لَمْ يَعُدِ الذَّكاءُ الاصْطِناعِيُّ شَأْنًا افْتِراضِيًّا مَحْضًا يَتَعَلَّقُ بِالخَوارِزْمِيّاتِ والنَّماذِجِ اللُّغَوِيَّةِ فَقَط، بَلْ باتَ أَيْضًا يَرْتَكِزُ على بُنْيَةٍ مادِّيَّةٍ ضَخْمَةٍ تَسْتَهْلِكُ كَمِّيّاتٍ كَبيرَةً مِنَ الكَهْرَباءِ وَالماء. وَلِهَذا بَدَأَ في العالَمِ سِباقٌ جَديدٌ لا يَدورُ فَقَطْ حَوْلَ مَنْ يُطَوِّرُ هذِهِ التِّكْنولوجيا، بَلْ كَذَلِكَ حَوْلَ مَنْ يَمْلِكُ الطّاقَةَ القادِرَةَ عَلى تَشْغيلِها.
مِنْ هذِهِ الزّاوِيَةِ يَبْدو العالَمُ العَرَبِيّ، وَخُصوصًا بُلْدانُ الخَليج، أَمامَ فُرْصَةٍ تاريخِيَّة: بَعْدَما ارْتَبَطَ نُفوذُهُ لِعُقودٍ مِنَ الزَّمَنِ بِالنَّفْطِ وَالغاز، يُحاوِلُ اليَوْمَ أَنْ يَجِدَ لِنَفْسِهِ مَوْقِعًا في الاقْتِصادِ الرَّقْمِيِّ عَبْرَ الاسْتِثْمارِ في مَراكِزِ البَياناتِ وَالبُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ اللّازِمَةِ لِلذَّكاءِ الاصْطِناعِيّ. لَكِنَّ السُّؤالَ الأَساسِيَّ يَبْقى: هَلْ تَكْفي وَفْرَةُ الطّاقَةِ لِبِناءِ نُفوذٍ رَقْمِيٍّ جَديد، أَمْ أَنَّ الطَّريقَ إِلى ذَلِكَ أَكْثَرُ تَعْقيدًا؟.
القدرة الحاسوبية الحديثة تقوم على الطاقة ومراكز البيانات والرقائق المُتقدّمة وشبكات الاتصال الدولية
في القَرْنِ الماضي كانَتِ المُعادَلَةُ واضِحَةً نِسْبِيًّا: مَنْ يَمْلِكُ الطّاقَةَ يَمْلِكُ جُزْءًا مُهِمًّا مِنَ القُوَّةِ الاقْتِصادِيَّةِ وَالسِّياسِيَّة. أَمَّا اليَوْم، فَيُعيدُ الذَّكاءُ الاصْطِناعِيُّ طَرْحَ الفِكْرَةِ بِصورَةٍ مُخْتَلِفَة، لِأَنَّ كُلَّ نَموذَجٍ مُتَقَدِّمٍ وَكُلَّ عَمَلِيَّةِ تَدْريبٍ أَوْ تَشْغيلٍ تَحْتاجُ إِلى آلافِ الخَوادِمِ العامِلَةِ عَلى مَدارِ السّاعَةِ داخِلَ مَراكِزِ بَياناتٍ عِمْلاقَة. تُشيرُ تَقْديراتُ وِكالَةِ الطّاقَةِ الدَّوْلِيَّةِ إِلى أَنَّ اسْتِهْلاكَ مَراكِزِ البَياناتِ عالَمِيًّا قَدْ يَرْتَفِعُ مِنْ نَحْوِ 415 تيرّاواط/ساعَة في عام 2024 إِلى نَحْوِ 945 تيرّاواط/ساعَة بِحُلولِ عام 2030، أَي ما يُوازي تَقْريبًا كامِلَ الاسْتِهْلاكِ السَّنَوِيِّ لِلكَهْرَباءِ في اليابان. وَتُرْجِعُ الوِكالَةُ هذِهِ القَفْزَةَ إِلى الذَّكاءِ الاصْطِناعِيِّ بِصِفَتِهِ العامِلَ الأَبْرَزَ في زِيادَةِ الطَّلَبِ على الكَهْرَباءِ خِلالَ السَّنَواتِ المُقْبِلَة.
في العالَمِ العَرَبِيّ، بَدَأَتْ مَلامِحُ هذَا التَّحَوُّلِ تَظْهَرُ بِوُضوح. بِحَسَبِ تَقْديراتِ "برايس ووترهاوس كوبرز" (PwC)، تَبْلُغُ القُدْرَةُ التَّشْغيلِيَّةُ لِمَراكِزِ البَياناتِ في المِنْطَقَةِ نَحْوَ غيغاواط واحِدٍ حالِيًّا، وَيُتَوَقَّعُ أَنْ تَرْتَفِعَ إِلى 3.3 غيغاواط خِلالَ خَمْسِ سَنَوات، مَدْفوعَةً بِالنُّموِّ السَّريعِ في الذَّكاءِ الاصْطِناعِيِّ وَالحَوْسَبَةِ السَّحابِيَّةِ وَالخِدْماتِ الرَّقْمِيَّة.
تَتَحَرَّكُ المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعودِيَّةُ بِقُوَّةٍ عَبْرَ مَشاريعَ مَدْعومَةٍ مِنْ صُنْدوقِ الاسْتِثْماراتِ العامَّةِ تَسْتَهْدِفُ الوُصولَ إِلى نَحْوِ سِتَّةِ غيغاواط بِحُلولِ عام 2034، في مَسْعًى يَتَجاوَزُ اسْتِضافَةَ الخَوادِمِ إِلى بِناءِ مَوْقِعٍ مُؤَثِّرٍ في الاقْتِصادِ الرَّقْمِيِّ العالَمِيّ. وَتَبْدو دَوْلَةُ الإِماراتِ العَرَبِيَّةِ المُتَّحِدَة، في طَليعَةِ السِّباقِ مَعَ مَشْروعِ "ستارغيت الإمارات" في أَبو ظَبي مِنْ ضِمْنِ حَرَمٍ أَوْسَعَ لِلذَّكاءِ الاصْطِناعِيِّ يَسْتَهْدِفُ قُدْرَةً إِجْمالِيَّةً تَبْلُغُ خَمْسَةَ غيغاواط عِنْدَ اكْتِمالِه، مَعَ بَدْءِ تَشْغيلِ جُزْءٍ أَوَّلِيٍّ خِلالَ عام 2026. وَحينَ تَتَحَقَّقُ هذِهِ الخُطَط، سَتَكونُ المِنْطَقَةُ قَدْ رَسَّخَتْ حُضورَها عَلى الخَريطَةِ العالَمِيَّةِ لِلبُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ الحاسوبِيَّة.
الذكاء الاصطناعيّ يطرح اليوم احتمال نشوء "رَيْع رقمي"
لا تَنْتَهِي القِصَّةُ عِنْدَ الكَهْرَباء. فجُمْهُورِيَّةُ مِصْر العَرَبِيَّة تَمْلِكُ نَوْعًا مُخْتَلِفًا مِنَ الأَهَمِّيَّةِ الاسْتراتيجِيَّة، إِذْ تَمُرُّ عَبْرَها مَساراتٌ رَئيسِيَّةٌ لِلكابْلاتِ البَحْرِيَّةِ الَّتي تَرْبِطُ آسْيا بِأوروبّا وَأَفْريقْيا، ما يَجْعَلُها عُقْدَةَ اتِّصالٍ رَقْمِيَّةً بالِغَةَ الأَهَمِّيَّة. وَيُذَكِّرُ ذَلِكَ بِأَنَّ القُدْرَةَ الحاسوبِيَّةَ الحَديثَةَ تَقومُ عَلى أَرْبَعَةِ أَعْمِدَةٍ مُتَرابِطَة: الطّاقَة، وَمَراكِزِ البَيانات، وَالرَّقائِقِ المُتَقَدِّمَة، وَشَبَكاتِ الاتِّصالِ الدَّوْلِيَّة. وَمِنَ الصَّعْبِ عَلى أَيِّ بَلَدٍ أَنْ يُصْبِحَ لاعِبًا مُؤَثِّرًا في الذَّكاءِ الاصْطِناعِيِّ إِذا افْتَقَدَ أَحَدَ هذِهِ العَناصِر. وَلِهَذا تَمْنَحُ وَفْرَةُ الكَهْرَباءِ أَفْضَلِيَّةً مُهِمَّة، لَكِنَّها لا تَكْفي وَحْدَها.
هُنا يَظْهَرُ التَّحَدّي الحَقيقِيّ. لَمْ تُصْبِحِ الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ القُوَّةَ الأولى في الذَّكاءِ الاصْطِناعِيِّ بِفَضْلِ الطّاقَةِ فَقَط، بَلْ أَيْضًا لِأَنَّها تَجْمَعُ بَيْنَ الجامِعاتِ الرّائِدَةِ وَمَراكِزِ البُحوثِ وَالشَّرِكاتِ المُبْتَكِرَةِ وَرُؤوسِ الأَمْوالِ المُغامِرَةِ وَالقُدْرَةِ عَلى تَطْويرِ الرَّقائِقِ وَالبَرْمَجِيّات. وَمِنْ ثَمَّ يَبْرُزُ السُّؤالُ أَمامَ المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّة: هَلْ سَتَقودُ الاسْتِثْماراتُ الجارِيَةُ إِلى بِناءِ مَنْظوماتٍ مَحَلِّيَّةٍ لِإِنْتاجِ التِّكْنولوجيا، أَمْ سَتَبْقى مُقْتَصِرَةً عَلى اسْتِضافَةِ بُنْيَةٍ تَحْتِيَّةٍ تَعْتَمِدُ في جَوْهَرِها عَلى تِكْنولوجِيّاتٍ أَجْنَبِيَّة؟ تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ هذا السُّؤالِ في أَنَّ التّاريخَ الاقْتِصادِيَّ مَليءٌ بِأَمْثِلَةٍ لِبُلْدانٍ صَدَّرَتِ المَوارِدَ الخامَ مِنْ دونِ أَنْ تَبْنِيَ اقْتِصادًا إِنْتاجِيًّا مُتَطَوِّرًا. وَاليَوْمَ يَطْرَحُ الذَّكاءُ الاصْطِناعِيُّ احْتِمالَ نُشوءِ "رَيْعٍ رَقْمِيٍّ" جَديدٍ يَقومُ عَلى بَيْعِ الطّاقَةِ وَاسْتِضافَةِ الخَوادِم، مِنْ دونِ إِنْتاجِ المَعْرِفَةِ وَالتِّكْنولوجيا الَّتي تَمْنَحُ القيمَةَ الفِعْلِيَّةَ لِهذِهِ الصِّناعَة.
مستقبل الذكاء الاصطناعيّ عربيًا يتوقف على القدرة على تحويل الطاقة إِلى علم وابتكار ونفوذ
يَزْدادُ المَشْهَدُ تَعْقيدًا مَعَ عامِلِ المِياه، لِأَنَّ مَراكِزَ البَياناتِ تَحْتاجُ إِلى تَبْريدٍ مُتَواصِل، وَلا سِيَّما في المَناطِقِ الحارَّة. وَهذِهِ مُفارَقَةٌ بارِزَة، إِذْ إِنَّ المِنْطَقَةَ الَّتي تَطْمَحُ إِلى أَنْ تُصْبِحَ مَرْكَزًا عالَمِيًّا لِلذَّكاءِ الاصْطِناعِيِّ هِيَ نَفْسُها مِنْ أَكْثَرِ مَناطِقِ العالَمِ مُعاناةً مِنْ نُدْرَةِ المِياه. كَذَلِكَ لا تَعْني ضَخامَةُ الاسْتِثْماراتِ بِالضَّرورَةِ تَوْليدَ أَعْدادٍ كَبِيرَةٍ مِنْ فُرَصِ العَمَل، لِأَنَّ مَراكِزَ البَياناتِ تَعْتَمِدُ بِدَرَجَةٍ عالِيَةٍ عَلى الأَتْمَتَةِ وَالخِبْراتِ المُتَخَصِّصَة. وَهَكَذا لَنْ يُقاسَ نَجاحُ هذِهِ المَشاريعِ بِحَجْمِ الإِنْفاقِ عَلَيْها فَقَط، بَلْ أَيْضًا بِقُدْرَتِها عَلى دَعْمِ الابْتِكارِ المَحَلِّيّ، وَتَطْويرِ المَهارات، وَتَوْليدِ أَنْشِطَةٍ اقْتِصادِيَّةٍ جَديدَةٍ حَوْلَها.
وَفي الوَقْتِ نَفْسِه، قَدْ يَتَعَمَّقُ الانْقِسامُ داخِلَ العالَمِ العَرَبِيِّ بَيْنَ بُلْدانٍ تَمْلِكُ القُدْرَةَ على اسْتِضافَةِ الخِدْماتِ الحاسوبِيَّةِ وَتَصْديرِها، وَأُخْرى لا تَزالُ تُكافِحُ لِتَأْمينِ الكَهْرَباءِ أَوْ جَذْبِ الاسْتِثْماراتِ التِّكْنولوجِيَّة. وَلِهَذا قَدْ لا يَتَوَقَّفُ مُسْتَقْبَلُ الذَّكاءِ الاصْطِناعِيِّ عَرَبِيًّا على كَمِّيَّةِ الطّاقَةِ المُتاحَةِ فَحَسْب، بَلْ كَذَلِكَ عَلى القُدْرَةِ عَلى تَحْويلِ تِلْكَ الطّاقَةِ إِلى عِلْمٍ وَابْتِكارٍ وَنُفوذ. وَيَظَلُّ التَّعاوُنُ العَرَبِيُّ في التَّمْويلِ وَالبُحوثِ وَالتَّدْريبِ وَالبُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ شَرْطًا أَساسِيًّا لِلانْتِقالِ مِنْ تَصْديرِ الطّاقَةِ إِلى إِنْتاجِ نُفوذٍ رَقْمِيٍّ حَقيقِيّ.
(خاص "عروبة 22")

