الهيدْروجينُ الأَخْضَرُ هُوَ هيدْروجينٌ يُنْتَجُ عَنْ طَريقِ التَّحْليلِ الكَهْرَبائِيِّ لِلْماءِ بِاسْتِخْدامِ كَهْرَباءَ مُوَلَّدَةٍ مِنْ مَصادِرِ طاقَةٍ نَظيفَةٍ مِثْلَ الطّاقَةِ الشَّمْسِيَّةِ أَوِ المائِيَّةِ أَوِ الرِّياح، مِمّا يَجْعَلُ الهيدْروجينَ الأَخْضَرَ صَديقًا لِلْبيئَةِ مُقارَنَةً بِالهيدْروجينِ الرَّمادِيِّ الذي يَعْتَمِدُ عَلى طاقَةِ التَّحْليلِ الكَهْرَبائِيِّ مِنَ الوَقودِ الأُحْفورِيِّ أَوِ الهيدْروجينِ الأَزْرَقِِ الذي يُنْتَجُ مِنَ الغازِ الطَّبيعِيِّ مع اسْتِخْدامِ تِقْنِيَّةِ التِقاطِ وَتَخْزينِ الكَرْبونِ لِتَقْليلِ الأَثَرِ الكَرْبونِيّ.
العالم العربي يمتلك أفضل مقوّمات إنتاج الهيدروجين الأخضر في العالم
وَيُمْكِنُ أَنْ يَحِلَّ الهيدْروجينُ الأَخْضَرُ مَحَلَّ الدّيزِلِ وَالكيروسينِ وَالبِنْزينِ في النَّقْلِ (سَيّارات، سُفُن، طائِرات)، وَمَحَلَّ الفَحْمِ وَالغازِ في الصِّناعَة (خاصَّةً الصُّلْب، وَالكيماوِيّات)، وَمَحَلَّ الغازِ الطَّبيعِيِّ في التَّدْفِئَةِ وَالطّاقَة، كَما يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَخْدَمَ لِلتَّخْزينِ طَويلِ الأَمَدِ لِلطّاقَةِ بَدَلًا مِنَ البَطّارِيّات. وَيُساهِمُ الهيدْروجينُ الأَخْضَرُ في تَقْليلِ انْبِعاثاتِ الغازاتِ الدَّفيئَةِ بِنِسْبَةٍ كَبيرَة، لِكَوْنِ المُنْتَجَ الثّانَوِيَّ الصّادِرَ عَنْ حَرْقِهِ هُوَ بُخارُ الماء، وَلَيْسَ ثاني أُكْسيدِ الكَرْبون.
يَمْتَلِكُ العالَمُ العَرَبِيُّ أَفْضَلَ مُقَوِّماتِ إِنْتاجِ الهيدْروجينِ الأَخْضَرِ في العالَمِ مِنْ حَيْثُ تَكْلِفَةُ الطّاقَةِ المُتَجَدِّدَة، بِفَضْلِ مُسْتَوَياتِ الإِشْعاعِ الشَّمْسِيِّ الاسْتِثْنائِيَّةِ وَسُرْعاتِ الرِّياحِ الثّابِتَةِ في مَناطِقَ عَرَبِيَّةٍ عِدَّة، إِلى جانِبِ تَوَفُّرِ المَساحاتِ الشّاسِعَة.
وَبِالفِعْلِ شَهِدَتِ المِنْطَقَةُ تَوَسُّعًا في عَقْدِ اتِّفاقاتٍ وَمُذَكِّراتِ تَفاهُمٍ بَيْنَ مُسْتَثْمِرينَ عَرَبٍ وَأَجانِبَ لِبِناءِ مُنْشَآتٍ ضَخْمَةٍ لِإِنْتاجِ الهيدْروجينِ الأَخْضَر، وَمِنَ الدُّوَلِ الواعِدَةِ في هَذا المَجالِ مِصْرُ وَالسُّعودِيَّة وَالإِماراتُ والمَغْرِبُ وَالأُرْدُن وَموريتانْيا وَسَلْطَنَةُ عُمان، وَدُوَلٌ عَرَبِيَّةٌ أُخْرى، بِحَيْثُ بَدا أَنَّ الهيدْروجينَ الأَخْضَرَ سَيَكونُ بِمَثابَةِ نَفْطِ العَرَبِ الجَديد.
وَلَقَدْ تَحَوَّلَتِ المِنْطَقَةُ مِنْ مَرْحَلَةِ الإِعْلاناتِ النَّظَرِيَّةِ وَمُذَكِّراتِ التَّفاهُمِ إلى مَرْحَلَةِ التَّنْفيذِ الفِعْلِيِّ لِمَشاريعَ هَجينَةٍ عِمْلاقَةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ حُقولِ الطّاقَةِ الشَّمْسِيَّةِ/الرِّياحِ وَمَحَطّاتِ التَّحْليلِ الكَهْرَبائِيّ.
127 مشروع هيدروجين في المنطقة لكن 5 مشاريع رئيسية فقط وصلت إلى مرحلة البناء
وَلَكِنْ خِلالَ العامِ الماضي، أُلْغِيَ عَدَدٌ مِنَ المَشْروعاتِ أَوْ تَمَّ تَصْغيرُ بَعْضِها، وَيُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ حَماسَ المُسْتَثْمِرينَ العَرَبِ وَالأَجانِبِ باتَ أَكْثَرَ تَواضُعًا، أَوْ بِالأَحْرى دَخَلَ مَرْحَلَةَ الفَرْزِ الاقْتِصادِيِّ وَالواقِعِيَّةِ التِّجارِيَّة.
إِذْ يَذْكُرُ تَقْريرُ تَوَقُّعاتِ الطّاقَةِ في مِنْطَقَةِ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ وَشَمالِ أفْريقيا حَتّى عامِ 2026 الذي تُصْدِرُهُ مُؤَسَّسَةُ (Dii Desert Energy) الأَلْمانِيَّة، أَنَّهُ يوجَدُ 127 مَشْروعَ هيدْروجين نَشِطًا في المِنْطَقَة، لَكِنَّ 5 مَشاريعَ رَئيسِيَّةٍ فَقَطْ وَصَلَتْ إِلى الإِغْلاقِ المالِيِّ أَوْ مَرْحَلَةِ البِناء.
وَيَرْجِعُ ذَلِكَ إِلى أَنَّ الهيدْروجينَ الأَخْضَرَ ما زالَ أَعْلى تَكْلِفَةً مِنَ الوَقودِ الأُحْفورِيِّ التَّقْليدِي.
وَيوضِحُ تَقْريرُ "بْلومْبِرْغ إِنْ إِي إِف" أَنَّ إِنْتاجَ الهيدْروجين بِاسْتِخْدامِ الطّاقَةِ الكَهْرَبائِيَّةِ النَّظيفَةِ يُكَلِّفُ أَرْبَعَةَ أَضْعافِ إِنْتاجِهِ مِنَ الغازِ الطَّبيعِيّ. كَما يَصْعُبُ بِناءُ البُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ اللّازِمَةِ لِتَوْريدِ الهيدْروجين، وَهَذا لا يَتَعَلَّقُ بِمَحَطّاتِ الإِنْتاجِ فَقَط، بَلْ أَيْضًا بِخُطوطِ الأَنابيبِ لِنَقْلِه.
وَبِما أَنَّ الاتِّحادَ الأوروبِّيَّ كانَ المُشَجِّعَ الرَّئيسَ المُفْتَرَضَ لِلْهيدْروجينِ الأَخْضَرِ العَرَبِيّ، فَإِنَّ الأَزْماتِ المالِيَّةَ وَالسِّياسِيَّةَ التي تُلاحِقُهُ خَفَّفَتِ الحَماسَ الأوروبِّيَّ وَاسْتِعْدادَهُ لِدَعْمِ شِراءِ الهيدْروجينِ الأَخْضَر، وَهُوَ ما انْعَكَسَ عَلى مَشْروعاتِ هَذا القِطاعِ في المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّةِ وَمَناطِقَ أُخْرى مِثْلَ أُسْترالْيا.
كَما أَنَّ التَّقَدُّمَ النِّسْبِيَّ الذي حَقَّقَتْهُ السَّيّاراتُ الكَهْرَبائِيَّةُ قَلَّلَ الزَّخَمَ المُفْتَرَضَ لِلسَّيّاراتِ العامِلَةِ بِالْهيدْروجينِ وَالذي كانَتْ تُراهِنُ عَلَيْهِ شَرِكاتٌ كُبْرى مِثْلَ تويوتا؛ خاصَّةً مع تَوَسُّعِ بُنْيَةِ الشَّحْنِ الكَهْرَبائِيِّ مُقابِلَ نَقْصِ مَحَطّاتِ الهيدْروجين.
هناك حاجة لتكامل سلاسل القيمة والتكامل مع أنظمة تخزين الطاقة
وَعَلى الرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ ما زالَ هُناكَ مَجالاتٌ واعِدَةٌ وَفي الأَجَلِ القَريبِ مِثْلُ وَقودِ الطّائِراتِ الاصْطِناعِيِّ المُسْتَدام، وَالذي يُنْتَجُ مِنْ دَمْجِ الهيدْروجينِ الأَخْضَرِ مع الكَرْبونِ المُحْتَجَز، وَلا سِيَّما في ظِلِّ تَشْريعاتِ الاتِّحادِ الأوروبِّيِّ وَالتي تُلْزِمُ شَرِكاتِ الطَّيَرانِ بِخَلْطِ نِسَبٍ تَصاعُدِيَّةٍ مِنَ الوَقودِ المُسْتَدامِ في الرِّحْلاتِ المُغادِرَةِ مِنَ المَطاراتِ الأوروبِّيَّةِ بَدْءًا مِنْ عامِ 2025.
وَهُناكَ الأَمونْيا المُوَلَّدَةُ مِنَ الهيدْروجينِ الأَخْضَرِ وَالأَزْرَقِ حَيْثُ تُعْتَبَرُ المِنْطَقَةُ العَرَبِيَّةُ مُؤَهَّلَةً لِتُصْبِحَ المَصْدَرَ الرَّئيسِيَّ وَالأَقَلَّ تَكْلِفَةً عالَمِيًّا لَها نَظَرًا لِسُهولَةِ شَحْنِها.
وَفي مُواجَهَةِ التَّحَدِّياتِ الحالِيَّةِ أَمامَ مَشْروعاتِ الهيدْروجينِ الأَخْضَر، فَإِنَّ هُنالِكَ حاجَةً لِتَكامُلِ سَلاسِلِ القيمَةِ مِثْلَ اسْتِخْدامِ الهيدْروجينِ الأَخْضَرِ مَحَلِّيًّا لِإِنْتاجِ الصُّلْبِ الأَخْضَرِ وَالأَسْمِدَةِ الخَضْراء، وَكَذَلِكَ التَّكامُلِ مع أَنْظِمَةِ تَخْزينِ الطّاقَةِ حَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ يُسْهِمَ الهيدْروجينُ في مُعالَجَةِ مُعْضِلَةِ تَقَطُّعِ طاقَةِ الشَّمْسِ وَالرِّياحِ عَبْرَ اسْتِخْدامِهِ كَوَسيطِ تَخْزينٍ طَويلِ الأَمَد.
