الأمن القومي العربي

الأمن الرقمي: الاستثمار الغائب في العقول العربية!

القاهرة - أحمد أبو المعاطي

المشاركة

تُعدّ سلسلة الإجراءات التي أعلنت عنها الحكومة المصرية، من أجل استخدام مسؤول لمواقع التواصل الاجتماعي، واحدةً من أهم القضايا التي تواجه المجتمع العربي خلال العقد الأخير، والمتمثّلة في ما يُعرف بـ"الذباب الإلكتروني"، الذي يعتمد بصورةٍ كبيرةٍ على مئات الآلاف من الحسابات المزيّفة، بهدف إثارة النزعات العرقية، وتفجير الخلافات بين الشعوب العربية، وهو الأمر الذي بات يفرض ضرورة التنسيق المشترك، من أجل بناء فضاء رقمي عربي أكثر أمانًا، في مواجهة استغلال التقنيّات الإعلامية الجديدة.

الأمن الرقمي: الاستثمار الغائب في العقول العربية!

تبرز منصات التواصل الاجتماعي في العقدين الأخيرين كإحدى أهم أدوات التأثير في تشكيل الرّأي العام، وإدارة الصراعات الرقمية، بعدما تمكّنت القوة الناعمة في العصر الحديث، من القيام بدورٍ لا يقلّ أهمية عن القوة الصلبة، في تحقيق المصالح والأهداف والمخططات الدولية.

جيوش إلكترونية ينتحل الكثير منها هويات عربية

نجحت المنصات الرقمية بمهارة في السيطرة على الأفراد والمجتمعات، وتوجيههم بقوة الجذب لا بالعنف، ما جعل من ثورة المعلومات والإنترنت، حسبما تقول الدكتورة إيمان فريد، الباحثة في كلية الدفاع الوطني بأكاديمية ناصر العسكرية العليا، إحدى أهم أدوات الغزو الثقافي في العصر الحديث، لما تحدثه من تغيّرات ضخمة في بنية الحياة الاجتماعية، وفرض واقع إعلامي جديد، انتقل بالإعلام إلى مستوى السيادة المُطلقة من حيث الانتشار، واختراق الحواجز المكانية والزمانية كافة، وهو ما يتجلّى بوضوح في ما لعبته خوارزميّات الإنترنت من أدوار كبيرة، وفي ما شهدته المنطقة العربية من تحوّلات سياسية واجتماعية متسارعة، دفعت قطاعات واسعة من الجماهير إلى الخروج إلى الشوارع في ما عُرف بـ"ثورات الربيع العربي" للمطالبة بتغييراتٍ سياسيةٍ جذرية.

تُظهر بيانات مؤشر الرّأي العربي الصادرة عن عامي 2024-2025، أنّ نحو 98% من مستخدمي الإنترنت في 14 دولة عربية، يملكون حسابات على منصة تواصل اجتماعي واحدة على الأقل، حيث تحتلّ منصّات مثل "واتساب" و"فيسبوك" و"إنستغرام" قائمة المنصّات الأكثر استخدامًا في المنطقة العربية، وهو ما حوّلها في ظلّ الانتشار الهائل، إلى أدوات مزدوجة يمكن استخدامها كوسيلة للتوعية والمشاركة، وفي الوقت عينه للتضليل وهندسة الرّأي العام، في ظلّ تنامي ظاهرة ما يعرف بـ"الجيوش الإلكترونية"، التي ينتحل الكثير منها هويات عربية، ويستخدم اللهجات المحلية في عمليات تضليل ممنهجة، اعتمدت في السنوات الأخيرة على تقنيات الذكاء الاصطناعي، في إنتاج محتوى مضلّل يصعب كشفه، وسط تقديرات تشير إلى أن ما يصل إلى 90% من المحتوى عبر الإنترنت، ربّما يكون منتجًا آليًّا بحلول العام 2030.

حملات تضليل منظّمة تستهدف إثارة الخلافات

لعب الاعتماد الكبير على المنصات الرقمية، وتطبيقاتها المختلفة، حسبما يقول الدكتور خالد كاظم، أستاذ علم الاجتماع المساعد في كلية الآداب بجامعة سوهاج، دورًا رئيسًا في أن يتجاوز دورها مجرّد وسيلة للتواصل بين الأفراد، إلى آليّة فعّالة للتأثير في الأفكار وصناعة الرّأي العام، واستغلال تصميم الخوارزميّات من خلال ممارسات وحملات منظّمة، تستهدف إشعال خطابات الكراهية والعنف العابرة للحدود، وزيادة معدّلات الاحتقان السياسي والانقسام الاجتماعي، عبر قوائم من شبكات المصالح، التي تضمّ إلى جانب العديد من الحكومات الأجنبية، متصيّدي الإنترنت، والمتطرّفين المحليين والدوليين، والمنتفعين الانتهازيين، وصولًا إلى وكالات التضليل مدفوعة الأجر، التي دأبت على إطلاق حملات تضليل متواصلة، لم تتوقّف عند حدّ ترويج الأكاذيب المستمرة، لكنّها امتدّت لتشمل تأثيرات مدمرة أخرى، عبر تبنّي سرديّات تُزاوج بين خطاب كراهية طائفي ووطني، وتستهدف إثارة الخلافات حول قضايا إقليمية تتعلّق بالسيادة والأمن القومي، وهو ما تجلّى بوضوح خلال حرب غزّة الأخيرة، وما تبعها من مواجهات إقليمية، خلّفت تأثيرات عميقة في الرأي العام العربي، وضعت المواطن العربي في ما يشبه المتاهة من كثرة الروايات المتضاربة.

ربما تبدو الصورة قاتمة، لكن ذلك لا يمنع الاعتراف بما حقّقه المحتوى العربي المنشور باللغة الإنكليزية عبر العديد من المنصّات الاجتماعية، من نجاحات لعبت دورًا كبيرًا في إعادة تشكيل التصوّرات الدولية تجاه العديد من القضايا العربية، خصوصًا بعد حرب غزّة الأخيرة، وما تداوله المدوّنون العرب من روايات لم تخلُ من بعد إنساني واضح، عزّزت من التعاطف الدولي مع السردية العربية الفلسطينية، وقد أسهمت العديد من حملات المقاطعة التي نظّمت عبر وسائل التواصل، في إحداث تأثيرات فعلية في أداء شركات عالمية في السوق العربية.

يجب العمل على إنشاء مجلس وزراء عربي للأمن السّيبراني

يتفق كثير من الخبراء على أنّ الاستثمار في العقول العربية، هو السبيل الوحيد لمواجهة التحدّيات الكبرى التي يفرضها التنامي الكبير لشبكات التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت، وتقول الدكتورة إيمان عبد القادر، الباحثة في مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار في مجلس الوزراء المصري، إن الاستراتيجية العربية للأمن السيبراني التي أطلقت في عام 2023، يمكن أن تمثّل حجر الأساس في خطط البحث عن منهج تعاوني مستقرّ بين العديد من الدول العربية، والعمل على تحقيق مزيد من الشراكات التعاونية، عبر توفير مزيد من التدريب للكوادر العربية في مجالات الأمن السّيبراني، وهي بداية تفرض على الدول العربية السبع، التي تصنّف ضمن أفضل 50 دولة عالميًّا في مؤشر الأمن السيبراني، والتي تضم "مصر والسعودية والإمارات وعمان وقطر وتونس والمغرب"، تقديم الدعم اللازم لباقي بلدان العالم العربي، التي لم تتخذ بعد إجراءات حقيقية في ركائز الأمن السّيبراني، سواء في ما يتعلق بوضع الإجراءات التشريعية اللازمة، أم تقديم المعلومات، والعمل على إنشاء مجلس وزراء عربي للأمن السّيبراني، يضطلع بمهام حلّ المشكلات السياسية والمالية، التي تعاني منها بعض الدول، وتعوق تنفيذها لاستراتيجيات تمكّنها من حماية أمنها السّيبراني والقومي!.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن