مع طول أمد الحرب، وارتفاع كلفة مواصلتها، واستعصاء حسمها عسكريًّا أو حتى وقفها؛ تتبدل سيرورتها، وتتغير أهدافها، وتتعقد مآلاتها. وقديمًا، قال المفكر الاستراتيجي البروسي، كلاوس فيتز، إن الحرب ظاهرة غير خطية. حتى إن أية نظرية حربية، لا تسلم من الصدفة واللايقين. فالحرب حِرباء تغيّر لونها كلّ لحظة، عبر التفاعل المتبادل بين الإمكانات، والاحتمالات، والحظ. ولطالما أشار كلاوس فيتز إلى "ضباب الحرب"، بمعنى اصطدام الخطط والتقديرات بمفاجآت الواقع. علاوة على "أوهام الحرب"، الناجمة عن سوء التقدير والحسابات الخاطئة. ومن شأن ذلك كله دفع الأطراف المتصارعة إلى معاودة تحديد أهدافها من الحرب.
مثلما تستهدف أوكرانيا تحويل حربها مع روسيا إلى حرب طاقة مروعة، ترنو إيران إلى تحويل الحرب الأمريكية عليها إلى حرب طاقة وصراع حول مضيق هرمز. وذلك بغرض إطالة أمد الحرب، وتعميق تداعياتها، ورفع كلفة استمرارها، وإعاقة حسمها؛ بما يضطر الخصم إلى التراجع وتليين شروط التفاوض. ففي حين يؤكد الرئيس الأمريكي أن بلاده تحكم هيمنتها المطلقة على المضيق، تزعم طهران إبقاءه تحت سيطرتها وإدارتها، وأنها صاحبة القرار الحصري فى إغلاقه أو فتحه. وما بين الحصار الأمريكي والإغلاق الإيراني، تراجع عدد السفن العابرة للمضيق من 135 سفينة يوميًّا، إلى 6 فقط. فيما أبلغ مسؤولون عسكريون أمريكيون الرئيس، ترمب، أن أية محاولة للسيطرة عليه بالقوة، ستكون عملية طويلة الأمد، محفوفة بالمخاطر، ومكلفة للغاية، ماديًّا وبشريًّا. إذ قد تؤدي إلى استهداف السفن الحربية الأمريكية بصواريخ كروز، أو مسيرات إيرانية، فضلًا عن ارتفاع أسعار النفط، دون أية ضمانات بإدراك نصر حاسم.
بدوره، دعا ترمب الأمريكيين إلى تحمل الارتفاع المؤقت في أسعار الوقود، من أجل منع إيران "الشريرة" من امتلاك سلاح نووي. وهي الدعوة التى تزامنت مع تراجع ثقة المستهلكين الأمريكيين في سياساته الاقتصادية خلال أغسطس الحالي. مع تصاعد الضغوط المعيشية الناجمة عن ارتفاع أسعار الوقود والغذاء؛ ما دفع غالبية الأسر إلى خفض إنفاقها. حيث أظهرت بيانات صادرة عن جامعة ميشيغان انخفاض مؤشر ثقة المستهلكين إلى 51 نقطة في أغسطس، لينهي شهرين من التحسن بعدما سجل أدنى مستوى على الإطلاق عند 44.8 نقطة خلال مايو الماضي. وجاء تراجع الثقة مدفوعًا جزئيًّا بارتفاع توقعات التضخم، بعدما عاودت أسعار الوقود صعودها خلال الأسابيع الأخيرة، مع اشتداد وطأة الحرب في المنطقة.
