكَّلَ في جانِبٍ مِنْهُ حيلَةً نَقْدِيَّةً أَدَّتْ إلى تَخْفيضِ نِسْبَةِ الدَّيْنِ المَحَلِّيِّ مِنَ النّاتِج.
وَيُمْكِنُ لِلدَّوْلَةِ أَنْ تُخَفِّضَ سِعْرَ صَرْفِ عُمْلَتِها مَرَّةً واحِدَةً لِتَشْجيعِ الصّادِراتِ وَجَذْبِ الِاسْتِثْماراتِ وَالسِّياحَة، مَعَ ضَبْطِ الأَسْعار، وَاسْتِقْرارِ سِعْرِ صَرْفِ العُمْلَةِ المَحَلِّيَّةِ بَعْدَ التَّخْفيض، لِأَنَّ تَوالِيَ التَّخْفيضِ يُقَيِّدُ الِاسْتِثْماراتِ المَحَلِّيَّةَ وَالأَجْنَبِيَّة، المَبْنِيَّةَ على حِساباتٍ مُسْتَقْبَلِيَّةٍ لا يُمْكِنُ ضَبْطُها في ظِلِّ عُمْلَةٍ تَتَعَرَّضُ لِتَخْفيضاتٍ مُتَوالِيَة.
مُتَطَلَّباتُ الرِّيادَةِ في الصِّحَّةِ وَالتَّعْليمِ وَمُكافَحَةِ الفَساد
أَمّا تَحْقيقُ الرِّيادَةِ في الصِّحَّةِ وَالتَّعْليمِ كَأَهْدافٍ حَدَّدَها الرَّئيس، فَإِنَّ حُكومَاتِهِ لَمْ تَفْعَل مَا يُحَقِّقُها، حَيْثُ وَصَلَ الإِنْفاقُ العامُّ على التَّعْليمِ وِفْقًا لِلتَّصْنيفِ الوَظيفِيِّ في مُوازَنَةِ العامِ المالِيِّ 2026/2027، إلى 1,5% مِنَ النّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيِّ المُقَدَّرِ لِلعامِ عَيْنِه، وَلا عَلاقَةَ لَهُ بِنِسْبَةِ الـ6% التي حَدَّدَها الدُّسْتورُ كَحَدٍّ أَدْنى لِلإِنْفاقِ العامِّ على التَّعْليم. وَوَصَلَ الإِنْفاقُ العامُّ على الصِّحَّةِ إلى 1,2% مِنَ النّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيّ، وَهِيَ أَقَلُّ كَثيرًا مِنَ النِّسْبَةِ التي حَدَّدَها الدُّسْتورُ بِـ3% كَحَدٍّ أَدْنى، فَكَيْفَ سَتُحَقِّقُ مِصْرُ الرِّيادَةَ في الصِّحَّةِ وَالتَّعْليم؟!.
الإسناد المباشر لمقاولات الأعمال العامة هو بوابة جهنم للفساد
أَمّا الرِّيادَةُ في الصِّناعَةِ وَالزِّراعَةِ المُتَقَدِّمَة، فَإِنَّها تَتَّطَلَّبُ اسْتْراتيجِيَّةً مَدْروسَةً وَخُطَّةً وَاضِحَةً يُساهِمُ فيها القِطاعُ الخاصُّ بِكُلِّ أَحْجامِه، وَالقِطاعُ التَّعاوُنِيّ، وَالقِطاعُ العامُّ المَدَنِيُّ في إِطارٍ تَنافُسِيٍّ عادِلٍ وَتَحْتَ ظُروفٍ وَمُعَدَّلاتٍ ضَريبِيَّةٍ واحِدَة. أَمّا تَثْبيتُ الِاسْتِقْرارِ الِاقْتِصادِيِّ فَإِنَّهُ يَتَطَلَّبُ اسْتِقْرارَ العُمْلَةِ المَحَلِّيَّةِ كَيْ تَكونَ هُناكَ فُرْصَةٌ لِتَحْقيقِه.
أَمّا الإِجْراءاتُ الأَكْثَرُ حَسْمًا في مُواجَهَةِ الفَسادِ فَأَوَّلُها هُوَ إِلْغاءُ القانونِ 32 لِعامِ 2014 الذي يُحَصِّنُ العُقودَ العامَّةَ مِنْ دَعاوى البُطْلانِ مِنْ غَيْرِ طَرَفَيْها، وَإِلْغاءُ القانونِ رَقْمِ 182 لِعامِ 2018 الذي فَتَحَ بابَ الإِسْنادِ المُباشِرِ لِمُقاوَلاتِ الأَعْمالِ العامَّةِ على مِصْراعَيْه، فَالإِسْنادُ المُباشِرُ هُوَ بَوّابَةُ جَهَنَّمَ لِلفَساد، وَلِذا يَتِمُّ تَقْييدُهُ إلى أَقْصى حَد، وَوَضْعُهُ إِذا حَدَثَ تَحْتَ رَقابَةٍ صارِمَة. كَمَا أَنَّ مُكافَحَةَ الفَسادِ تَقْتَضي إِخْضاعَ كُلِّ مَنْ يَقومُ بِنَشاطٍ اقْتِصادِيٍّ عامٍّ لِرَقابَةٍ شامِلَةٍ مِنَ الأَجْهَزَةِ الرَّقابِيَّة، وَإِقْرارَ وَحْدَةِ المُوازَنَةِ العامَّةِ لِلدَّوْلَةِ التي تَشْمَلُ كُلَّ الشَّرِكاتِ وَالمُؤَسَّساتِ التي تَعْمَلُ في الِاقْتِصادِ المِصْرِيّ، وَأَلّا يَكونَ هُناكَ تَخْصيصٌ لِأَيِّ أَراضٍ بِلا ثَمَن، وَأَيْلولَةَ أَثْمانِ الأَراضي العامَّةِ بِما فيها أَراضي العاصِمَةِ الإِدارِيَّةِ إلى إيراداتِ المُوازَنَةِ العامَّةِ لِلدَّوْلَة.
لقراءة الجزء الأول
(خاص "عروبة 22")

