الأَجْوِبَةُ التي يَتَلَقّاها السّورِيّونَ مِنْ إِخْوانِهِمْ مُتَعَدِّدَة، وَهَذا أَمْرٌ طَبيعِيّ، لِأَنَّ لِكُلِّ شَخْصٍ أَنْ يَقولَ حَسَبَ المَكانِ الذي يُطِلُّ مِنْه، وَالمِنْظارِ الذي يَرى مِنْ خِلالِه، وَبَعْضُ الأَجْوِبَةِ مُتَحَمِّسٌ لِلْوَضْعِ الذي صارَتْ فيهِ البِلادُ وَأَهْلُها، وَقَدْ يَذْهَبُ بَعْضُهُمْ إِلى حَدِّ التَّطْبيلِ لَه، وَأَجْوِبَةٌ أُخْرى تَذْهَبُ في اتِّجاهٍ مُناقِضٍ تَمامًا، على نَحْوِ ما يَذْهَبُ سورِيّونَ يُجَسِّدونَ بِالسُّلوكِ مَثَلًا شائِعًا يَقول: "لا يُعْجِبُهُ العَجَب، وَلا الصِّيامُ في رَجَب"، الذي يَعْني أَنَّ رُؤْيَةَ صاحِبِ الجَوابِ سَلْبِيَّةٌ إِلى حَدٍّ تُحاكِي مَواقِفَ الفُلول، أَوْ تَتَبَنّاها.
وَبَيْنَ الحَدَّيْنِ المُتَناقِضَيْن، تَتَراوَحُ أَجْوِبَةٌ أُخْرى لِسورِيّينَ عائِدينَ مِنَ الشَّتاتِ لِإِخْوانِهِمُ المُقيمِينَ حَوْلَ ما يُمْكِنُ أَنْ تَسيرَ إِلَيْهِ وتَتَطَوَّرَ أَوْضاعُ سورْيا وَالسّورِيّينَ في المَدى المَنْظور، تُعْطِي أَجْوِبَةً مُشَوَّشَة، وَهِيَ فَرْضِيَّةٌ تُعَزِّزُ اللّاجَوابَ على أَسْئِلَةِ السّائِلين، وَأَعْتَقِدُ أَنَّ هَذا أَهَمُّ أَسْبابِ اسْتِمْرارِ تَشَوُّشِ رُؤْيَةِ الكَثيرِ مِنَ السّورِيّينَ وَقَلَقِهِمْ بِصَدَدِ المُسْتَقْبَل.
في نُقْطَةٍ وَسْطَ مَدارِ أَسْئِلَةِ السّورِيّين، يَتَكَرَّرُ جَوابٌ مُحايِدٌ وَمَوْضوعِيّ، خُلاصَتُهُ أَنَّ مُسْتَقْبَلَ السّورِيّينَ وَاحْتِمالاتِهِ مَرْهونٌ بِما يَفْعَلُهُ السّورِيّونَ اليَوْمَ وَغَدًا، فَلا شَيْءَ سَوْفَ يَتَغَيَّرُ سَلْبًا أَوْ إيجابًا وَحْدَه.
ما عاشه السوريون وعانوا منه يستحيل أن يقبلوا بعودته
وَيُضيفُ الجَوابُ إِلى السّائِلِينَ قَوْلَ "إِذا بَقِيتُمْ عَلى أَسْئِلَتِكُم، وَلَمْ تَقوموا بِأَفْعالٍ تُغَيِّرُ الواقِعَ نَحْوَ الأَفْضَل، فَإِنَّ أَيَّ جَوابٍ لَنْ يَنْفَعَكُمْ، وَسَيَظَلُّ دَوَرانُكُمْ في المَكانِ نَفْسِه، وَغالِبًا إِلى الأَسْوَأ". وَيَزيدُ الجَوابُ في التَّفاصيلِ فَيَقول: "سورْيا اليَوْمَ قَريبَةٌ مِنْ صورَةِ سورْيا في العَهْدِ الرّومانِيّ"، وَقَدْ شاعَ فِيهِ وَصْفُها بِـ"إِهْراءاتِ روما"، أَيِ الأَرْضِ التي تُوَفِّرُ الأَساسَ الغِذائِيَّ لِلْإِمْبَراطورِيَّةِ القَديمَة، بَلْ إِنَّها في التّاريخِ القَريبِ اسْتَطاعَت، وَبِشَهادَةِ أَسْعَد مُصْطَفى (وَزيرِ زِراعَةٍ اَسْبَق، في إِحْدى حُكوماتِ الأَسَدِ في ثَمانينِيّاتِ القَرْنِ الماضي، وَمُعارِضٍ بارِزٍ في ثَوْرَةِ السّورِيّين)، أَنْ تُوَفِّرَ مَخْزونًا مِنَ القَمْحِ يَكْفي سَنَوات، في حينِ تَعْجِزُ اليَوْمَ عَنْ إِنْتاجِ ما يَكْفي أَشهرًا، وَهَذا بَعْضُ ما يَكْشِفُ ضَعْفَ الأَداءِ السّورِيّ، وَضَياعَ السّورِيّينَ في اللَّغْوِ وَالنِّقاشِ الفارِغِ الذي لا يَصُبُّ في قُدُراتِ السّورِيّينَ عَلى السَّيْرِ نَحْوَ مُسْتَقْبَلٍ أَفْضَل.
وَلا يَقْتَصِرُ جَوابُ الواقِعِ عَلى أَسْئِلَةِ مُسْتَقْبَلِ السّورِيّينَ وَبَلَدِهِمْ عَلى تَأْكيدِ قيمَةِ العَمَلِ في التَّغْيير، وَهُوَ عَمَلٌ يَفْتَرِضُ أَنْ تَتَشارَكَ فِيهِ الجِهاتُ الفاعِلَةُ وَالنَّشِطَةُ في الدَّوْلَةِ وَالمُجْتَمَع، بِتَكْويناتِها مِنْ كُلِّ القِطاعاتِ وَالفَعّالِيّات، بَلْ يَتَطَلَّب، بِالإِضافَةِ إِلى ما سَبَق، ضَرورَةَ التَّدْقيقِ في الواقِعِ السّورِيِّ وَمُجْرَياتِه، وَهُوَ تَدْقيقٌ يَقودُنا فِعْلِيًّا إِلى نُقْطَةٍ أَبْعَدَ مِنَ العَدَمِ التي يُشيعُها الفُلولُ وَمَنْ في حُكْمِهِمْ مِنْ أَنَّ الأُمُورَ لَمْ تَتَغَيَّر، وَأَنَّ الوَضْعَ يَسيرُ نَحْوَ صورَةٍ أُخْرى تُشْبِهُ بَعْضَ ما كان، وَهَذا ظُلْمٌ بَلْ كَذِبٌ فاضِح، لا يُمَثِّلُ وِجْهَةَ نَظَرٍ حَتّى، لِأَنَّ ما كانَ مُسْتَحيلٌ أَنْ يَعود، وَالذينَ عاشوهُ وَعانَوْا مِنْهُ في سورْيا وَعَبْرَ العالَم، يَسْتَحيلُ أَنْ يَقْبَلوا بِعَوْدَتِهِ تَحْتَ كُلِّ الظُّروف، بَعْدَ كُلِّ الانْكِشافاتِ التي حَدَثَت، وَالتي ما زالَتْ تَتَوالى تَفاصيلُ جَديدَةٌ وَأَشَدُّ بَشاعَةً فيها.
السوريون يسعون إلى تطمينات تبخل بها الحكومة
وَالوَضْعُ القائِمُ أَيْضًا، لا يُمَثِّلُ أُمْنِيّاتِ السّورِيّينَ وَلا طُموحاتِهِمُ المُسْتَقْبَلِيَّة، كَما يَسْعى نَفَرٌ مِنَ المُرَوِّجينَ وَالمُطَبِّلين، لِأَنَّ تَرِكَةَ النِّظامِ البائِدِ وَمُعْطَياتِ الواقِعِ السّورِيِّ وَالبيئَةِ الإِقْليمِيَّةِ وَالدَّوْلِيَّةِ وَكُلَّ إِيجابِيّاتِ ما سَبَق، لا تَكْفي لِلْوُصولِ إِلى ما يَقولونَ بِه، وَهُوَ يَحْتاجُ إِلى رُؤًى وَقُدُراتٍ وَجُهودٍ وَزَمَن، وَلَيْسَ إِلى تَبْشيرٍ وَاحْتِفالِيّاتٍ وَصِراعاتٍ مَعَ المُخْتَلِفين، وَتَخْوينِ أَيٍّ كان، بَدَلَ رَصِّ الصُّفوفِ وَالتَّشارُكِ وَالتَّحْشيدِ الإِيجابِيّ، وَكُلُّها بِحاجَةٍ إِلى سِياساتٍ وَقَوانينَ وَإِجْراءات، تَقومُ بِها السُّلُطات، وَتَسْهَرُ عَلى تَنْفيذِها، وَيَحْتَرِمُها المُواطِنون، وَيَتَشارَكونَ في تَنْفيذِها وَتَطْويرِها عَبْرَ هَيْئاتٍ وَمُؤَسَّسات، وِفْقَ سِياساتِ المُراقَبَةِ وَالتَّصْحيح.
ثَمَّةَ كَثيرٌ مِنَ الإِيجابِيّات، وَمِثْلُها مِنَ السَّلْبِيّات. وَعَلى الرَّغْمِ مِنْ هَذِهِ المُعادَلَة، فَإِنَّ سورْيا وَالسّورِيّينَ لا يَقِفونَ في مَكانِ الوَسَط، وَثَمَّةَ اعْتِقادٌ جازِمٌ بِأَنَّهُمْ لا يَرْغَبونَ في تِلْكَ المَكانَة، وَهُمْ لِهَذا مُتَوَتِّرونَ وَخائِفون، يَسْعَوْنَ إِلى تَطْمينات، تَبْخَلُ بِها الحُكومَة، وَيَرْتَبِكُ كَثيرٌ مِمَّنْ يَتِمُّ سُؤالُهُمْ عَنِ المُسْتَقْبَلِ في تَناوُلِها.
بعض "العبيد" مُصاب بالعمى ويقع في حُب جلّاده
وَسْطَ تِلْكَ اللَّوْحَةِ في اخْتِلافاتِها وَتَناقُضاتِها، تَحْدُثُ وَتَتَواصَلُ قَراراتٌ وَخُطُواتٌ وَأَشْياء، وَتَحْصُلُ تَطَوُّراتٌ نِسْبِيَّة، يَعودُ في إِطارِها بَعْضُ الذينَ تَمَّ تَسْريحُهُمْ مِنْ أَعْمالِهِم، وَيَتِمُّ تَعْديلُ الرَّواتِبِ وَالأُجور، وَتَخِفُّ مَظاهِرُ وَتَداعِياتُ الفَقْر، وَتَتَناقَصُ أَعْدادُ طالِبي المُساعَدَة، وَتَتَزايدُ أَنْشِطَةُ مُساعَدَةِ الفُقَراء، وَتَرْتَفِعُ أَصْواتُ دَعْمِ المَطالِبِ الاجْتِماعِيَّةِ وَالصِّحِّيَّة، وَيَتَزايدُ التَّنْديدُ بِأَيِّ انْتِهاكاتٍ لِحُقوقِ الإِنْسان، وَيَحْصُلُ تَحَسُّنٌ مَلْمُوس، وَإِنْ كانَ قَليلًا، في حُقوقِ القَوْلِ وَالانْتِقاد.
لا تَسْتَحِقُّ الظُّروفُ الصَّعْبَةُ التي يَعيشُها السّورِيّونَ اليَوْمَ أَنْ نُعَدِّدَها، لَيْسَ مِنْ بابِ التَّجاهُلِ أَوِ التَّخْفيفِ مِنْ أَثَرِها في حَياةِ السّورِيّينَ وَمَسارِهِمُ الضَّرورِيِّ إِلى مُسْتَقْبَلٍ أَفْضَل، بَلْ مِنْ بابِ أَنَّ أَغْلَبَها مِنْ بَقايا النِّظامِ البائِدِ الذي رَكَلَهُ السّورِيّون، وَهُمْ حَريصونَ في مَجْموعِهِمْ عَلى تَصْفِيَةِ آثارِهِ كَما يَقولون، عَلى الرَّغْمِ مِنْ تَفاوُتِ فَهْمِهِمْ وَطَرائِقِهِمْ في تَحْقيقِ ذَلِك، إِضافَةً إِلى تَأْكيدِ أَنَّ البَعْضَ مِنَ المُضَلَّلِينَ وَالمُسْتَفيدِينَ يَحِنّونَ إِلى أَيّامِ الأَسَدِ السَّوْداء، فَبَعْضُ "العَبيدِ" مُصابٌ بِالعَمى، وَيَقَعُ في حُبِّ جَلّادِه، وَبَعْضُهُمْ أَنانِيٌّ بِطَريقَةٍ تَكادُ تَنْزِعُ عَنْهُ صِفَةَ الإِنْسان!.
(خاص "عروبة 22")

