لقد أصبحت الأخلاق، ومعها حقوق الإنسان، قناعًا فعّالًا يغطّي مختلف الاستراتيجيّات الاقتصاديّة، بما يسمح باستمرار اللّامساواة العالميّة، والاستغلال الجائر، ونعم، الحروب أيضًا، ويُضفي عليها شرعيّة! بل إنّ الخطاب السياسي نفسه مشبعٌ بهذه النزعة الحربية، ويدفع النّاس إلى الاصطفاف إمّا مع مَن يزعمون أنّهم يقفون إلى جانب التقدم، أو مع مَن يُتهمون بالسعي إلى تقويضه.
لقد غدت الأخلاق مجرّد حيلة سياسيّة أخرى، وهكذا تصبح الاستقطابات أمرًا محتومًا. وتدرك الأحزاب السياسية جيدًا أنّ أنجع الاستراتيجيّات السياسية وأكثرها تأثيرًا كانت، ولا تزال، وستظل: الخوف.
لا يجوز أن تتحوّل الأخلاق إلى قناع لطيف يخفي الفظائع التي تُرتكب باسم التقدّم
فكيف أشرح لطلابي أنّ المادة التي أدرّسها لهم، وهي الأخلاق، قد صارت خادمةً ذليلةً لمصالح اقتصاديّة متعدّدة؟ وكيف يمكن لنا اليوم، نحن الآباء والأمهات والمعلّمون الملتزمون، أن نواجه الواقع من دون إخفائه، وفي الوقت عينه نغذّي عقول أبنائنا وطلابنا بعيدًا عن أيّ نزعة دوغمائية، بحيث يكونون هم القادرين على الحكم بأنفسهم على ما يجري؟
كثيرًا ما أقرأ لهم مقطعًا لفيلسوف ألماني يشير فيه إلى أنّنا لا ينبغي أن نثق ثقةً عمياء في القدرة المُطلقة للعقل البشري؛ لأنّه قد يُستخدم لتحقيق أفضل الغايات، كما قد يُستخدم لارتكاب أسوأ الشرور. وفي نهاية المطاف، فإنّهم هم، هؤلاء الشباب، بما يمتلكونه من أدوات فكريّة وعاطفيّة، مَن ينبغي أن يقرّروا ما هو الخير وما هو الشرّ، بغضّ النظر عمّن يضع قواعد التفكير والشعور. لأنّ تلك القواعد، في معظم الأحيان، تكون مشوبةً بمصالح كثيرة تسعى إلى استمالة انتباهنا والتلاعُب بإرادتنا وتسخيرها لخدمة أهدافها.
لا جدوى، مهما تكرّر ذلك بلا انقطاع على ألسنة السّاسة ومن فوق المنابر السياسية، من أن تنجو قلّة من الناس، إذا كان معظم البشر يفتقرون إلى الشروط الأساسيّة التي تمكّنهم من التفكير في واقعهم، أو من التأمّل في الحرية والحقيقة والجمال. ومع ذلك، لا ينبغي لنا أن نتخلّى عن هذا المسعى. فقد أشارت ماريا ثامبرانو في كتابها "الشخص والديموقراطيّة"، إلى ضرورة أن نتولّى زمام حياتنا، لا على المستوى الفردي فحسب، بل أيضًا، وقبل كل شيء، على المستوى الإنساني. إذ لا شيء يؤذينا أخلاقيًّا بقدر شعورنا بأنّنا مجرّد دمى تحرّكها أقدار قاسية لا ترحم.
وفي نهاية المطاف، هذا هو ما أحاول أن أغرسه في طلّابي داخل قاعة الدرس: أن يدركوا الخطر الرهيب للصمت، والثمن الذي ندفعه لقاء صمتنا. فقد سبق أن ندّد كلّ من أنطونيو غرامشي وهنري ثورو وسيمون دو بوفوار بأنّ لامبالاة المواطنين تجاه الظلم ليست سوى نتيجة لتعوّدنا على إخضاع الأخلاق للمعايير الاقتصادية أو للمصالح الإمبريالية. وقد أشار أرسطو في كتابه "السياسة" في الكتاب الأول، الفصل التاسع، إلى أنّ ضجيج المال يجعلنا صمًّا عن سائر الرؤى الممكنة، إذ يقول: يبدو جليًّا أنّ لكل ثروة حدًّا لا بد منه، لكنّنا نرى في الواقع عكس ذلك؛ فكلّ الذين يتاجرون يسعون إلى زيادة ثرواتهم بلا حدود. وهكذا، فإنّ ضجيج المال لا يجعلنا صمًّا فحسب، بل يجعل أفعالنا أيضًا أحادية الجانب، حين يحوّل، على حدّ تعبير أرسطو، كل القدرات الإنسانية إلى وسائل لاكتساب المال.
تدريس الأخلاق هو القادر على هدم الصّرح الدامي الذي شيّدناه من لامبالاتنا
وأمام ما لا يمكن قبوله، لا مكان للصمت، ولا ينبغي أن يكون له مكان، إلّا إذا أراد الإنسان أن يكون شريكًا صامتًا في ما يحدث. ولذلك، لا يجوز أن تكون الأخلاق امتيازًا طبقيًّا، ولا أن تتحوّل إلى قناع لطيف يخفي الفظائع التي تُرتكب باسم التقدّم. وقد كتب أفلاطون في "القوانين"، الكتاب الخامس: "إنّ ما ينبغي أن نورثه للأطفال ليس المال، بل حسًّا عميقًا بالاحترام".
إنّ التأمّل الأخلاقي، حين يُنقل بصرامة فكرية، وفي ضوء الظروف والوقائع، هو السبيل الوحيد لتمكين شبابنا من امتلاك تفكيرٍ مستقل، قادر على - والأهم من ذلك راغب في - التمييز بين الصواب والخطأ. ومن ثمّ، يُصبح قادرًا على الاختيار، وممتلكًا للإمكانات التي تؤهّله لذلك، وأخيرًا، متحلّيًا بالشجاعة اللازمة للإقدام عليه. في عصرٍ تحوَّل فيه تركيزُنا البشري إلى أغلى سلعة استهلاكيّة، يُعدُّ تدريس الأخلاق في مختلف المراحل التعليميّة هو الثغرة الوحيدة القادرة على هدم الصّرح الدامي الذي شيّدناه من لامبالاتنا.
لقراءة الجزء الأول
(خاص عروبة 22)

