بصمات

كَأْسُ العالَم!

بَعْدَ أَرْبَعِ سَنَوات، سَيَتِمُّ الِاحْتِفالُ بِانْصِرامِ قَرْنٍ مِنَ الزَّمانِ على ميلادِ "كَأْسِ العالَمِ لِكُرَةِ القَدَم". حَدَثُ "كَأْسِ العالَمِ" لا يَشْغَلُ جَماهيرَ الكُرَةِ المُسْتَديرَةِ وَحْدَها، وَلا يَقْتَصِرُ على مُحِبّي الرِّياضَةِ وَمُمارِسيها فَحَسْب، بَلْ إِنَّ دائِرَةَ الِاهْتِمامِ تَتَّسِعُ لِتَشْمَلَ فِئاتٍ عَريضَةً لا تُدْرَجُ، في المُعْتاد، في عِدادِ عُشّاقِ الكُرَةِ المُسْتَديرَة، بَلْ وَالرِّياضَةِ عُمومًا. يَنْشَغِلُ بِالحَدَث، بِطَبيعَةِ الأَمْر، كُلُّ الَّذينَ يُتابِعونَ مُبارياتِ كُرَةِ القَدَم، المَحَلِّي مِنْها وَالدَّوْلِي، وَيَتَنَسَّمونَ أَخْبارَ الفِرَقِ الكُرَوِيَّةِ وَيَجْعَلونَ مِنْ أَخْبارِ اللّاعِبينَ وَمُدَرِّبيهِمْ غِذاءً روحِيًّا، يَقْتاتونَ عَلَيْه، بَلْ إِنَّ دائِرَةَ الِاهْتِمامِ تَتَجاوَزُ هَذِهِ الفِئاتِ جَميعَها لِيَغْدوَ الجَميعُ مُنْشَغِلًا بِها مَعَ تَبايُنٍ في دَرَجاتِ الِانْشِغال، بِطَبيعَةِ الحال.

كَأْسُ العالَم!

في كُلِّ أَرْبَعِ سَنَوات، مَعَ حُلولِ مَوْعِدِ "الكَأْسِ"، يَتَّضِحُ لِكُلِّ ذي نَظَرٍ سَليمٍ أَنَّ مساحاتِ الِانْشِغالِ بِكُرَةِ القَدَمِ تَتَعاظَم، فَأَخْبارُها، الصَّحيحُ مِنْها وَالمُتَوَهَّم، تَكادُ تَحْجُبُ كُلَّ ما عَداها، فَهِيَ تُحيلُهُ إلى مَناطِقِ الظِّلِّ وَالهامِش. وَإِذا مَا اعْتَبَرْنا الإِحْصائِيّاتِ المُقَدَّمَةَ عَقِبَ الدَّوْرَةِ الأَخيرَةِ لِلْكَأْسِ (قَطَر - 2022) مُؤَشِّرًا دالًّا على مَدى كَثافَةِ الِاهْتِمام، فَنَحْنُ نَتَبَيَّنُ أَنَّ نِسَبَ مُتابَعَةِ أَطْوارِ الكَأْسِ عَبْرَ القَنَواتِ التِّلْفِزْيونِيَّةِ قَدْ فاقَتِ الثُّلُثَ مِنْ حَيْثُ اهْتِماماتُ ساكِنَةِ الكُرَةِ الأَرْضِيَّة، على امْتِدادِ المَوْسِمِ العالَمِيّ.

أَمّا إِذا تَساءَلْنا عَنْ عَدَدِ "المُشاهَداتِ" عَبْرَ الشَّبَكَةِ العَنْكَبوتِيَّة، في مُخْتَلِفِ المَواقِع، فَنَحْنُ نُفاجَأُ بِأَنَّ العَدَدَ يَفوقُ ضِعْفَ ما أَلْمَحْنا إِلَيْه. وَالبادي لِلْعِيانِ كَذَلِكَ هُوَ أَنَّ الِانْشِغالَ بِالبُطولَةِ الرِّياضِيَّةِ العالَمِيَّة، في فَتْرَةِ تَنْظيمِها، لا يَقْتَصِرُ على فِئَةٍ عُمْرِيَّةٍ مُحَدَّدَة، مِثْلَما أَنَّهُ لا يَنْحَصِرُ في جِنْسِ الذُّكورِ دونَ الإِناث، أَوْ أَنَّ أَميرْكا الشَّمالِيَّةَ توجَد، كَما اعْتَدْنا ذَلِكَ في العُقودِ السّالِفَة، خارِجَ دائِرَةِ الِانْشِغالِ بِأَمْرِ الكُرَةِ المُسْتَديرَة، بَلْ إِنَّ "السّاحِرَةَ" أَصْبَحَتْ تُدْرَجُ، في أَميرْكا الشَّمالِيَّة، في قائِمَةِ الرِّياضاتِ الأَكْثَرِ شَعْبِيَّة.

