على الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الجانِبَ الأَميرِكِيَّ اعْتَبَرَ جَماعَةَ الحوثِيّينَ مُنَظَّمَةً إِرْهابِيَّةً أَجْنَبِيَّةً وَفَرَضَ عُقوباتٍ على التَّعامُلِ معها، قَبْلَ أَنْ تُظْهِرَ قُدْرَتَها خِلالَ المُواجَهاتِ الأَخيرَةِ على اسْتِهْدافِ حَرَكَةِ المِلاحَةِ في البَحْرِ الأَحْمَرِ وَخَليجِ عَدَن، إِلّا أَنَّ عَدَمَ الإِشارَةِ إلى الجَماعَةِ خِلالَ المُفاوَضاتِ التي خاضَتْها مع طَهْرانَ أَثارَ كَثيرًا مِنَ الشُّكوك، وَفُهِمَ على أَنَّهُ تَغاضٍ مُتَعَمَّدٌ مِنْ واشِنْطُن عَنِ الحوثِيّين، وَمَوْقِفٌ قَدْ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّها تُريدُ أَنْ تُحافِظَ على كامِلِ قُوَّتِهِمْ لِاسْتِخْدامِهِم في ابْتِزازِ دُوَلِ الجِوارِ العَرَبِيّ، وَبِالذّاتِ السُّعودِيَّةَ وَمِصْر.
وَيَرى السَّفيرُ اليَمَنِيُّ لَدى لَنْدَن، ياسين سَعيد نُعْمان، أَنَّ أَسْوَأَ ما في الِاتِّفاقِ الأَميرِكِيِّ - الإيرانِيِّ هُوَ أَنَّهُ اعْتَبَرَ أَذْرُعَ إيرانَ في المِنْطَقَةِ "حُلَفاء"، مُسْتَخْدِمًا المَعْنى السِّياسِيَّ السَّطْحِيَّ لِمُصْطَلَحِ الحُلَفاءِ بَدَلًا مِنْ مَفْهومِ القانونِ الدَّوْلِيّ. وَبَيَّنَ أَنَّ مُصْطَلَحَ "حَليف" يُسْتَخْدَمُ في القانونِ الدَّوْلِيِّ غالِبًا لِلدَّلالَةِ على وُجودِ مُعاهَدَةِ تَحالُفٍ رَسْميةٍ بَيْنَ دَوْلَتَيْنِ ذاتَيْ سِيادَة، والْتِزاماتٍ قانونِيَّةٍ مُتَبادَلَة، خُصوصًا في مَجالاتِ الدِّفاعِ أَوِ الأَمْن.
المفاوض الأميركي قدّم لإيران التنازل الذي ظلّت تحلم به
وَجَزَمَ السَّفيرُ اليَمَنِيّ بِأَنَّهُ لا يُمْكِنُ وَصْفُ العَلاقَةِ بَيْنَ إيرانَ وَأَذْرُعِها بِأَنَّها "تَحالُفٌ" بِالمَعْنى القانونِيِّ المُتَعارَفِ عَلَيْه. وَتَساءَلَ عَمّا الذي سَيَتَرَتَّبُ على اسْتِخْدامِ هَذا التَّعْبيرِ في اتِّفاقٍ مُهِمٍّ بِهَذا المُسْتَوى مِنْ تَغْييرٍ في النَّظَرِ إلى هَذِهِ الأَذْرُعِ التي وُظِّفَتْ لِتَقْسيمِ مُجْتَمعاتِها وَإِنْشاءِ ميليشْياتٍ مُسَلَّحَةٍ بِإيدْيولوجِيَّةٍ طائِفيةٍ تَتَناقَضُ مَوْضوعِيًّا مع مَفْهومِ الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّة، بَلْ وَتَضْرِبُها في الصَّميم.
وَرَأى الدّيبْلوماسِيُّ اليَمَنِيُّ أَنَّ المُفاوِضَ الأَميرِكِيَّ في هَذا الِاتِّفاقِ قَدْ أَفْرَغَ الدَّوْلَةَ الوَطَنِيَّةَ في هَذِهِ المِنْطَقَةِ مِنْ مَضْمونِها، وَقَدَّمَ لِإيرانَ التَّنازُلَ الذي ظَلَّتْ تَحْلُمُ بِه، والذي يُعَدُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْها أَكْثَرَ أَهَمِّيَةً مِنَ المَلَفِّ النَّوَوِيّ.
ضرورة "الرّدع المزدوج" العربي لكبح التهديدات الإقليمية
أَمّا الباحِثُ في "مَرْكَزِ صَنْعاءَ لِلدِّراسات"، حُسامُ رَدْمان، فَتَوَقَّعَ أَنْ يَشْهَدَ التفاوُضُ بَينَ واشنطن وطهرانَ سِتّينَ يَوْمًا بالِغَةَ الصُّعوبَةِ حَوْلَ تَفاصيلِ المَبادِئِ التي حَوَتْها الِاتِّفاقِيَّة، وَتَوَقَّعَ أَنْ يَلْجَأَ الطَّرَفانِ إلى مُمارَسَةِ الضُّغوطِ المُتَبادَلَةِ والمُماطَلَة، وَرُبَّما يَقودُ ذَلِكَ إلى الِانْزِلاقِ مُجَدَّدًا نَحْوَ الحَرْب.
