لم تقتصر جرائم الاحتلال الصهيوني ضد الفلسطينيين منذ السابع من أكتوبر 2023 على عمليات القتل الواسعة والتدمير والحصار والتجويع فقط، بل امتدت إلى "الإبادة التناسلية" المنظمة التي تستهدف محو الوجود الفلسطيني من الأساس، وخلق معادلة جديدة مفادها "أرض بلا سكان" لتبرير الاستيلاء عليها واحتلالها. جريمة الإبادة التناسلية للفلسطينيين تعد بحق "أم الجرائم" التي يرتكبها الاحتلال الصهيوني منذ بدء الصراع قبل عقود كثيرة مضت، لكن وتيرتها تضاعفت بعد هجوم طوفان الأقصى، الذي مثّل نكبة حقيقية للدولة العبرية، وأسقط في ساعات معدودة أساطير كثيرة نسجتها حول نفسها، وتحديدا إمكانياتها الهائلة وقدرتها اللا محدودة وقوتها الضاربة وذراعها الطويلة.
هذا الهجوم جعل جيش الاحتلال يفقد عقله وصوابه وأعصابه، ويصاب بالهستيريا والجنون والسعار، ويصمم بشكل همجي على محو قطاع غزة من الوجود، عبر ارتكاب الكثير من الجرائم ضد النساء والأطفال، من بينها "الإبادة التناسلية"، في محاولة يائسة لاستعادة الكبرياء المفقودة وقوة الردع الضائعة، وترميم الصورة الزائفة التي تحطمت تحت أقدام عناصر المقاومة الفلسطينية خلال ساعات معدودة.
التجمع النسوي الفلسطيني أصدر، الأسبوع الماضى، تقريرا اتهم فيه دولة الاحتلال بتنفيذ "الإبادة التناسلية" بحق الشعب الفلسطيني، عبر استهداف القدرة الإنجابية للنساء وتدمير المؤسسات الصحية، وقتل النساء والأطفال، وفرض ظروف معيشية تؤدي إلى العقم وانهيار منظومة الصحة الإنجابية، بما يهدد استمرار الحياة الفلسطينية على مستوى الأجيال المقبلة. التقرير الذي نشرته وكالة "قدس برس" الفلسطينية للأنباء، ذكر أن مفهوم "الإبادة التناسلية" بدأ يبرز فى الأدبيات الحقوقية والإعلامية منذ نهاية عام 2023، بعد توثيق تدمير واسع لمرافق الصحة الإنجابية في قطاع غزة، بينها مركز البسمة للخصوبة الذي دمّره القصف الإسرائيلي، ما أدى إلى تدمير آلاف الأجنّة وعينات البويضات والحيوانات المنوية، في حادثة وصفها أطباء بأنها "محو آلاف الحيوات المحتملة بضربة واحدة" بحسب التقرير.
من جهته، وثّق تقرير لوزارة الصحة في قطاع غزة "460 حالة إجهاض لكل 1000 مولود فى أبريل الماضي، بينما كان يبلغ المعدل قبل الحرب 140 حالة لكل 1000 مولود حي". وذكر التقرير الذي نشره موقع "الجزيرة نت"، الشهر الماضي، أن «57% هو متوسط معدل فقر الدم (الأنيميا) بين النساء الحوامل في غزة، والذي يبلغ ضعف المعدل العالمي، محذرا من أن "فقر الدم يجسّد انهيار الأمن الغذائي حيث تُستنزف الأمهات بيولوجيا قبل أن يفقدن أجنتهن".
كما سجل التقرير تراجعا فى عدد مواليد قطاع غزة، فبينما بلغ عددهم في نوفمبر الماضي 6076 مولودا، انخفضوا في أبريل 2026 إلى 2004 مواليد بنسبة تراجع 67%، مشيرا إلى حالة الاستنزاف الجنيني، حيث لم يعد النظام الصحي قادرا على تعويض الخسائر البشرية، وبات الإجهاض المستنزف الرئيسي للنمو السكاني، مشيرا إلى "وجود 385 حالة تشوه خلقى لدى الأجنة"، عازيا ذلك الارتفاع إلى الحرب وكذلك التجويع الذي تعرّض له القطاع، والنزوح في الخيام ومصادر المياه الملوثة.
هذا الواقع المؤلم كان نتيجة حتمية لحرب الإبادة الجماعية التي تعرض لها القطاع على مدى عامين، وعمليات القتل البطيء عبر الحصار والتجويع والتهجير وانعدام مقومات الحياة بشكل عام، الأمر الذي ساهم في حدوث تدهور حاد في قدرة البيئة الرحمية للنساء في غزة على دعم حياة الجنين، وهو ما يعبر بوضوح عن هدف الاحتلال في إنهاء وتصفية الوجود الفلسطيني في كافة الأراضي المحتلة، وليس في القطاع فقط.
الهدف الإسرائيلي الخبيث والإجرامي، كان وما زال واضحا في تركيز الاحتلال منذ اليوم الأول لحرب الإبادة على استهداف القطاع الصحي في غزة لجعل الحياة مستحيلة على الشعب الفلسطيني، حيث تعرضت 38 مستشفى و96 مركزًا للرعاية الصحية للقصف أو التدمير أو خروجها من الخدمة، فضلا عن استهداف 197 سيارة إسعاف، وفق البيانات الحكومية في القطاع.
الأرقام والتفاصيل والتقارير السابق ذكرها تستدعي دعما عربيا حقيقيا لتثبيت الوجود الفلسطيني على أرضه بكل وسيلة ممكنة، كما أنها تتطلب تدخلا جادا من جانب المجتمع الدولي لمنع الاحتلال من مواصلة حرب الإبادة ضد غزة، عبر الضغط لتنفيذ خطة وقف النار وإنهاء الحرب والسماح بدخول المساعدات الإنسانية، والتصدي لأى سيناريوهات إسرائيلية تستهدف تفريغ الأرض الفلسطينية المحتلة من أصحابها الحقيقيين.
(الشروق المصرية)

