قد تبدو الرسوم التي تفرضها واشنطن على سلعة صينية أو أوروبية بعيدة عن أسرة في القاهرة أو عمّان أو بيروت. هي تُحصَّل عند الحدود الأميركية، لا العربية. لكنّ تكلفتها تتحرّك عبر شبكة الاقتصاد العالمي: من المواد الأولية ومدخلات الإنتاج والشحن إلى المتاجر والمصانع وسوق العمل.
عندما يفقد المنتج العربي قدرته التنافسية لا تبقى الخسارة رقمًا في جدول الصادرات
بلغ التصعيد ذروته في أبريل/نيسان 2025، عندما فرضت الولايات المتحدة رسمًا أساسيًّا قدره 10 في المئة على معظم الواردات، ومعدّلات أعلى على بعض الشركاء. وبحلول نهاية سبتمبر/أيلول 2025، تراوحت الرسوم الأميركية الفعلية على معظم بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ما بين 10 و15 في المئة، وفق صندوق النقد الدولي.
انتهت تلك الرسوم بصيغتها القانونية الأولى في فبراير/شباط 2026، لكنّ الحمائية لم تنتهِ. منذ 24 يوليو/تموز 2026، تفرض واشنطن رسومًا جديدةً بموجب المادة 301 من قانون التجارة الأميركي الصادر في عام 1974 على منتجات 60 اقتصادًا. تخضع المملكة الأردنية الهاشمية لرسم قدره 10 في المئة، فيما يبلغ الرسم 12.5 في المئة على معظم الدول العربية المشمولة، ومنها مصر، والمغرب، والجزائر، والعراق، والسعودية، والإمارات، والبحرين، والكويت، وعُمان، وقطر، مع إعفاءات لمنتجات محدّدة.
وتكشف بيانات لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (إسكوا) أنّ صادرات البلدان العربية إلى الولايات المتحدة تراجعت من 91 مليار دولار في عام 2013 إلى 48 مليارًا في عام 2024، فانخفضت حصّتها من إجمالي الصادرات العربية من 6 إلى 3.5 في المئة. لكنّ الصادرات غير النّفطية ارتفعت خلال الفترة عينها من 14 مليار دولار إلى 22 مليارًا، ما جعل الملابس والأسمدة والألمنيوم والمواد الكيميائية والإلكترونيات أكثر تعرضًا للرسوم.
المكسب المحتمل ربّما يخفي فاتورة مؤجلة
يظهر الخطر مباشرةً في الأردن، إذ كانت السوق الأميركية تستوعب نحو ربع صادراته، وفي البحرين والإمارات بسبب الألمنيوم، وكذلك في مصر والمغرب وتونس بسبب الصناعات التحويلية. وعندما يفقد المنتج العربي قدرته التنافسية، لا تبقى الخسارة رقمًا في جدول الصادرات؛ قد تعني عاملًا لا يُجدَّد عقده، أو مصنعًا يؤجّل التوسع، أو راتبًا ثابتًا أمام أسعار متحرّكة.
وتنتقل الصدمة أيضًا عبر مدخلات الإنتاج. تزيد الرسوم على الحديد والرقائق والآلات والمواد الكيميائية تكلفة السيارات والأجهزة ومواد البناء والمعدّات الطبية وتجهيزات الطاقة الشمسية، ولو لم تخضع السلعة النهائية عينها لرسم جديد. وتبيّن دراسات لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي وصندوق النقد أنّ الموردين الأجانب لا يخفضون أسعارهم عادةً بما يكفي لتعويض الرسوم، فتتحمّل الشركات والمستهلكون معظم التكلفة.
لكن الحروب التجارية لا ترفع الأسعار كلها بالضرورة. بين أبريل/نيسان وسبتمبر/أيلول 2025، تراجعت حصّة الولايات المتحدة من الصّادرات الصينية إلى 10.5 في المئة، في مقابل 14.9 في المئة خلال الفترة عينها من عام 2024. وهبطت الشحنات الصينية إلى السوق الأميركية 25.7 في المئة، بينما ارتفع إجمالي صادرات الصّين إلى أسواق العالم 6 في المئة، مدفوعًا بزيادة الشحنات إلى وجهات أخرى، ولا سيما إلى شرق آسيا والاتحاد الأوروبي.
وقد يدفع فائض السلع المُعاد توجيهها أسعار بعض المُنتجات الصينية إلى الانخفاض في أسواق ثالثة، بما فيها الأسواق العربية، فيستفيد المستهلك من أجهزة وسيارات كهربائية وألواح شمسية وملابس أرخص. غير أن هذا المكسب المحتمل ربّما يخفي فاتورةً مؤجلةً. قد يعجز المصنّع العربي الصغير عن منافسة السلع الرخيصة، فتتراجع الصناعة وفرص العمل. وهكذا يوفّر المواطن مبلغًا عند شراء سلعة، لكنّه قد يخسره أضعافًا إذا تقلص دخله أو أغلق مكان عمله أبوابه.
لا تتجاوز التجارة البينية العربية نحو 14% من إجمالي صادرات المنطقة
وتصل الصدمة عبر النّفط أيضًا. يضغط تراجع نموّ الصين وأوروبا والولايات المتحدة على الطلب على الطاقة، ما يفيد البلدان العربية المستوردة للوقود، لكنّه يقلص إيرادات الدول المنتجة، ويؤخّر المشاريع ويُضعف التوظيف وتحويلات المغتربين. كذلك، يرفع عدم اليقين تكلفة الاقتراض. قدّرت الـ"إسكوا"، في سيناريو وضعته لرسوم عام 2025 لا في حصيلة نهائية محقّقة، بأن تتحمّل مصر والأردن والمغرب وتونس نحو 114 مليون دولار من مدفوعات الفائدة السيادية الإضافية.
ويبقى أصحاب الدخل المحدود الأكثر هشاشةً، لأن الغذاء والطاقة والنقل تستهلك حصةً أكبر من مداخيلهم. وتزداد الحساسية بسبب الاعتماد على الخارج، إذ تتراوح نسبة اعتماد بلدان الخليج العربي، مثلًا، على الغذاء المستورد ما بين 55 و80 في المئة، وفق منظمة الأغذية والزراعة (الفاو). وأصابت الإجراءات التجارية الجديدة واردات عالمية بقيمة 2.64 تريليون دولار بين أكتوبر/تشرين الأول 2024 والشهر عينه من عام 2025، أي 11.1 في المئة من واردات العالم، وفق منظمة التجارة العالمية. في المقابل، لا تتجاوز التجارة البينية العربية نحو 14 في المئة من إجمالي صادرات المنطقة.
تستطيع الدول العربية التعاون لتخفيف الفاتورة والتفاوض جماعيًّا بدلًا من تحرّك كل دولة بمفردها
هنا يستطيع التعاون العربي تخفيف الفاتورة من خلال توحيد المواصفات وشهادات المنشأ، وتبسيط الجمارك، وربط الموانئ ووسائل الدفع، فهذه عوامل تفتح أمام المصدّرين أسواقًا بديلةً. ويمكن لصناديق مشتركة تمويل سلاسل إنتاج تجمع رأس المال والطاقة في الخليج بالعمالة والخبرة الصناعية في مصر والأردن والمغرب وتونس. كذلك، تستطيع الدول العربية تنسيق إجراءات مكافحة الإغراق، ومراقبة أسعار الغذاء والمُدخلات، والتفاوض جماعيًّا بدلًا من تحرّك كل دولة بمفردها.
لن تستطيع المنطقة إيقاف صراع القوى الكبرى، لكنّها تستطيع منع وصول فاتورته كاملة إلى مواطنيها. لا يُدفَع ثمن الحرب التجارية عند الجمارك فقط، بل في سعر السلعة، والرّاتب الذي يتآكل، والوظيفة التي لا تُنشَأ.
(خاص عروبة 22)