وَيَحْتاجُ إِنْتاجُ الهيدْروجينِ إِلى كَمِّياتٍ هائِلَةٍ مِنَ المِياهِ النَّقِيَّة، وَلِذَلِكَ في المَناطِقِ التي تُعاني مِنْ شُحِّ المِياه (مِثْلَ المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّة)، توصي المَبادِئُ التَّوْجيهِيَّةُ لِمَشاريعِ الهيدْروجينِ في الدُّوَلِ النّامِيَةِ التي أَصْدَرَتْها مُنَظَّمَةُ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ لِلتَّنْمِيَةِ الصِّناعِيَّةِ مع جِهاتٍ أُمَمِيَّةٍ أُخْرى بِإِلْزامِ المُسْتَثْمِرينَ بِإِنْشاءِ مَحَطّاتِ تَحْلِيَةِ مِياهِ البَحْرِ عَلى أَنْ تَكونَ ذاتَ سِعاتٍ كَبيرَةٍ لِتُوَفِّرَ فائِضًا مِنَ المِياهِ العَذْبَةِ مَجّانًا أَوْ بِأَسْعارٍ تَفْضيلِيَّةٍ لِلْمُجْتَمَعاتِ المَحَلِّيَّةِ المُحيطَة، مع وَضْعِ خُطَطٍ صارِمَةٍ لِلتَّخَلُّصِ الآمِنِ مِنَ المُخْرَجاتِ عالِيَةِ المُلوحَةِ النّاتِجَةِ عَنِ التَّحْلِيَة.
مستقبل الهيدروجين الأخضر واعد في المنطقة العربية على الرغم من التحديات
وَفي مُواجَهَةِ مُشْكِلَةِ ارْتِفاعِ التَّكْلِفَة، يَجِبُ عَلى الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ تَعْزيزُ البَحْثِ العِلْمِيِّ في مَجالِ إِنْتاجِ الهيدْروجينِ الأَخْضَر، وَخاصَّةً ما يَتَعَلَّقُ بِتَخْفيضِ تَكْلِفَةِ الكَهْرَباءِ الخَضْراء، وَكَذَلِكَ تَوْسيعُ مَفْهومِ البُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ المُشْتَرَكَةِ الذي يَقومُ عَلى أَنَّهُ بَدَلًا مِنْ أَنْ يَبْنِيَ كُلُّ مَشْروعٍ مَرافِقَهُ الخاصَّة، تَقومُ الدَّوْلَةُ أَوْ مُطَوِّرٌ رَئيسِيٌّ بِتَشْييدِ بُنْيَةٍ تَحْتِيَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ يَسْتَخْدِمُها الجَميعُ لِخَفْضِ التَّكاليفِ الرَّأْسِمالِيَّةِ وَتَسْهيلِ التَّمْويل.
كَما يُمْكِنُ لِدُوَلِ المِنْطَقَةِ أَنْ تَضُخَّ اسْتِثْماراتٍ مُشْتَرَكَةً في البَحْثِ العِلْمِيِّ وَخُطوطِ الأَنابيبِ وَمَوانِئِ التَّصْدير، مع تَعْزيزِ الاسْتِفادَةِ مِنَ المُبادَراتِ الدَّوْلِيَّةِ الدّاعِمَةِ لِلْهيدْروجينِ الأَخْضَرِ وَخاصَّةً الأوروبِّيَّة.
إِنَّ الهيدْروجينَ هُوَ أَكْثَرُ مَوْرِدِ طاقَةٍ انْتِشارًا في العالَمِ وَالأَكْثَرُ صَداقَةً لِلْبيئَة، فيما تُعَدُّ المِنْطَقَةُ العَرَبِيَّةُ أَرْخَصَ مَناطِقِ العالَمِ في تَوْليدِ الطّاقَةِ الكَهْرَبائِيَّةِ النَّظيفَة، وَهُوَ ما يَجْعَلُ مُسْتَقْبَلَ الهيدْروجينِ الأَخْضَرِ في المِنْطَقَةِ واعِدًا عَلى الرَّغْمِ مِنَ التَّحَدِّياتِ الآنيَّة.
(خاص "عروبة 22")

