اللّاجِئونَ السّورِيّونَ الَّذينَ لَدَيْهِمْ تَراكُمٌ مالِيٌّ وَمَشْروعاتٌ في مَواطِنِ اللُّجوء، لا يُمْكِنُهُمْ التَّضْحِيَةُ بِمَشْروعاتٍ ناجِحَةٍ والذَّهابُ إلى المَجْهولِ في سورْيا، بِما يَفْرِضُ على السُّلْطَةِ الِانْتِقالِيَّةِ تَحْويلَ المَجْهولِ إلى مَعْلومٍ بِشَأْنِ الِاسْتِقْرارِ الأَمْنِيِّ والسِّياسِيِّ وَطَبيعَةِ النِّظامِ الِاقْتِصادِيِّ والخَريطَةِ الِاسْتِثْمارِيَّةِ وَكَفاءَةِ البُنْيَةِ الأَساسِيَّةِ وَقُدْرَتِها على اسْتيعابِ المَشْروعاتِ الِاقْتِصادِيَّةِ التي يُمْكِنُ أَنْ يُؤَسِّسَها العائِدونَ مِنْ مَواطِنِ اللُّجوء. فَكَيْفَ يُمْكِنُ حَلُّ تِلْكَ المُعْضِلَةِ بِما يُحَقِّقُ التَّنْمِيَةَ واسْتِعادَةَ اللّاجِئينَ السّورِيّينَ والتَّخْفيفَ عَنِ الدُّوَلِ التي تَسْتَوْعِبُهُم؟.
الشُّروطُ الأَمْنِيَّةُ - السِّياسِيَّةُ لِمُناخِ الِاسْتِثْمارِ تَأْتي في المُقَدِّمَة
يُعْتَبَرُ الِاسْتِقْرارُ السِّياسِيُّ والأَمْنِيُّ العُنْصُرَ الأَوَّلَ لِبِناءِ بيئَةٍ اسْتِثْمارِيَّةٍ قادِرَةٍ على اسْتِنْهاضِ الِاسْتِثْماراتِ المَحَلِّيَّة، وَجَذْبِ المُسْتَثْمِرينَ الأَجانِب، واسْتِعادَةِ المُسْتَثْمِرينَ السّورِيّينَ المَوْجودينَ في الخارِج. وَيَتَوَقَّفُ الِاسْتِقْرارُ السِّياسِيُّ على تَحْقيقِ اللُّحْمَةِ الوَطَنِيَّةِ على قاعِدَةِ المُساواةِ بَيْنَ جَميعِ المُواطِنينَ أَمامَ القانونِ مِنْ دونِ أَيِّ تَمْييز، وَبِخاصَّةٍ بِالنِّسْبَةِ لِلأَكْرادِ والدُّروزِ والعَلَوِيّينَ والمَسيحِيّين.
الاستقرار السياسي والأمني يتطلّب معالجة تتّسم بالحكمة والحسم لوضع المجموعات المُسلّحة الأجنبية
وَهذِهِ المُعالَجَةُ قَدْ تَتَطَلَّبُ تَعْديلاتٍ دُسْتورِيَّةً في الدُّسْتورِ المُؤَقَّتِ الذي يُؤَسِّسُ لِدَوْلَةٍ طائِفيةٍ بِاشْتِراطِ الدِّيانَةِ الإِسْلامِيَّةِ على المَذْهَبِ السُّنِّيِّ لِرَئيسِ الجُمْهورِيَّة، فَالأَفْضَلُ أَنْ يُتْرَكَ الأَمْرُ لِلْخِياراتِ الحُرَّةِ لِلْمُواطِنين، حَتّى لَوِ اخْتاروا على هذا النَّحْوِ بِإِرادَتِهِم. وَيَتَطَلَّبُ أَيْضًا تَعْديلاتٍ في السُّلُطاتِ الهائِلَةِ المَمْنوحَةِ لِرَئيسِ السُّلْطَةِ الِانْتِقالِيَّة، فَالدّيكْتاتورُ لا يولَدُ هكَذا، بَلْ تُحَوِّلُهُ سُلُطاتُهُ المُطْلَقَةُ إلى ديكْتاتور. كَما يَتَطَلَّبُ عَمَلِيّاتٍ انْتِخابِيَّةً جَديدَةً يُشارِكُ فيها الجَميعُ بِلا أَيِّ اسْتِبْعادٍ لِأَيِّ مُحافَظَة. كَما أَنَّ الِاسْتِقْرارَ السِّياسِيَّ والأَمْنِيَّ يَتَطَلَّبُ مُعالَجَةً تَتَّسِمُ بِالحِكْمَةِ والحَسْمِ لِوَضْعِ المَجْموعاتِ المُسَلَّحَةِ الأَجْنَبِيَّةِ المَوْجودَةِ في سورْيا، والغَريبَةِ عَنِ المُجْتَمَعِ السّورِيِّ وَتَقاليدِهِ وَلُحْمَتِهِ الوَطَنِيَّة، وَبَعْضُها مُصَنَّفٌ في بُلْدانِهِ الأَصْلِيَّةِ كَمَجْموعاتٍ إِرْهابِيَّة، فَهَلْ تَمْلِكُ السُّلْطَةُ الِانْتِقالِيَّةُ القُوَّةَ لِاسْتِبْعادِها؟.
عُمومًا، مِنْ دونِ تَحْقيقِ الِاسْتِقْرارِ السِّياسِيِّ والأَمْنِيِّ لا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ في سورْيا أَنْ يَأْمَلَ في اسْتِنْهاضِ الِاسْتِثْماراتِ المَحَلِّيَّةِ وَجَذْبِ الِاسْتِثْماراتِ الأَجْنَبِيَّةِ وَتَطْويرِ الِاقْتِصادِ وَخَلْقِ فُرَصِ العَمَل، لِيَبْقى الحالُ على ما هُوَ عَلَيْه!.
وَفي السِّياقِ نَفْسِه، فَإِنَّ الِاسْتِقْرارَ الأَمْنِيَّ يَتَطَلَّبُ التَّحَصُّنَ بِالوَحْدَةِ الوَطَنِيَّةِ لِإِنْهاءِ اعْتِداءاتِ الكِيانِ الصُّهْيونِيِّ على الجُغْرافيا والبَشَرِ والمَوارِدِ في سورْيا كَضَرورَةٍ لِإِدْماجِ الجَنوبِ في أَيِّ عَمَلِيَّةٍ لِتَوْزيعِ الِاسْتِثْماراتِ المَحَلِّيَّةِ والأَجْنَبِيَّةِ في سورْيا.
الدُّوَلُ التي تَضُخُّ الِاسْتِثْماراتِ المُباشِرَةَ وَمُتَطَلَّباتُ جَذْبِها إلى السّوقِ السّورِيَّة
تُعْتَبَرُ الدَّولَةُ الأَكْبَرُ في ضَخِّ الِاسْتِثْماراتِ المُباشِرَةِ المُقْتَرِنَةِ بِالتِّقْنِيّاتِ الجَديدَة، هِيَ الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ التي ضَخَّتْ إلى باقي بُلْدانِ العالَمِ اسْتِثْماراتٍ مُباشِرَةً قيمَتُها 2362 مِلْيارَ دولارٍ خِلالَ السَّنَواتِ العَشْرِ المُنْتَهِيَةِ عامَ 2023، وَغالِبِيَّتُها السّاحِقَةُ عِبارَةٌ عَنْ عَمَلِيّاتِ اسْتِحْواذٍ على أُصولٍ قائِمَةٍ فِعْلِيًّا، أَوِ اسْتِثْماراتٍ في القِطاعاتِ الِاسْتِخْراجِيَّة.
النظام المُختلَط الذي يعمل فيه القطاع الخاص والقطاع التعاوني إلى جانب الدولة هو الأكثر ملاءمة لإعادة إعمار سوريا
وَضَخَّتِ الصّينُ خِلالَ الفَتْرَةِ نَفْسِها نَحْوَ 1547 مِلْيارَ دولارٍ، وَهِيَ اسْتِثْماراتٌ حَقيقِيَّةٌ تُنْشِئُ مَشْروعاتٍ وَطاقاتٍ إِنْتاجِيَّةً جَديدَة، لَكِنَّها مِنَ الصَّعْبِ أَنْ تُقيمَ شَراكَةً اسْتِثْمارِيَّةً مَعَ سورْيا قَبْلَ حَلِّ مُشْكِلَةِ المُقاتِلينَ الإيغورِ المَوْجودينَ في سورْيا والمُصَنَّفينَ كَإِرْهابِيّينَ في الصّين.
وَخِلالَ الفَتْرَةِ نَفْسِها ضَخَّتْ كُلٌّ مِنْ أَلْمانْيا وَفَرَنْسا واليابانِ وَروسْيا وَبَريطانْيا بِالتَّرْتيبِ نَحْوَ 1015، وَ583، وَ379، وَ322، وَ67 مِلْيارَ دولارٍ كَاسْتِثْماراتٍ مُباشِرَةٍ في الدُّوَلِ الأُخْرى. وَإِذا أَرادَتْ سورْيا اسْتِقْطابَ اسْتِثْماراتٍ مُباشِرَةً مِنَ الدُّوَلِ المُصَدِّرَةِ لِلِاسْتِثْمارات، عَلَيْها أَنْ تَحُلَّ مُشْكِلاتِها مَعَ تِلْكَ الدُّوَل، إِضافَةً إلى تَوْفيرِ شُروطِ الِاسْتِقْرارِ السِّياسِيِّ والأَمْنِيِّ المُشارِ إِلَيْها آنِفًا.
إِعادَةُ الإِعْمارِ تَتَطَلَّبُ الِاقْتِصادَ المُخْتَلَطَ والإِحْلالَ مَحَلَّ الوارِداتِ والإِنْتاجَ لِلتَّصْديرِ مَعًا
بِالنَّظَرِ إلى التَّجارِبِ التّاريخِيَّةِ لِإِعادَةِ إِعْمارِ ما خَرَّبَتْهُ الحُروب، فَإِنَّ النِّظامَ المُخْتَلَطَ الذي يَعْمَلُ فيهِ القِطاعُ الخاصُّ بِكُلِّ أَحْجامِه، والقِطاعُ التَّعاوُنِيّ، إلى جانِبِ الدَّوْلَة، في بِناءِ الِاسْتِثْماراتِ المُحَفِّزَةِ لِلنُّمُوِّ والتَّشْغيلِ والتَّطَوُّرِ الِاقْتِصادِيِّ عُمومًا، هُوَ الأَكْثَرُ مُلاءَمَةً لِإِعادَةِ إِعْمارِ دَوْلَةٍ رَأْسْمالِيَّةٍ نامِيَةٍ مِثْلَ سورْيا. أَيْ إِنَّهُ نِظامٌ اقْتِصادِيٌّ مُخْتَلَطٌ يَعْمَلُ فيهِ القِطاعانِ الخاصُّ والتَّعاوُنِيُّ بِكُلِّ حُرِّيَّةٍ، وَتَعْمَلُ فيهِ الدَّوْلَةُ لِحِفْظِ التَّوازُنِ الكُلِّيِّ وَضَمانِ حَدٍّ أَدْنى مِنَ التَّشْغيل، والتَّحْديثِ والتَّطْويرِ على قَواعِدِ العِلْمِ والعَمَل، بِالِاعْتِمادِ على المُدَّخَراتِ المَحَلِّيَّةِ لِتَمْويلِ الِاسْتِثْماراتِ الخاصَّةِ والعامَّةِ والتَّعاوُنِيَّة، حَتّى تَكونَ التَّنْمِيَةُ قائِمَةً على قَواعِدَ ذاتِيَّة. كَما يُمْكِنُهُ وَضْعُ أُسُسِ تَحْقيقِ العَدالَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ كَأَساسٍ لِلِاسْتِقْرارِ القائِمِ على التَّراضي، مِنْ خِلالِ نُظُمِ التَّشْغيلِ والأُجورِ والضَّرائِبِ والدَّعْمِ والتَّحْويلات، في إِطارِ نِظامٍ ديموقْراطِيٍّ وَتَداوُلٍ حَقيقِيٍّ لِلسُّلْطَةِ سِياسِيًّا وَإِدارِيًّا لِمَنْعِ الجُمودِ وَلِمُكافَحَةِ الفَساد. وَهذا النِّظامُ القائِمُ على الِاعْتِمادِ على الذّاتِ لا يَعْني بِناءَ نِظامٍ مُغْلَق، بَلْ يَعْني بِناءَ اقْتِصادٍ مُنْفَتِحٍ على العالَم، وَلَكِنْ بِصورَةٍ عادِلَةٍ وَمُتَكافِئَة.
وَلِلْعِلْمِ فَإِنَّ كُلَّ ما رَوَّجَهُ صُنْدوقُ النَّقْدِ والبَنْكُ الدَّوْلِيّانِ والدُّوَلُ الدّائِنَةُ المُهَيْمِنَةُ عَلَيْهِما، حَوْلَ انْسِحابِ الدَّوْلَةِ مِنَ الِاقْتِصاد، هُوَ لَغْوٌ فارِغ، لِأَنَّ الإِنْفاقَ الحُكومِيَّ في الدُّوَلِ الرَّأْسْمالِيَّةِ الأوروبِّيَّةِ يَزيدُ عَنْ 45% مِنَ النّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيّ. وَيُمْكِنُ لِلْحُكومَةِ السّورِيَّةِ أَنْ تُنَظِّمَ اكْتِتاباتٍ عامَّةً لِتَمْويلِ بِناءِ الصِّناعاتِ الضَّرورِيَّةِ لِتَطْويرِ الِاقْتِصادِ وَخَلْقِ فُرَصِ العَمَل، كَمَشْروعاتٍ خاصَّةٍ يَمْلِكُها حَمَلَةُ الأَسْهُمِ السّورِيّونَ وَيُديرُها مُديرونَ تَنْفيذِيّونَ على دَرَجَةٍ عالِيَةٍ مِنَ الكَفاءَةِ والنَّزاهَة، تَحْتَ رِقابَةِ وَإِشْرافِ الدَّوْلَةِ والأَجْهِزَةِ الرِّقابِيَّةِ لِمَنْعِ أَيِّ فَسادٍ أَوْ تَلاعُب.
يجب بناء قاعدة اقتصادية محلية صلبة مع الانفتاح على الاقتصاد العالمي بما يضمن إمكانية التصدير
وَهُناكَ ضَرورَةٌ أَيْضًا لِإِنْشاءِ حاضِنَةٍ وَطَنِيَّةٍ لِلْمَشْروعاتِ الصَّغيرَةِ والتَّعاوُنِيَّة، على أَنْ يَقودَها عَدَدٌ مِنَ المُتَخَصِّصينَ رَفيعي الكَفاءَةِ والمُؤْمِنينَ بِإِمْكانِيَّةِ تَحْويلِ بِلادِهِمْ إلى وَرْشَةِ عَمَلٍ وَتَشْغيلٍ وَإِنْتاجٍ مِنْ خِلالِ تِلْكَ الحاضِنَة. وَيُمْكِنُ تَوْفيرُ التَّمْويلِ المُيَسَّرِ لَها مِنَ المِنَحِ والقُروضِ المَقْبولَةِ الشُّروط، وَبِخاصَّةٍ مِنَ الِاتِّحادِ الأوروبِّيِّ الذي تَقْتَضي مَصْلَحَتُهُ اسْتيعابَ الشَّبابِ السّورِيّينَ في مَشْروعاتٍ مَحَلِّيَّةٍ بَدَلًا مِنْ تَدَفُّقِهِمْ إِلَيْهِ في هِجْراتٍ غَيْرِ قانونِيَّة.
أَمّا أَهَمُّ السِّياساتِ المُوَجَّهَةِ لِلِاسْتِثْماراتِ الجَديدَة، فَيَنْبَغي أَنْ تَكونَ سِياسَةَ الإِحْلالِ مَحَلَّ الوارِداتِ في سِلْسِلَةٍ مُتَكامِلَةٍ مِنَ السِّلَعِ الِاسْتِهْلاكِيَّةِ لِلآلاتِ والمُعَدَّاتِ والسِّلَعِ الوَسيطَة، لِبِناءِ قاعِدَةٍ اقْتِصادِيَّةٍ مَحَلِّيَّةٍ صلْبَةٍ حَتّى مَعَ الِانْفِتاحِ على الِاقْتِصادِ العالَمِيِّ بِشَكْلٍ واسِعِ النِّطاق، بِما يَضْمَنُ إِمْكانِيَّةَ تَصْديرِ فَوائِضِ الإِنْتاج، أَوِ الإِنْتاجِ المُكَرَّسِ لِلتَّصْدير.
أَمّا الخَريطَةُ الِاسْتِثْمارِيَّة، وَتَطْويرُ البُنْيَةِ الأَساسِيَّةِ لِاسْتِنْهاضِ النُّمُوِّ واسْتيعابِ اللّاجِئِين، فَهِيَ مَوْضوعُ الجُزْءِ الثّاني مِنْ هذا المَقال.
(خاص "عروبة 22")