وَقالَ إِنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِخْلاصُ دَرْسَيْنِ أَساسِيَّيْنِ مِنَ المُواجَهَةِ الأَخيرَة؛ أَوَّلُهُما أَنَّ إيرانَ تَخْسَرُ فِعْلًا عِنْدَ اسْتِهْدافِ أَذْرُعِها الإِقْليمِيَّة، كَما جَرى في لُبْنانَ وَسورْيا، وَكَما يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ في اليَمَن، لَكِنَّها تَرْبَحُ اسْتراتيجِيًّا عِنْدَ الِاشْتِباكِ العَسْكَرِيِّ المُباشِرِ معها، كَما جَرى مُؤَخَّرًا.
وَأَثْنى رَدْمان على السِّياسَةِ الإِقْليمِيَّةِ العَرَبِيَّةِ التي ارْتَكَزَتْ إلى التَّحَوُّطِ الِاسْتراتيجِيِّ وَديبْلوماسِيَّةِ الوَساطَة، وَقالَ إِنَّها أَثْبَتَتْ صَوابَها، لَكِنَّها لا يُمْكِنُ أَبَدًا أَنْ تُغْنِيَ عَنْ ضَرورَةِ "الرَّدْعِ المُزْدَوِجِ" لِكَبْحِ تَهْديداتِ البيئَةِ الإِقْليمِيَّة. وَخَلَصَ إلى أَنَّ المِنْطَقَةَ أَصْبَحَتِ اليَوْمَ أَقَلَّ تَصْعيدًا، لَكِنَّها صارَتْ أَكْثَرَ تَعْقيدًا.
هَذِهِ النَّظْرَةُ غَيْرُ المُتَفائِلَةِ شارَكَهُ فيها رَئيسُ مَجْلِسِ القِيادَةِ الرِّئاسِيّ، رَشاد العَليمي، الذي حَذَّرَ مِنْ أَنَّ أَيَّ اتِّفاقاتٍ لِلتَّهْدِئَةِ لا تُعالِجُ سُلوكَ النِّظامِ الإيرانِيِّ في اسْتِخْدامِ "الميليشْياتِ المُسَلَّحَةَ" كَأَدَواتٍ عابِرَةٍ لِلْحُدود، وَقالَ إِنَّ ذَلِكَ الِاتِّفاقَ سَيَظَلُّ هَشًّا وَمُوَجَّهًا لِإِدارَةِ الأَزْمَة، وَلَيْسَ حَلًّا مُسْتَدامًا لَها.
السلام الحقيقي يبدأ من احترام سيادة الدول وإنهاء دعم الميليشيات
وَتَحَدَّثَ العَليمي عَنْ وِجْهَةِ نَظَرِ الجانِبِ اليَمَنِيِّ مِنَ الِاتِّفاقِ المُنْتَظَرِ بَيْنَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وَإيران، وَقالَ إِنَّ اليَمَنِيّينَ لا يَنْظُرونَ إلى المُشْكِلَةِ مع النِّظامِ الإيرانِيِّ مِنْ زاوِيَةِ المَلَفِّ النَّوَوِيِّ وَحْدَه، بَلْ مِنْ زاوِيَةِ خَطَرِ اسْتِمْرارِ هَذا المَشْروعِ التَّوَسُّعِيِّ الذي أَنْشَأَ وَدَعَمَ وَسَلَّحَ وُكَلاءَ مُتَمَرِّدينَ صادَروا مُمْتَلَكاتِ الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّةِ في المِنْطَقَة، وَهَدَّدوا الأَمْنَ الإِقْليمِيَّ والمِلاحَةَ الدَّوْلِيَّة. وشَدَّدَ على أَنَّ السَّلامَ الحَقيقِيَّ يَبْدَأُ مِنِ احْتِرامِ سِيادَةِ الدُّوَلِ وَمَبادِئِ حُسْنِ الجِوار، وَإِنْهاءِ دَعْمِ الميليشْيات، وَتَجْفيفِ مَصادِرِ تَسْليحِها وَتَمْويلِها، وَضَمانِ احْتِكارِ الدَّوْلَةِ وَحْدَها لِلْقُوَّةِ وَقَرارَيْ السِّلْمِ والحَرْب.
أما الحوثِيّون، فلَمْ يُخْفوا بَهْجَتَهُمْ بِاتِّفاقِ المَبادِئِ واعْتَبَروهُ نَصْرًا تاريخِيًّا لِإيران، وَرَأَوْا عَبْرَ وِزارَةِ خارِجِيَّتِهِمْ أَنَّ هَذا الحَدَثَ يُؤَكِّدُ أَنَّ "مَبْدَأَ وَحْدَةِ السّاحاتِ تَرَسَّخَ وَتَجَذَّر".. وَمع أَنَّ الِاتِّفاقَ الإيرانِيَّ لا يَتَحَدَّثُ عَنِ القَضِيَّةِ الفِلَسْطينِيَّة، إِلّا أَنَّهُمْ اعْتَبَروها "البوصَلَةَ لِجَميعِ القُوى الحُرَّةِ وَفي مُقَدِّمَتِها مِحْوَرُ القُدْس"!.
(خاص "عروبة 22")

