ينطلق المقال من حقيقة أنّ إدارة ترامب الثانية قد أجابت عن هذا السؤال "بقدر غير مسبوق من الصراحة: الرئيس هو الذي يملك هذا الحق. وليس الآلاف من باحثي التاريخ والكتاب في أنحاء البلاد الذين كرّسوا حياتهم لدراسة الماضي الأميركي وتوثيقه وفهمه فعليًّا، ولا الجمعيات المهنية للمؤرّخين وأمناء الأرشيف والمتاحف والتربويّين الذين كرّسوا حياتهم من أجل رصد التاريخ الذي صنعه الأميركيون لا النّخبة فقط.
سرديّة مشوّهة تقودها الإيديولوجيا بدلًا من الحقيقة
فبموجب الأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب في 27 مارس/آذار 2025، استولى ترامب على حقّ سرد التاريخ الأميركي وفقًا لرؤيته، ورؤية التيار الذي يمثله فقط، دون غيره تحت شعار زائف ومتعسّف يزعمون فيه الدفاع عن "مبادئ الحقيقة والصواب" (Truth & Sanity). ويشير الكاتبان إلى أنّه تحت هذا الشعار تم "استبدال الحقائق الموضوعية بسرديّة مشوّهة تقودها الإيديولوجيا بدلًا من الحقيقة". ما نتج عنه تلاعب قسريّ بالتاريخ الأميركي. ويعتبر الكاتبان أن هذا التغيير القسري للروايات التاريخية يصبّ لصالح السلطة ذات اللون الأبيض تحديدًا. إنّها قراءة تاريخية انتقائية تمثّل خسارة كبيرة للذاكرة التاريخية الأميركية.
تتمثّل هذه الخسارة في حذف المادة التاريخية التي تمّ توثيقها وكتابة رواياتها حول عموم الأميركيين، لا النّخبة، أو ما يُعرف "بالتاريخ القاعدي" (هناك مَن يُطلق عليه التاريخ من أسفل، راجع دراستنا للتاريخ من منظور المواطنة في كتابنا "المواطنة والهوية جدل النضال والإبداع" حيث وثّقنا ذلك في ضوء تجربة المؤرخ الأميركي هُوارْد زِن - Howard Zinn) الذي تمّ الاهتمام به منذ ستينيّات القرن الماضي مع تنامي حركة الحقوق المدنية حيث بدأ المؤرّخون يطرحون أسئلة من عينة ما يلي: كيف كانت الحياة بالنسبة للمستعبدين؟ وكيف كان تنظيم النقابات؟ وكيف كان الشعور بالطرد من الأرض؟ وكيف تمّ إقصاء المواطنين الأصليين؟ وكيف كان النضال من أجل التصويت؟... إلخ.
مثّلت الإجابات عن هذه الأسئلة وغيرها تاريخ الولايات المتحدة الأميركية الحقيقي، وحررته من أن يقتصر فقط على تاريخ النّخبة البيضاء الذي ساد معظم القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. فلقد كان هذا التاريخ، في أغلبه، يركّز على "الاستثنائية الأميركية البيضاء". وكيف أنّ هذه الاستثنائية قد قدّر لها الحدوث وفق إرادة إلهية حسب مفهوم قديم (يرجع لسنة 1845) يُعرف بالقدر المتجلّي (Manifest Destiny)؛ الذي "شرعن" الحرب الأهلية، والتوسّع الجغرافي، واستُخدم لاحقًا لتبرير الحروب والتهجير القسري والإبادة الجماعية للسكان الأصليين بدعوى أنّهم يقفون في طريق التقدّم والحضارة.
بيد أنّ الإدارة الترامبية اعتمدت برنامجًا في سنة 2025 عنوانه: "حرية 250" (Freedom 250)؛ للاحتفال بمرور 250 سنة على تأسيس الولايات المتحدة الأميركية، أسندت تأسيسه لمؤسّستين محافظتين في الترويج ــ حسب الكاتبين من واقع تتبّع نشاط البرنامج ــ مجدّدًا لمفاهيم: أولًا: "الاستثنائية الأميركية" خاصةً "البيضاء". ثانيًا: الرسالة الإلهية للولايات المتحدة الأميركية. ثالثًا: حتميّة الهيمنة والأوّليّة والأسبقية والأفضلية الأميركية. لذا ليس من المستغرب أن الخطاب الترامبي السياسي يتبنّى تلك المفاهيم: "أكبر اقتصاد، وأقوى جيش، وأقوى تكنولوجيا، وأعظم ثقافة، وأعظم شعب على الأرض... إلخ. لم يتوقّف الأمر عند هذا الحديث، إذ بدأ تحرّك "لمعاقبة المؤرخين الأميركيين الذين لا يتوافقون مع الرؤية الترامبية التي ترى أن دمقرطة التاريخ الأميركي خلال نصف القرن الماضي أفسدت المعرفة الموضوعية الحقيقية... فالتدقيق التّاريخي لقضايا "العرق والنوع الاجتماعي وتغيّر المناخ وعدم المساواة يُعامل باعتباره تشويهًا إيديولوجيًّا، لا نتاجًا مشروعًا لعقود من البحث العلمي الدقيق".
السلطة التي تعطي نفسها أن تحدّد ما هو التاريخ تحتكر الحقّ في تحديد مَن هو الأميركي الحقيقي؟
ويشير المقال إلى تقرير حديث صادر عن مشروع التاريخ والأرشيف وحفظ السجلات (HARPP) التابع لجمعية المؤرخين الأميركيين، يوثّق التحركات التي مارستها الإدارة الحالية في هجومها على التاريخ، واتباعها لثلاث استراتيجيات كما يلي: الأولى: رقابة وحذف التواريخ التي لا تحظى برضا الترامبية. والثّانية: إضعاف المؤسّسات التي تدعم البحث التاريخي. والثالثة: فرض سردية وطنية منحازة. بالإضافة إلى "إنهاء نحو 1400 منحة من الصندوق الوطني للعلوم الإنسانية، كانت تدعم الأرشيفات والأفلام الوثائقية والمتاحف ومشروعات الحفظ ومبادرات التاريخ المحلي/الوطني. وأمرت بمراجعة أي سرديّات تاريخية في المعارض والمتاحف والتذكارات الموجودة في الأماكن العامة تناقض التاريخ السلطوي الترامبي. في هذا المقام، نذكّر بقرار ترامب في مايو/أيار 2025 (الذي وصفناه آنذاك بالمُناهض للثقافة وللكفاءة) بعزل السيدة كارلا هايدن (74 عامًا)، مديرة مكتبة الكونغرس (أول سيدة من أصل أفريقي تتولّى مهام المنصب منذ تأسيس المكتبة عام 1800) عن مهام عملها، وعُدّ بالإجماع قرارًا متعسّفًا.
إنّ سؤال المقال الرئيسي: مَن يملك التاريخ؟ يفتح الكثير من النقاش حول حدود السلطة في التحكّم في السرديّة التاريخية، كما أنه يثير الكثير من القلق من أنّ السلطة التي تعطي نفسها أن تحدّد ما هو التاريخ، تحتكر الحقّ في تحديد مَن هو الوطني ومَن هو الأميركي الحقيقي؟ وكيف يكون التعليم؟ وكيف تكون الثقافة؟... إلخ. إنّه الاستيلاء (bid) على التاريخ أحد سمات الترامبية تضاف إلى المكارثية (راجع مقالنا في "عروبة 22"، المكارثية الترامبية).
(خاص عروبة 22)