في مسعى منه لإعادة التموضع السياسي، قال ج. د. فانس إن الأولوية القصوى لبلاده في تلك الحرب، باتت الحفاظ على زيادة تدفق النفط والغاز عبر مضيق هرمز؛ بما يتيح إبقاء أسعارهما عند مستويات يمكن للمستهلك الأمريكي تحملها. فيما تأتي مسألة منع طهران من حيازة سلاح نووي في مرتبة تالية. ونقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية عن مسؤولين أميركيين، أن ترمب أبلغ كبار مساعديه باستعداده لإنهاء المواجهة، حتى من دون اتفاق نووي، إذا أعادت إيران فتح المضيق بالكامل. وأن البيت الأبيض زاد تركيزه، خلال الأسابيع الأخيرة، على استئناف الملاحة الحرة. ضمن استراتيجيتها الردعية غير المتماثلة، في حرب غير متناظرة؛ تتحايل إيران على الخلل المفجع في موازين القوى إزاء خصمها الأمريكي، عبر توظيف المعطى الجيوسياسي، المتمثل في مضيق هرمز. مستندة إلى ما تحسبه صمودًا أسطوريًّا، وقدرة فائقة على تحمل الضغوط، وامتصاص ارتدادات الضربات العسكرية، واحتواء تداعيات الحصار والعقوبات الاقتصادية.
استنادًا إلى حسابات اقتصادية، تتطلع طهران إلى تحصيل موارد مالية، تلامس خمسين مليار دولار سنويًّا من المضيق؛ لاستنهاض اقتصادها المتهاوي. فلقد أنشأت "شركة الخليج الفارسي للتأمين البحري" و"هيئة هرمز سيف" للخدمات البحرية، لبيع وثائق تأمين معتمدة من الحرس الثوري، تحت غطاء تقديم خدمات أمنية، ولوجيستية، وبيئية. علاوة على منصة "هرمز آمن"، التي تقدم خدمات ملاحية، كمثل: التأمين، وإدارة حركة السفن، والتزود بالوقود، والاستجابة للطوارئ؛ مع قبول المدفوعات بالعملات الرقمية، للالتفاف على العقوبات الغربية. ومن خلال فرض رسوم تتراوح ما بين 5 و7% من سعر شحنات السفن، التي تستخدم المضيق؛ تحاول طهران استلهام تجربة مضيق ملقا، الذي تشرف عليه إندونيسيا، وماليزيا، وسنغافورة. حيث يدرّ عليها مليارات الدولارات، من خلال تحويل الموقع الجغرافي إلى مصدر عائد اقتصادي، عبر استثمار حركة الملاحة في قطاعات الخدمات البحرية واللوجستية، المرتبطة بالسلامة البحرية، وحماية البيئة والموانئ.
من منظور استراتيجي، تتطلع طهران إلى استخدام المضيق أداة ردع غير متماثلة، بعد تآكل قدراتها العسكرية، بفعل الهجمات الأمريكية - الإسرائيلية المتوالية. كما تنشد الحيلولة دون استخدام المضيق لتمرير القطع الحربية البحرية الأمريكية، التي تستهدفها. واستنادًا إلى تفسيرها البند الخامس من مذكرة التفاهم، الموقعة في 17 يونيو الماضي، وعدم تصديقها على الاتفاقية العامة لقانون البحار لعام 1982؛ تلتمس طهران إفشال ما تعتقد أنه مخطط أمريكي لسلبها ورقة المضيق، التي تعد آخر ما بحوزتها من أوراق تفاوضية. وتأبى طهران إلا تعزيز مكانتها ونفوذها الإقليميين، عبر بسط السيطرة الكاملة على مضيق تراه طاقة دفاعية، جزءًا من أمنها القومي، وعنصر قوة جغرافية واستراتيجية، وركنًا في جغرافيا الصراع بالمنطقة. ويؤكد الإيرانيون أن أوضاع الملاحة بالمضيق لن تعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب. ومن خلال تثبيت السيادة عليه، بأى ثمن، تتطلع طهران إلى توجيه الصراع مع واشنطن صوب مضيق هرمز، وتجميد القضايا الخلافية المركزية، المتعلقة بالبرامج النووية، والصاروخية، والمسيرات، والوكلاء. مع جعل إعادة فتح المضيق جزءًا من صفقة أكبر مع واشنطن.
في سبيل ذلك، تؤكد طهران أن التفاهم الفني مع مسقط، حول خارطة مسارات مرور السفن بالمضيق، لا يعني بالضرورة عودة المضيق إلى وضعه السابق؛ إذ يبقى القرار النهائي مرتبطًا بحسابات أعقد، تتصل بمسار الحرب والعلاقة مع واشنطن. حيث أكد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، أن مضيق هرمز لن يفتح ما لم تصحح أمريكا سلوكها، وتنفذ شروطًا إيرانية ستة، هي: إنهاء العمليات العسكرية ضد إيران وحلفائها، ورفع العقوبات، وسحب القوات الأمريكية من محيط إيران، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، ودفع تعويضات عن الأضرار التي خلفتها الحرب. ما يجعل إعادة فتح المضيق جزءًا من تسوية شاملة، يفترض أن تحصل بموجبها طهران على تنازلات أمريكية. حيث أظهر تقييم للاستخبارات العسكرية الأمريكية، تحول الإيرانيين من الرهان على برنامجهم النووى، إلى الاستثمار في ورقة المضيق.
انطلاقًا من دوافع جيوسياسية: تعتزم طهران إنهاء مبدأ تعدد المسارات في المضيق، والذي اعتمدته وكالة الشحن التابعة للأمم المتحدة عام 1968، ضمن ما يعرف بـ"نظام فصل حركة المرور في الاتجاهين". وتمخض، بدوره، عن إنشاء نظام توجيه السفن الحالي، الذي يقسم ممرات الإبحار عبر المياه الإيرانية والعمانية. وتتوسل طهران تفويت الفرصة على الممر العماني المنافس، الذي سيكون مقصدًا للسفن، نظرًا لمزاياه اللوجيستية الفريدة، كونه الأقصر، والأعرض، والأعمق، علاوة على أن المرور فيه سيكون مجانًا. فمن حيث الطول، يمتد الممر العماني 82 كيلومترًا فقط. ومن حيث العمق، يتراوح الغاطس المائي فيه بين 65 إلى 110 أمتار؛ ما يجعله صالحًا لمرور السفن الضخمة، بما فيها القطع البحرية العسكرية والبوارج الحربية؛ ما يمنحه مزية نسبية أمنية تبعده عن مناطق التوتر. ولطالما كان لجوء السفن للمرور عبر المياه الضحلة الإيرانية القريبة من جزيرتي قشم ولارك، والتي ينحصر عمق المياه فيها بين 35 إلى 65 مترًا فقط، محاولة للابتعاد عن الرقابة البحرية الدولية والمسار العماني. ما أدى في النهاية إلى جنوحها واصطدامها بالقاع، نتيجة عدم ملاءمة الغاطس المائى لحجم الشحنة.
نتيجة لذلك، وعلى مدى ستة عقود خلت، ظلت مسارات الدخول والخروج بالمضيق، تمضي بالكامل عبر المياه الإقليمية العمانية. لذا، تؤكد طهران أن المفاوضات مع عمان تستهدف تحديد مسارات جديدة للملاحة؛ تتيح مرور السفن، في الاتجاهين، عبر المياه الإقليمية للجانبين، وليس المياه الإقليمية العمانية وحدها. مع إنهاء تعدد المسارات، أو استخدام المسار الجنوبي العماني، الذي أطلقته سلطنة عُمان وواشنطن في شهر يونيو الماضي؛ بهدف إضعاف السيادة الإيرانية عليه. وتؤكد طهران أن الخارطة، التي اعتمدتها المنظمة البحرية الدولية عام 1968، وقسّمت المضيق إلى مسارين للدخول والخروج، تفصل بينهما منطقة أمان، قد سقطت مع اندلاع الحرب ضد إيران.
أحيانًا ما تنتهي الحروب، عندما يستعصي حسمها عسكريًّا، أو يدرك أطرافها أن عبء الاستمرار فيها، يفوق كلفة تسويتها. واليوم، تدرك واشنطن وطهران أن تبعات الصراع حول مضيق هرمز، حبيس الحصار والإغلاق، أضحت تتجاوز كلفة محاولة فتحه عنوة أو عبر إبداء مرونة تفاوضية. فهل تعيدان حساباتهما؟!
(الشروق المصرية)

