السؤال الجوهري ليس مَن هو ترامب كشخص، بل ماذا يمثل؟ هل هو حامل لواء اليمين الأميركي التقليدي؟ أم أنه تجسيد لموجة أوسع من الأميركيين الذين يؤمنون بالعزلة القومية، وحماية الاقتصاد الوطني، والتفوق الحضاري الغربي؟ في الواقع، يبدو أنّ ترامب لم يصنع التيار بقدر ما أعطاه صوتًا واضحًا ولغة عالية ومباشرة.
القلق الاقتصادي - الاستراتيجي كان التربة الخصبة التي نمت فيها شعبوية ترامب
تشير بعض التحليلات إلى أنّ صعود الترامبية (إن صحّ التعبير) هو استثمار في مخاوف ديموغرافية متنامية لدى البيض في الولايات المتحدة. فالإحصاءات السكانية تشير إلى أنّ سنوات نصف القرن الحالي قد تشهد تحوّل الأغلبية العددية البيضاء، لصالح ذوي الأصول اللّاتينية والآسيوية والأفريقية. هذا التحوّل لم يعد مجرّد احتمال أكاديمي، بل أصبح عنصرًا في الخطاب السياسي والثقافي الأميركي، حيث يشعر جزء من الناخبين بأنّ هويتهم الثقافية مهدّدة.
لكن تفسير الظّاهرة بالدّيموغرافيا وحدها يظل ناقصًا. فهناك خوف اقتصادي واضح يتجلّى في تضخّم الدين العام الأميركي، وتراجع الوظائف الصناعية، واتساع الفجوة بين النّخب الاقتصادية والطبقة العاملة. وهناك شعور يتسع بأن أميركا تحمل أكثر من طاقتها في حفظ الأمن الدولي. هذا القلق الاقتصادي – الاستراتيجي، كان التربة الخصبة التي نَمَت فيها الشعبويّة الاقتصاديّة التي تبنّاها ترامب، والتي ركّزت على إعادة التصنيع، وفرض الرسوم الجمركية على البضائع المستوردة، وتقليص الاعتماد على شبكة العولمة.
هنا يبرز دور ستيف بانون، العقل المُنظّر للشعبوية الاقتصادية اليمينية الحديثة في الولايات المتحدة، ومدير حملة ترامب في مراحلها الحاسمة عام 2016. ومن ثم مستشاره للشؤون الاستراتيجية لفترة قصيرة في رئاسته الأولى، وهو شخصية مختلف عليها.
في كتابه "الثورة الكبرى"، يؤكد بانون أنّ نجاح ترامب لم يكن نتيجة تخطيط تقني دقيق، بقدر ما كان نتيجة تركه يتحدّث بعفويته، التي تخاطب الغضب الشعبي مباشرة. فقد اكتشف مستشاروه أنّ اللغة السياسية التقليدية، التي كان ينصح بها، تفقده جاذبيته، بينما تمنحه العفوية المبسّطة أصوات النّاخبين الساخطين على المؤسّسة السياسية الأميركية، فاتفق الجميع على أن يُترك ليقول ما يعنّ له قوله! هكذا يكتب بانون! إلا أن الكتاب عينه، لا يبشّر بتغييرٍ جذريٍّ في الاستراتيجية الأميركية، بل يدعو شعوب أوروبا إلى أن تفعل ذلك!.
الجماهير في الغرب تبحث عمّن يتحدث بلغتها لا بلغة النخب
المشكلة، إذا جاز تسميتها كذلك، ليست في ترامب كشخص، بل في الظّاهرة التي يمثلها. فهي لم تبقَ داخل الولايات المتحدة، بل امتدّت إلى أوروبا. ففي بريطانيا مثلًا، يعكس الجدل حول شخصيات سياسية مثيرة للخلاف كمثل بيتر ماندلسون، الذي عيّنه رئيس الوزراء السابق سفيرًا في واشنطن، فقط لأن له علاقة بترامب، على الرغم من سلوكيّاته السياسية المشكوك فيها، حيث افترض أنه قد يكون جسرًا أفضل لعلاقات البلدين، ثم اكتُشفت أخطاء فادحة في علاقاته، يكشف ذلك مدى تأثير التحوّلات الشعبوية، في إعادة تشكيل العلاقات السياسية التقليدية. كما أن الصعود الصاروخي لحزب الإصلاح اليميني البريطاني بقيادة نايْجِل فاراج (Nigel Farage)، دليل آخر على جاذبية تلك الاستراتيجية لقطاع واسع من النّاخبين في بريطانيا.
وفي فرنسا، أثار تدخل سفير الولايات المتحدة تشارلز كوشنير، والد صهر ترامب ومستشاره، في قضايا سياسية داخلية فرنسية حسّاسة، لها علاقة بمناصرة اليمين الفرنسي، وعدم تلبيته لاستدعاء الخارجية، جدلًا حول حدود الديبلوماسية والتدخّل في الشؤون الداخلية، وما الصراع الذي يشقّ النّخب الفرنسية، إلّا سباقًا بين اليمين الصاعد والنخب التقليدية.
لقد ساهم تيار "أميركا أولًا" في تشجيع صعود اليمين القومي في أكثر من بلد أوروبي، وأعاد صياغة العلاقات عبر الأطلسي على أسسٍ جديدة كلّيًّا، فبدلًا من التحالفات المؤسّسية التقليدية، برزت علاقات شخصية وشبكات نفوذ غير رسمية، وعملية استرضاء، ما جعل السياسة الدولية تبدو أكثر شخصانيّة، وأقل اعتمادًا على الأطر الديبلوماسية الكلاسيكية.
عصر الاضطراب الكبير نشاهد بعض مظاهره في إقليمنا العربي
ترامب، بهذا المعنى، ليس استثناءً تاريخيًّا، بل نتيجة طبيعية لعصر القلق الاقتصادي، والتحوّل الدّيموغرافي، وتراجع الثقة بالمؤسّسات التقليدية. إنّه تعبير عن أزمة الثقة في النظام الليبيرالي العالمي الذي تأسّس بعد الحرب العالمية الثانية، وعن رغبة قطاعات واسعة من المجتمعات الغربية في استعادة السيطرة الوطنية، وظهور تحالفات جديدة، تقوم لندن وبرلين وباريس بنسج خيوطها مع الصّين، وتقوم الهند بنسج تحالفات جديدة في غرب آسيا.
لذلك، فإنّ فهم الترامبية، لا يتم عبر تقييم شخصية الرجل، بل عبر قراءة العصر الذي أفرزه - عصر اللّايقين - الذي تبحث فيه الجماهير في الغرب، عمّن يتحدث بلغتها، لا بلغة النخب، وعمّن يعدها بالأمان الاقتصادي والسياسي، في عالم تتغيّر معاييره بسرعة تفوق قدرة المجتمعات على التكيّف معها، بل حتى فهمها؛ إنّه عصر الاضطراب الكبير الذي نشاهد بعض مظاهره في إقليمنا العربي، على شكل أزمات وحروب وصراع هويات. القضية التي تؤرقني أنّنا لم نفتح نقاشًا مجتمعيًّا بين النخب العربية لمعرفة كنه تلك التحوّلات.. نحن ما زلنا مشغولين بالماضي.
(خاص عروبة 22)

