صحافة

"المشهد اليوم".. مُراوَحَةُ مُحادثاتِ الدَّوْحَة وخِلافاتٌ داخِل "الأجْنِحَةِ الإيرانيّة"!لبنان يَتَمَسَّكُ بِالتفاوُض والاحتلالُ يُقيمُ بواباتِ عبورٍ عِندَ الحدود... وسوريا تستعيد حياتها "البرلمانية"


الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث إلى الصحافيين قبل صعوده إلى الطائرة الرئاسيّة الجديدة التي أهدتها قطر إلى الولايات المتحدة، في قاعدة أندروز بولاية ماريلاند (أ.ف.ب)

تشهدُ مذكرة التفاهم الأميركيّة – الإيرانيّة المزيد من العقبات والعثرات، فيما يعيش الداخل الإيراني "على صفيحٍ ساخنٍ" بسبب وجود تبايناتٍ في الآراء والمواقف بشأن مضمونها ومفاعيلها. فالتيار المحافظ والمتشدّد لا يبدو متحمسًا لما توصلت إليه "الديبلوماسيّة" الحالية، التي يقودها رئيس البرلمان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف ووزير الخارجيّة عباس عراقجي، بدعمٍ من الرئيس مسعود بزشكيان الساعي إلى تثبيتِ روايةٍ رسميّة. ومفاد هذه الرواية أن انعقاد المباحثات وما تلاها جرى بتنسيقٍ كاملٍ مع المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، وبدعمٍ من المجلس الأعلى للأمن القوميّ، في محاولةٍ لإسكات المعارضين وامتصاص غضبهم. وهذا الاختلاف عكسه قطع بثّ المقابلة التلفزيونيّة المُسجلة مع قاليباف، مساء الثلاثاء، التي تحولت إلى مادةٍ للسجال السياسيّ، بما يؤكد وجود خلافاتٍ عميقةٍ داخل أجنحة النظام ومعكسر السطة، التي تخرجُ إلى العلن يومًا بعد يوم.

وبحسب المعطيات المتداولة، قُطِعَ بثّ المقابلة قبل انتهائها، حين كان قاليباف يشرح ملفاتٍ "دسمةً" مرتبطةً بالأموال الإيرانيّة المجمّدة وآلية الإفراج عنها، إلى جانب ترتيبات التفاهم مع واشنطن. في المقابل، حاولت الوسائل الإعلاميّة المقرّبة، التي تدور في فلك "الحرس الثوري"، احتواء الانتقادات، بالإشارة إلى أن الجزء الثاني من المقابلة سيُعرض لاحقًا، بهدف تلافي الاعتراضات، لكنها لم تفلح في ذلك. ومن المستغرب إيقاف بثّ مقابلةٍ رسميّةٍ تهدف إلى تقديم إيضاحاتٍ إلى الرأي العام الإيراني بشأن قضايا تتعلق بمستقبل البلاد وسياساتها، لا سيما أن الضبابيّة لا تزال تُخيّم على بنود هذا الاتفاق. إذ فشل هذا الاتفاق، حتى اللحظة، في تحقيق أي تقدّمٍ ملموسٍ على مختلف الأصعدة، وتحديدًا ضبط الأوضاع في مضيق هُرمز، والتوصل إلى اتفاقٍ بشأن البرنامج النووي، فضلًا عن القضايا العالقة الأخرى. ويبدو "الحرس الثوري" في المرصاد لمنع التطرق إلى الاتفاقية المبرمة، فيما يحاول الرئيس مسعود بزشكيان الدفاع عمّا توصّل إليه الطرفان في المحادثات التي عُقدت في إسلام آباد وسويسرا. واتهم "بعض التيارات" بالعمل، بالتوازي مع عملياتٍ نفسيّةٍ معاديةٍ، على تشويه صورة فريق التفاوض والتشكيك في القرارات الوطنيّة. وأعلنت صحفٌ ونوابٌ وشخصياتٌ سياسيّة موقفها الرافض للمسار التفاوضي، داعيةً إلى التمسك بأوراق القوة التي تمتلكها إيران، وفي مقدمتها ورقة مضيق هُرمز، ورفض التنازل عنها من دون الحصول على التزامٍ أميركي جدي وملموس، خصوصًا في ما يتعلق برفع الحصار البحري، وتحرير الأموال الإيرانية المجمّدة، ووقف العمليات العسكريّة في لبنان.