لا مَنْدوحَةَ عَنِ الإِقْرارِ بِكَوْنِ كُرَةِ القَدَمِ شَأْنًا عالَمِيًّا وَعِشْقًا كَوْنِيًّا، وَمِنَ الِاعْتِرافِ بِأَنَّ لَها مِنَ النُّفوسِ مَكانًا تَنْفَرِدُ بِهِ مِنْ بَيْنِ كُلِّ الرِّياضاتِ الكُبْرى. وَحَديثُ "السّاحِرَةِ" يَتَفَرَّعُ وَيَتَشَعَّبُ لِيَطالَ مَقاماتِ العِشْقِ وَالتِّجارَةِ وَالصِّناعَة، وَيَرْتَفِع، فَهُوَ يَرْقى إلى مُسْتَوَياتِ الكَوْنِيَّةِ وَالفَعّالِيّاتِ العابِرَةِ لِلْقارّات. بَيْدَ أَنَّ ما يَسْتَرْعي مِنّي الِانْتِباهَ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِه، في حَديثي اليَوْم، أَمْرانِ اثْنانِ أُجْمِلُهُما في مُلاحَظَتَيْنِ اثْنَتَيْن. وَأُشَدِّدُ على القَوْلِ بِأَنَّ حَديثِيَ حَوْلَ الكَأْسِ العالَمِيَّةِ وَلَيْسَ فيها، فَلَسْتُ بِأَهْلٍ لِلْخَوْضِ في المَوْضوع، في جَوانِبِهِ الفَنِّيَّةِ وَالمالِيَّةِ وَما اتَّصَلَ بِها.

إحداث فهم جديد لمعاني النجومية والمال والانتماء

الْمُلاحَظَةُ الْأولى الَّتي أَجِدُ أَنَّها تَسْتَرْعي الِانْتِباهَ في حَديثِ "كَأْسِ الْعالَمِ" تَتَّصِلُ بِالتَّسْمِيَةِ ذاتِها (بُطولَةُ كَأْسِ الْعالَمِ لِكُرَةِ الْقَدَم). ذَلِكَ أَنَّ التَّسْمِيَةَ - شَعْبِيًّا على كُلٍّ - قَدْ تَمَّ اخْتِصارُها بِـ"الْمُونْدِيال" (MUNDIAL) أَوْ "كَأْسِ الْعالَمِ" بِإِطْلاقِ الْقَوْل، كَما يَقُولُ الْمَناطِقَة، مِنْ دونِ حاجَةٍ إِلى تَخْصيصِ نَوْعِ الرِّياضَةِ الْمُتَبارى مِنْ أَجْلِ الْفَوْزِ بِبُطولَتِها.

لَمْ يَعُدِ النّاسُ في حاجَةٍ إِلى الْقَوْلِ إِنَّ الْأَمْرَ يَتَعَلَّقُ بِكُرَةِ الْقَدَمِ تَحْديدًا، بَلْ إِنَّ نَعْتَ "الْعالَمِ" يَرِدُ في الْأَذْهانِ مُقْتَرِنًا بِالْكُرَةِ الْمُسْتَديرَةِ كَما لَوْ كانَتْ هِيَ الرِّياضَةَ الْوَحيدَةَ الْمَوْجودَةَ في الْعالَم. وَلَيْسَ يَخْفى أَنَّ هَذا الْقَوْلَ الْمُطْلَقَ لَهُ أَبْعادٌ مُخْتَلِفَة (اقْتِصادِيَّة، وَاجْتِماعِيَّة، وَسيكولوجِيَّة، وَأُخْرى إِيدْيولوجِيَّة، مِنْ حَيْثُ انْعِكاساتِ الْعَوامِلِ الْمَذْكورَة). بِطَبيعَةِ الْأَمْرِ، يَحْمِلُ في ذاتِهِ دَلالَةً كافيةً وَواضِحَةً مَعًا، فَهُوَ قَوْلٌ يَشي بِمَكانَةِ كُرَةِ الْقَدَمِ مِنْ ساكِنَةِ الْكُرَةِ الْأَرْضِيَّة.

في كُرَةِ الْقَدَم، على النَّحْوِ الَّذي نَتَحَدَّثُ عَنْه، إِحْداثُ فَهْمٍ جَديدٍ لِمَعاني النُّجومِيَّةِ وَالْمالِ وَالِانْتِماءِ إلى الْوَطَن، مِمّا نَجِدُ لَهُ ذِكْرًا كَثيرًا عِنْدَ أَعْدادٍ مِنَ الْمُفَكِّرينَ وَعِنْدَ عُلَماءِ السّيمْيائِيّاتِ وَالْفَلاسِفَة. لَمْ تَعُدِ الْحِكايَةُ حِكايَةَ "ميرْكاتو"، وَلا أَمْرَ "بورْصَةٍ" تَقُومُ بِتَعْيينِ الْقيمَةِ الْمالِيَّةِ لِعَطاءِ اللّاعِبِ وَالْمُتَوَخّى مِنْ مَرْدودِيَّتِه، بَلْ إِنَّها تَذْهَبُ إِلى أَبْعَدَ مِنْ ذَلِك، مِمّا لا يَسْمَحُ الْمَقامُ بِالتَّوَسُّعِ فيه، فَنَحْنُ نَكْتَفي بِالْإيماءِ وَالْإِشارَة.

يجب التمييز بين الجنسية القانونية أو الاسمية في فريق وطني

أَمَّا الْمُلاحَظَةُ الثّانِيَة، فَتَتَعَلَّقُ بِالْوَهْمِ الذي يَعْلَقُ بِأَذْهانِ الْكَثيرينَ حينَ الْحَديثِ عَنْ لاعِبي الْكُرَة، مِنْ جِهَةِ جِنْسِيّاتِهِمُ الْفِعْلِيَّة، وَما يُقَدِّرونَ مِنْ وُجوبِ اعْتِبارِ الْميلادِ فَوْقَ الْأَرْضِ الَّتي يَنْتَمي إِلَيْها الْفَريقُ شَرْطًا في صِحَّةِ الِانْتِماءِ وَفي الدَّلالَةِ الْفِعْلِيَّةِ لِجِنْسِيَّةِ الْفَريق.

وَزُبْدَةُ الْقَوْلِ عِنْدي، وُجوبُ التَّمْييزِ بَيْنَ الْجِنْسِيَّةِ الْقانونِيَّةِ أَوِ الِاسْمِيَّةِ لِلاعِبِ كُرَةِ الْقَدَمِ في فَريقٍ وَطَنِيٍّ، وَبَيْنَ انْتِمائِهِ الْوِجْدانِيِّ لِلْبَلَدِ الذي يَحْمِلُ قَميصَهُ في الْمَلْعَب. كُلُّ قَوْلٍ في الْجِنْسِيَّةِ "الْفِعْلِيَّةِ" أَوِ الْقانونِيَّة، وَما تَعَلَّقَ بِهَذا الْقَوْل، يَغْدو - إِزاءَ قُوَّةِ الِانْتِماءِ الْوِجْدانِيِّ (الثَّقافِيّ، التّاريخِيّ) وَالْإِرادَةِ الْحُرَّةِ لِلّاعِب - قَوْلًا مَجّانِيًّا مَرْدودًا لِتَبْريرِ ضَعْفٍ أَوْ حِقْدٍ أَوْ حَسَد، أَوْ كُلِّ هَذِهِ النَّقائِصِ مُجْتَمِعَة. وَفي الْقَوْلِ في الْجِنْسِيَّةِ وَالتَّجَنُّس، وَفي الِانْتِماءِ الْفِعْلِيِّ (الثَّقافِيّ، الْوِجْدانِيّ)، ما تَمْلِكُ "كَأْسُ الْعالَمِ" أَنْ تُلَقِّنَنا فيهِ دَرْسًا عَميقَ الْأَثَر.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن