من المُجدي، ألّا يتراجع الحديث عن الشعر في الدورة المتكرّرة من الحرب الدائرة في فلسطين ولبنان والمنطقة والذي يعني أنّ العالم لا يتجه نحو السلام، بل إنّ الأوضاع تكشف عن وقائع مختلفة، والحرب وسيلة لتأجيج المواجهة الشعرية، أكثر من كونها طريقًا لحلول. فالشاعر، كما يعرّفه درويش في مقابلته، لا يؤدّي دور "المحرّض"، بحيث ينتهي الدور بانتهاء الأزمة. لكن المشكلة تكمن في العالم الثالث، في كل مرة يرتفع فيها مستوى شعريّ، يقلّ عدد القرّاء. هذه مسألة حساسة جدًّا. كيف يمكن التوفيق بين التقدم الفني ومستوى جمهور القرّاء؟ لا يمكن حل هذا السؤال إلّا من خلال التجربة الفردية. لا يدّعي درويش أنه قدّم حلًّا كاملًا: "أنا لا أكتب شعرًا يهدف إلى الإقناع، بل أكتب شعرًا يولد من صراعي مع مشاكل البشرية. أنا لا أكتب للناس في الحاضر، بل للمستقبل. أنا أؤمن بأنّ الجماهير ستفهم علاقة شعري بالتطورات المستقبلية. أنا أعتبر أنّ الأدب لا يقتصر على مستوى الأدب عينه، بل يمتد إلى مستوى العمل الثوري. لهذا السبب، لا يمكن للشعر أن يتنازل عن رفع مستوى الوعي العام".
ويوضح درويش أنّ المواطنين العرب، كانوا عندما يقرأون شعره، يحكمون عليه بأنّه يعيش في خطر، بينما لم يكن في الواقع يعيش أي شيء بطولي في حياته. "والدي، هو البطل. لقد مرّ بمستوى معقول من البؤس الكبير في حياته. كان لديه ستة أطفال. كان يملك أرضًا، لكنّها لم تعد ملكه. لقد بيعت. لقد كان محطّمًا. السلطات الإسرائيلية اشترت الأرض، وأودعت المال في بنك تحت تصرّفي، لكنّني رفضت دائمًا لمسه، حتى في اللحظات التي كنت في أمسّ الحاجة إليه. كنت أفضّل أن أتحمّل عبء كوني لاجئًا على ذلك".
بعد ساعات من المسير إلى لبنان أدرك أنّه "لاجئ"
يحيّي درويش البطولة، لكنّه يؤكد أنّه ليس بطلًا. "لقد كنت محظوظًا لأنني حصلت على هذه الجودة. كنت سأكون سعيدًا جدًّا لو لم أكن مضطرًّا لأن أكون بطلًا بلا أبطال. أنا، حتى الآن، سعيد لأنني كنت أول من رفض التخلّي عن أسطورتي، بأنني أساهم بأسلوبي في فهم مشاكل البشرية بسبب التعاطف مع أهلي الذين كانوا يعيشون تحت الاحتلال الإسرائيلي".
عندما يرى الناس أنّ حياة الشاعر في هذه الحالة، وقد تداخلت مع الاحتلال الإسرائيلي، وأنّ سلطة الاحتلال تتدخّل في حياة هذه الأمة، فإنّ لها أن تعرف كيف امتلك درويش تأثيراته السحرية في أرواح الناس. لقد مرّت قصائده بأكثر من الحاجة إلى فحص شعري وحاجز، وشكّلت أسطورة محمود درويش، لكنّه يرفض المبالغة في هذا التقدير الذي يستحقّه، ويقول: "كنت أفضل أن تظلّ فلسطين حرّةً، وألّا أضطر أبدًا لكتابة قصيدة واحدة".
إذًا لم يسقط الطفل في البئر، حيث كان يعيش في قرية صغيرة تدعى "البروة". كان ذلك في نهاية ربيع فلسطيني، حين كانت ضربات الشمس توقظه من نومه. أخذوه إلى البيت مع بعض أواني المطبخ، وعادت العائلة تحت ضوء القمر عبر حقول الزيتون، لتعود بعد ساعات من المسير إلى لبنان. في تلك اللحظة، أدرك أنّه "لاجئ". كان هذا هو الوقت الذي أدرك فيه أنّ القمر الذي كان يسكن فوق بيته قد سقط أيضًا في تلك البئر. يصف درويش جيدًا حياته في لبنان في مخيمات اللاجئين، المكان الذي بدأ فيه معرفته الحقيقية بالعالم. لم يكن أحد يعرف معنى هذه الكلمات، مثل "إسرائيل" أو "العودة". لم يكن أحد بحاجة إلى هذه الكلمات، "لأننا كنا نعيشها. لقد عشتها بنفسي، وهي التي جعلتني ما أنا عليه اليوم في هذا العالم".
بيروت أضْفَت على بطولته بريقها وحيويتها
كان لديه انطباع عندما بدأت الهجرة بأنّ المشكلة مؤقتة، وأنّ العرب سيطردون المعتدين وسيعودون في غضون أسابيع قليلة. بعد سنوات، أدرك الحقيقة كلاجئ عن تشتّت الشعب الفلسطيني، وعن النهب والاضطهاد من قبل الحكومات العسكرية. كان حسّاسًا كفايةً ولديه ذكاء سياسي. قيل له إنّ هناك ضجيجًا حول قصيدته. لقد كان تهديدًا بالسجن. لم تكن القصيدة عن شيء خطير، بل كانت مجرّد تعبير عن مشاعر، كانت سلاحًا. سبق أن قرر ألّا يقاتل، أي ألّا يكتب، لكنّه فعلها في النهاية، وهذا ما ربطه بالسلطة الفلسطينية الشعرية التي أصبحت معيارًا للقصيدة التي لم يغادرها، تزامنًا مع قضية تجسّد حب الأرض أقدم عليها بقدر كبير من التضحية، والعالم اليوم أكثر انشغالًا بها، في حبها والعمل معها. وبيروت ستظل في قلب محمود درويش، أضْفَت على بطولته بريقها وحيويتها حضورًا لا يُنسى.. تتعلّق بشاعر كبير حرّك فضاءاتها الأكثر عمقًا وجمالية!.
(خاص عروبة 22)