فمضيق هُرمز بات أشبه بـ"قنبلةٍ موقوتةٍ" مع تمسك النظام الإيرانيّ بما يسميه "حقه المشروع" في السيطرة عليه، وفرض رسومٍ، تختلف تسمياتها، بينما تُثير هذه المواقف الخوف والتوجس لدى مختلف دول العالم، بسبب تداعيات ذلك الجسيمة على حرية الملاحة وحركة الأسواق العالميّة. ودفعت هذه الهواجس الوسطاء القطريين والباكستانيين إلى الدخول على خط الأزمة مجددًا، فعُقدت محادثاتٌ فنيّةٌ غير مباشرة في الدوحة، وتوصلت إلى تهدئةٍ عسكريةٍ مؤقتةٍ لمدة أسبوع، بعد الضربات المتبادلة بين الجانبين الإيرانيّ والأميركيّ الأسبوع الماضي. وتتزامن هذه التهدئة مع ترتيباتٍ داخليّةٍ في كلا البلدين، إذ تحيي الولايات المتحدة الذكرى الـ250 لاستقلالها، في حين تُشيّع إيران مرشدها الراحل علي خامنئي بعد انتظارٍ دام أشهرًا طويلة. لكن هذه التهدئة لا تُحرِّف الأنظار عن العُقد المستمرة، إذ ذكر المتحدث باسم الخارجيّة القطرية ماجد الأنصاري أن الأطراف اتفقت على مواصلة المناقشات خلال الفترة المقبلة، على أن يُحدّد موعد الاجتماع المقبل في أقرب وقتٍ ممكن. بالتزامن، أفاد موقع "أكسيوس" بأن الولايات المتحدة وإيران توصلتا إلى تفاهمٍ أوليٍّ يتعلق بالدفعة الأولى من الأموال الإيرانيّة المُجمّدة. ونقل الموقع عن مصدرٍ مطلعٍ أن نحو 3 مليارات دولار من هذه الأموال لن تُحَوَّلَ نقدًا، بل سَتُستَخدَمُ لشراء سلعٍ أساسيّةٍ، على أن يكون جزءٌ منها من الأسواق الأميركيّة، في خطوةٍ تهدف إلى ضبط آلية الصرف وتقييد الاستخدام المباشر للأموال. وهو أمرٌ أكده نائب وزير الخارجيّة الإيرانيّ كاظم غريب آبادي، الذي أشار إلى الاتفاق على تخصيص جزءٍ من الأموال المُفرج عنها لشراء سلعٍ تلبّي احتياجات إيران، من دون تقديم تفاصيل إضافيّة بشأن طبيعة هذه السلع أو الجدول الزمنيّ للصرف.

وكان مضيق هُرمز حاضرًا على جدول المحادثات، إذ حاول الوفد الأميركيّ، بقيادة ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إيصال رسالةٍ إلى الجانب الإيرانيّ، مفادها أن المطالبة بفرض رسومٍ على المرور قد تُهدد فرص التوصل إلى اتفاقٍ نهائيٍّ مع الولايات المتحدة. في الأثناء، نقلت وكالة "رويترز" عن مصدرين إيرانيين كبيرين، أن إيران تسعى إلى الحصول على اعترافٍ دوليٍّ بحقها في فرض رسومٍ على السفن الداخلة إلى الخليج أو المُغَادِرة منه، حتى وإن استدعى الأمر اللجوء إلى القوة، ما يتعارض مع التفسير الأميركيّ لمذكرة التفاهم. وأضاف المصدران أن طهران تسعى إلى تثبيت هذه الصلاحيات بصورةٍ رسميّةٍ ودائمةٍ بعد انتهاء الفترة الانتقاليّة، وأشارا إلى أن المفاوضين الإيرانيين يرفضون الانتقال إلى الملفات الخلافيّة الأخرى قبل التوصل إلى تفاهمٍ واضحٍ مع واشنطن بشأن هذه القضية. ويعتزمُ النظام الإيرانيّ البدء في فرض رسومٍ على السفن العابرة، اعتبارًا من منتصف آب/أغسطس المقبل، على الرغم من عدم الإعلان حتى الآن عن هيكل الرسوم أو الآليات التي ستُطبّق عبرها. من جانبه، أشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى أن الأمور "تسير على ما يرام"، وأن الاجتماعات الأخيرة في قطر سارت جيدًا. وربط ترامب المسار الدبلوماسيّ بتراجع أسعار النفط والبنزين وارتفاع الأسواق، فيما قال نائبه و"عرّاب" الاتفاق جي دي فانس أن بلاده تملكُ "كل الأوراق". واعتبر أنه حتى "لو تعثرت المفاوضات، فإن واشنطن حققت هدفها الأساسي، لأن البرنامج النووي الإيرانيّ والقوات العسكرية التقليدية لا يزالان مدمرين، والولايات المتحدة في موقعٍ أقوى".

التصريحات الكلاميّة والدوران في "المتاهة عينها" يؤكدان أن الأمور لم تنضج بعد، وأن مذكرة التفاهم لم تبدّد الهواجس ولم تحسم الجدل، لا سيّما أن إسرائيل تُعاين الأحداث عن كثب وتتوقع فشل الوساطات الديبلوماسّة والعودة إلى "لغة الحرب". حتى أن وزير الدفاع يسرائيل كاتس، قال، في تصريحٍ، إن المرشد الإيرانيّ الحاليّ مُجتبى خامنئي "مستهدف بالقتل". في غضون ذلك، أفاد مصدر إسرائيليّ مُطلع على البرنامج النوويّ الإيرانيّ لصحيفة "هآرتس"، بأن تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بشأن امتلاك إيران بالفعل قنابل ذرية هي "كذب". وجاء هذا "التكذيب"، وفقًا للصحيفة الإسرائيليّة، بعد تصريحاتٍ للأخير قال فيها: "قررتُ غزو إيران مرتين لإنقاذنا من الدمار الذي كانت ستسببه القنابل الذرية، التي كانت في حوزتهم بالفعل، وأنتم تعلمون من كان سيوجد هنا اليوم". ويعملُ نتنياهو على تبرير أسباب الحرب على إيران، خصوصًا أنه يواجه انتقاداتٍ متزايدةً داخليًا مع بروز اسم رئيس أركان الجيش الإسرائيليّ الأسبق وزعيم حزب "يشار" المعارض غادي آيزنكوت، كمنافسٍ جدّيٍ ومحتملٍ لرئاسة الحكومة. وتُفاقِم المستجدات الإيرانيّة "العائمة على بحرٍ من التناقضات" هشاشة الأوضاع اللبنانيّة، خصوصًا أن نظام "الثورة الإسلاميّة" يستمرُ في الحديث عن ربط الجبهتين، بينما يرفض لبنان الرسميّ هذا الأمر. وأكّد رئيس الجمهورية جوزاف عون، أمس الأربعاء، أن لبنان دولة ذات سيادة، تتولى التفاوض عن نفسها، وتتّخذ قراراتها باستقلاليّة انطلاقًا من مصالحها الوطنيّة. وشدّد على أن اعتماد المسار التفاوضيّ جاء باعتباره "أفضل الممكن"، بعد فشل تجارب الحروب في تحقيق الأهداف المنشودة. وكرّر التأكيد أن "صيغة الإطار" الموقّعة في واشنطن "ليست اتّفاقًا نهائيًّا، بل إطارًا تفاوضيًّا يتضمّن بنودًا تتّصل بانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانيّة، وعودة النازحين، واستعادة الأسرى، إضافةً إلى بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها".

في موازاة ذلك، حملت المقابلة التي أجراها رئيس الحكومة نواف سلام المضامين عينها، لجهة تشديدها على أن لبنان "أمام إطارٍ ثلاثيٍّ يهدف إلى تنظيم المفاوضات وصولًا إلى اتفاقٍ نهائيّ". وقال: "لسنا من هواة التفاوض"، إلا أن الظروف التي فرضتها الحرب دفعت الدولة إلى اعتماد هذا المسار باعتباره الأقل كلفةً على البلاد. وإذ كشف أن الانسحاب الإسرائيليّ سيبدأ خلال أيام، وسيشمل منطقتي زوطر الغربية وزوطر الشرقية وعددًا من القرى الأخرى، لفت إلى أن "هناك مغالطات تُتداول بشأن تضمين اتفاق إسلام آباد بندًا ينص على انسحاب إسرائيل من لبنان خلال ستين يومًا، مؤكدًا أن هذا الأمر غير وارد في نص الاتفاق"، في معرض ردّه بشكلٍ غير مباشرٍ على ادعاءات وزراء ونواب "حزب الله". ويسعى لبنان إلى انتزاع وقفٍ شاملٍ لإطلاق النار وتحقيق الانسحاب الإسرائيليّ، معتمدًا على الضغوط الأميركيّة التي يمكن أن تُسهِمَ في دفع الأمور إلى الأمام، خصوصًا أن تلّ أبيب لا تبدو متحمسة لهذا الخيار، مع إعلانها المتكرّر على أنها ستبقى في ما تسميه "المنطقة الأمنيّة" طالما اقتضت الحاجة وحتى "زوال التهديدات". ويدخلُ تأجيل المرحلة التجريبيّة للانسحاب، وفق الرواية الإسرائيليّة، إلى حين الاتفاق على آليّة رقابةٍ مشتركةٍ، ضمن هذا الإطار. إذ يكشف أنّ النزاع لم يعد مقتصرًا على تطبيق الاتفاق، بل انتقل إلى تحديد الجهة التي تملك حقّ تقييم التطبيق. فإسرائيل تريد آليّةً لا تراقب الخروقات فقط، بل تتابع تحرّكات الجيش اللبنانيّ ضدّ "حزب الله"، وتحدّد إذا كان هذا التحرّك "ملموسًا وفوريًّا". وهنا يكمن لبُّ القضية وجوهرها، لأن موضوع السلاح لا يزال شائكًا ويحتاج إلى مسارٍ طويلٍ، فيما لبنان لا يملك "ترف" الوقت وهو الساعي إلى ضبط الأمور ومحاولة استعادة الاستقرار الداخليّ.

أما ميدانيًا، فالخروقات الإسرائيليّة مستمرة، إذ نفّذ الاحتلال سلسلة تفجيراتٍ استهدفت بلدات حداثا وعيناتا ومحيط بيت ياحون في قضاء بنت جبيل، وسط سماع دوي انفجاراتٍ عنيفةٍ في المنطقة. كما شنّت مسيّرة غارةً استهدفت بلدة النبطية الفوقا، في حين تحدثت وسائل إعلاميّة عن إحراق جيش العدو عددًا من المنازل في بلدة بيت ياحون. لكن الخوف مما ستحمله الأيام المقبلة تجسّد في إقامة الاحتلال بواباتٍ وعزل منطقة الشريط الأمنيّ الذي استحدثه داخل الأراضي اللبنانية عن العمق اللبنانيّ، في أول إجراءٍ عمليٍ منذ عام 2000. وينعكسُ هذا التصعيد بشكلٍ جديٍ على المفاوضات ويُسهم في زيادة الانقسام الداخليّ، وسط حديثٍ مُتكرّرٍ عن عودة شبح الحرب الأهليّة ليطلّ من بين ثنايا هذه الأزمة المُعقدة. إلى ذلك، ذكرت القيادة المركزية الأميركيّة (سنتكوم) في بيانٍ، أن قائدها الأدميرال براد كوبر ناقش مع كبار القادة العسكريين من البحرين ومصر والأردن والكويت ولبنان وعُمان وقطر والسعودية وسوريا والإمارات، واليمن "البيئة الأمنية الإقليميّة الراهنة، وفرص تعزيز التعاون الدفاعيّ في جميع أنحاء المنطقة". وأسفرت الحرب على إيران عن ارتفاع منسوب المخاوف الأمنيّة، لا سيّما لدى دول الخليج العربيّ، التي تسعى اليوم إلى وضع ترتيباتٍ جديدةٍ بناءً على ما أفرزه الصراع، بعدما عاشت هول المُسيّرات والصواريخ الإيرانيّة التي انهمرت على منشآتها ومراكزها الحيوية، ونتج عنها خسائر جسيمة.

لكن هذه الدول لا تريد للقتال أن يستمر وللنزاع أن يتمدّد، خصوصًا أن جبهات أخرى فُتِحَت، بما يُنذر بتأزم المشهد العام. لكن وسط هذا "النفق المظلم"، تعيشُ سوريا على وقع "بصيص أمل"، تمثل في استكمال تشكيل مجلس الشعب السوري على أن يعقد أولى جلساته يوم الاثنين المقبل. وجاء الإعلان عن الثلث المكمل الذي عيّنه الرئيس أحمد الشرع ليُرّمم الفجوات التي ظهرت في نتائج عملية الانتخابات غير المباشرة. إذ ارتفعت حصة التمثيل النسائي من ست عضوات إلى 21 عضوة، بتعيين خمس عشرة سيدة ضمن قائمة السبعين، التي ضمت أيضًا شخصياتٍ من القوى السياسيّة التقليدية، وممثلين عن بعض المكونات العشائرية التي لم تُمَثَّلْ في نتائج الانتخابات، إضافةً إلى خمسة أعضاء من ذوي الاحتياجات الخاصة. وأوضح رئيس اللجنة العليا للانتخابات، محمد طه الأحمد، في مؤتمرٍ صحافي، أن قائمة الأعضاء المعينين "تضم ذوي شهداء، وناجين من المعتقلات، ومن الهجمات الكيميائيّة، إلى جانب نخبة من الأكاديميين، والخبراء، وأصحاب الكفاءات، ووجهاء المجتمع، والشخصيات الوطنية التي عُرِفَت بخبرتها ونزاهتها وخدمتها للشأن العام". وشدد على أن هذه الاختيارات "تعكس الوفاء لتضحيات الشعب السوري". ولاقى هذا الإعلان ترحيبًا كبيرًا، لكنه لم يخلُ من الانتقادات، خصوصًا أن كُثر يعتبرون المسار الانتخابيّ الذي اعتُمِدَ يفتقر إلى النزاهة والشفافية المطلوبة. وتسعى دمشق إلى إعادة تحسين أوضاعها السياسيّة بعد سنواتٍ طويلةٍ من الحرب التي قضت على مقوماتها. لكنها تواجه تحدياتٍ جسيمةً داخليًا وخارجيًا، خصوصًا أن إسرائيل تحاول الاستمرار في عدوانها. ففي هذا السيّاق، نفذت قوات الاحتلال في ساعةٍ متأخرةٍ من ليل أمس الأربعاء، قصفًا مدفعيًا على أراضٍ في ريف درعا الغربيّ وريف القنيطرة الجنوبيّ.

ولا تنفصل الخروقات السورية عمّا يجري في قطاع غزّة، حيث تتوالى السيناريوهات التي تتحدث عن عودة مخطط تهجير الفلسطينيين، وصولًا إلى دور "مجلس السلام" الذي يعتريه الكثير من الغموض، لا سيّما بعد إعلانه صراحةً أنه "لا مكان لوكالة الأونروا في غزّة الجديدة". فأثار هذا الأمر استياءً فلسطينيًا رسميًا، فقالت الخارجية الفلسطينيّة، في بيانٍ، إن الأونروا "شريان حياة، وغير قابلة للاستبدال، وعامل استقرار"، مشددةً على أنها تأسست بقرارٍ دوليٍ وبولايةٍ واضحةٍ، مضيفةًَ أن "عملها مرحبٌ به في دولة فلسطين". ويتفق كلام ما يُسمى بـ"مجلس السلام" مع مساعي تلّ أبيب إلى إقصاء الوكالة وإنهاء عملها بشكلٍ كلّي. في إطارٍ متصل، صادق الكنيست الإسرائيليّ بالقراءة التمهيدية على مشروع "قانون المؤذن"، الذي يحظر رفع الأذان عبر مكبرات الصوت في القدس وداخل الخط الأخضر، في ما وصفته حركة "حماس" بأنه تصعيد "للحرب الدينيّة" التي تشنّها إسرائيل ضد المقدسات والهوية الإسلاميّة. ولا تتوقف الاعتداءات الإسرائيليّة عند هذا الحدّ، إذ منحت تلّ أبيب واشنطن قطعة أرضٍ كانت مملوكةً لفلسطينيين في القدس المحتلة مقابل دولارٍ واحدٍ، وفق اتفاقيةٍ عُقِدَت بينهما، أمس الأربعاء، بهدف إقامة المقرّ الدائم لسفارة الولايات المتحدة في المدينة، في خطوةٍ قالت إسرائيل إنها تعكس "التحالف الوثيق" بين الجانبين.

وفي الآتي، أبرز ما ورد في الصحف العربيّة الصادرة اليوم:

كتبت صحيفة "الغد" أنه "كلما اعتقدت المنطقة أن شبح الحرب بدأ يتراجع، تعود واشنطن لتؤكد أن الخيار العسكري لم يغب يومًا عن الطاولة، فما كشفته التسريبات الأخيرة عن مناقشات داخل البيت الأبيض بشأن استئناف الحرب على إيران لا يوحي بأن السلام بات أقرب، بل يكشف أن الدبلوماسية نفسها أصبحت جزءًا من لعبة الضغط، وأن الحرب لم تلغَ، وإنما أرجئت إلى حين". وأوضحت أنه "قد يكون ترامب مقتنعًا بأن تأجيل الحرب يمنحه فرصة لتحقيق مكاسب سياسية ودبلوماسية، لكنه يدرك كذلك أن فشل المفاوضات سيعيده إلى النقطة نفسها، وربما في ظروف أكثر تعقيدًا، لذلك فإن ما نشهده اليوم ليس نهاية الأزمة، بل إعادة ترتيب لمراحلها". وخلصت إلى القول إن "الشرق الأوسط يعيش هدنة أكثر مما يعيش سلام، والهدنة بطبيعتها قابلة للانهيار عند أول اختبار حقيقي".

وأشارت صحيفة "الأهرام" المصرية إلى أنه "يُحسب لكل من الولايات المتحدة وإيران أن الانتهاكات المتقطعة التي حدثت مؤخرًا لم تؤثر على ثبات الاتفاق، أو تدفع أحدهما إلى إلغائه والعودة إلى الحرب بصورتها الحادة. ما يشير إلى أن الجانبين قررا حسم المعركة بتسجيل النقاط على طاولة مفاوضات، يمكن أن تتعدد أماكنها بين إسلام أباد والدوحة وجنيف، وربما عواصم أخرى. وهي رسالة تكشف حجم الراغبين في تحويل المعركة العسكرية لدبلوماسية، عبر عملية سياسية، يمكن أن تستغرق فترة أطول من الستين يوما المقررة". وشدّدت على أن "تحويل المفاوضات إلى عملية سياسية ممتدة، يضاعف الضغوط الداخلية على الإدارة الأميركيّة، ويقود إلى تعليق أو تجميد بعض الملفات. الأمر الذي يمثل منجزًا مريحًا لطهران. الضغوط كفيلة بحث الرئيس ترامب على الاستعجال لتوقيع اتفاق نهائي مبتور في ملامحه، ولا يحقق الحد الأدنى لما أراده من الحرب".

وتحدثت صحيفة "الجريدة" الكويتية عمّا أسمته "التحديات المتعاظمة والمتزايدة التي تحيطُ بمجلس التعاون الخليجيّ، والتي تتطلب قرارات حاسمة، فمنذ الألفية الثالثة بدأت المنظومة العالمية في اتخاذ مسارات متعددة التحالفات وتشابكت المصالح المتقاطعة، وبات لازمًا الاستجابة للمستجدات الأمنية والجغرافية والتكنولوجية والسياسية والاقتصادية". وأضافت أنه "آن الأوان أن يكسر مجلس التعاون صمته، أي بتحرُّك سريع ودؤوب في عدم التسامح إطلاقاً مع كل تهديد إيراني لأي دولة من أعضائه بما من شأنه أن يمس دول مجلس التعاون منفردة أو مجتمعة أو مصالحها الأمنية أو العسكرية أو الاقتصادية أو التنموية أو الحيوية والجغرافية، ومهما كان بعدما طغت وتمادت وتجاوزت إيران، لا يمكن مواجهة ذلك وعبور تحدياته إلا بكسر الصمت".

أما صحيفة "القدس العربي"، فرأت أن "الخلاصة المستفادة أن اتفاق أميركا – إيران هو اتفاق احتواء متبادل بين دولتين، أما اتفاق لبنان – إسرائيل فهو اتفاق تحميل لبنان كلفة إعادة إنتاج الأمن الإسرائيلي. لقد خسرت إسرائيل بالاتفاق الأميركيّ مع إيران أهدافها القصوى وجاء الاتفاق مع لبنان ليعوّضها في الساحة التي تستطيع فيها مع واشنطن تحويل التوازن لصالحها". واعتبرت أن "نتائج الاتفاقين تُعبّر عن اختلاف ميزان القوى ووظيفة كل طرف في الاستراتيجية الأمريكية (وداخل اتجاهات الإدارة الأميركيّة نفسها) لكنّها تعبّر أيضا عن الديناميّات التي حكمت العلاقة بين الاتفاقين، فالأغلب أن الإنجاز الذي حقّقته طهران بالاتفاق ساهم في إضعاف قدرات الدولة اللبنانية على المناورة والدبلوماسية وأنتج اتفاقًا قد لا يملك أسباب الحياة".

(رصد "عروبة 22")

يتم التصفح الآن