الأمن القومي العربي

حُظوظُ فَهْمي في الجامِعَةِ العَرَبِيَّة: بَيْنَ مُعْضِلَةِ الميثاقِ وَالميزانِيَّة!

بِتَوَلّي نَبيل فَهْمي، الدّيبْلوماسِيِّ المِصْرِيِّ المُخَضْرَمِ وَوَزيرِ الخارِجِيَّةِ السّابِق، مَنْصِبَ الأَمينِ العامِّ لِجامِعَةِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، خَلَفًا لِأَحْمَد أَبو الغَيْط، تَدْخُلُ المُنَظَّمَةُ العَرَبِيَّة، وَمعها العَمَلُ العَرَبِيُّ المُشْتَرَك، حِقْبَةً جَديدَةً مِنَ التَّوَقُّعاتِ وَالآمالِ لِلْإِصْلاحِ وَالتَّطْوير، لَكِنَّها، كَالْعادَة، تَصْطَدِمُ دائِمًا بِحَقيقَةِ أَنَّ الأَزْمَةَ لَيْسَتْ في هُوِيَّةِ الشَّخْص، بَلْ في "هَيْكَلِ" المُؤَسَّسَةِ نَفْسِها!.

حُظوظُ فَهْمي في الجامِعَةِ العَرَبِيَّة: بَيْنَ مُعْضِلَةِ الميثاقِ وَالميزانِيَّة!

يَعْتَقِدُ البَعْضُ أَنَّ مُهِمَّةَ الأَمينِ العامِّ لِلْجامِعَةِ العَرَبِيَّةِ مِنْ أَسْهَلِ الوَظائِفِ سِياسِيًّا وَإِدارِيًّا في العالَم، فَدَوْرُهُ يَقْتَصِرُ عَلى إِصْدارِ بَياناتِ الشَّجْبِ وَالإِدانَة، وَيَرْتَبِطُ بِتَوافُقِ أَوِ اخْتِلافِ الدُّوَلِ الأَعْضاء.

وَعلى الرَّغْمِ مِمّا يَمْتَلِكُهُ فَهْمي مِنْ إِرْثٍ ديبْلوماسِيٍّ عَريض، وَرُؤْيَةٍ لِتَحْديثِ المَنْظومَة، لَكِنَّ قِراءَةَ مَسيرَتِهِ الِافْتِراضِيَّةِ أَوْ "حُظوظِ وِلايَتِه"، تُحيطُ بِها الشُّكوكُ وَالإِحْباطاتُ المُتَوَقَّعَة.

عُقْدَةُ التَّأْسيسِ وَمُعْضِلَةُ الميزانِيَّة

تُعاني الجامِعَةُ مُنْذُ تَأْسيسِها عامَ 1945 مِنْ ضَعْفِ آلِيّاتِ التَّنْفيذ، حَيْثُ يَشْتَرِطُ ميثاقُها اتِّخاذَ القَراراتِ بِالأَغْلَبِيَّة، لَكِنَّها مُلْزِمَةٌ فَقَطْ لِلدُّوَلِ الَّتِي تُوافِقُ عَلَيْها، مِمَّا يَجْعَلُها "مُجْتَمَعَ نِقاش" أَكْثَرَ مِنْ جِهازٍ تَنْفيذِيّ، كَما وَصَفَها بَعْضُ المُحَلِّلين. كَما أَنَّ غِيابَ آلِيَّةٍ إِلْزامِيَّةٍ لِلِامْتِثالِ يَحُدُّ مِنْ قُدْرَتِها عَلى حَلِّ النِّزاعاتِ أَوْ تَنْفيذِ مُبادَراتٍ مُشْتَرَكَة.

تُعَدُّ الميزانِيَّةُ أَبْرَزَ مُعْضِلاتِ الجامِعَة، حَيْثُ لا تَتَجاوَزُ 60-65 مِلْيونَ دولارٍ سَنَوِيًّا، بِالإِضافَةِ إِلى نَحْوِ 40 مِلْيونَ دولارٍ لِلْمُنَظَّماتِ المُتَخَصِّصَة، بِإِجْمالِيٍّ يُقارِبُ 100 مِلْيونِ دولار.

على الرَّغْمِ مِنْ ضَآلَةِ هَذا الرَّقْم، مُقارَنَةً بِحَجْمِ الِاقْتِصادِيَّاتِ العَرَبِيَّةِ المُقَدَّرَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ 3 تْريلْيون دولار، فَإِنَّ نِسْبَةَ السَّدادِ الفِعْلِيَّةِ غالِبًا ما تَتَراوَحُ بَيْنَ 40 وَ60% فَقَط، مِمّا يُؤَدّي إِلى تَراكُمِ مُتَأَخِّراتٍ وَاسْتِنْزافِ الِاحْتِياطِيّات.

خِلالَ السَّنَواتِ الـ15 الماضِيَة، اسْتَنْزَفَتِ الجامِعَةُ وَمُنَظَّماتُها أَكْثَرَ مِنْ 1.5 مِلْيارِ دولار، بَينَما يَذْهَبُ 60% مِنْ ميزانِيَّةِ المُنَظَّماتِ المُتَخَصِّصَةِ إلى الرَّواتِبِ وَالمُكافَآت. أَمَّا البعثاتُ الخارِجِيَّةُ الَّتي تَلْتَهِمُ ثُلُثَ الميزانِيَّةِ تَقْريبًا، فَيُصْرَفُ 95% مِنْها عَلى رَواتِبَ وَإِيجارات، وَ5% فَقَطْ عَلى أَنْشِطَةٍ حَقيقِيَّة!.

تُبْرِزُ دِراساتٌ فَشَلَ الجامِعَةِ في تَحْقيقِ تَكامُلٍ اقْتِصادِيٍّ أَوْ دِفاعِيٍّ مَلْموس، مُقارَنَةً بِمُنَظَّماتٍ أَصْغَر، مِثْلَ مَجْلِسِ التَّعاوُنِ الخَليجِيّ، على الرَّغْمِ مِنْ مَوارِدِ الدُّوَلِ الأَعْضاءِ الهائِلَة.

وَمُنْذُ عامِ 1945، تَوَلّى المَنْصِبَ ثَمانِيَةُ أُمَناءَ عامّين (حَتّى أَبُو الغَيْط)، مع سَيْطَرَةٍ مِصْرِيَّةٍ كامِلَة، فيما كانَ التُّونِسِيُّ الشّاذِلي (1979-1990) الِاسْتِثْناءَ الوَحيد.

مُقارَناتٌ إِقْليمِيَّةٌ وَدَوْلِيَّة

وَمُقارَنَةً بِمُنَظَّماتٍ أُخْرى، كَالِاتِّحادَيْنِ الأوروبِّيِّ وَالأَفْريقِيّ، تَكونُ المَناصِبُ العُلْيا أَكْثَرَ تَدْويرًا جُغْرافِيًّا، وَتَتَمَتَّعُ الميزانِيّاتُ بِتَمْويلٍ أَفْضَلَ وَآلِيّاتٍ إِلْزامِيَّةٍ أَقْوى.

لَدى الِاتِّحادِ الأوروبِّيّ، مَثَلًا، ميزانِيَّةٌ هائِلَةٌ وَتَكامُلٌ اقْتِصادِيٌّ عَميق، بَيْنَما تُعاني الجامِعَةُ العَرَبِيَّةُ مِنْ ميزانِيَّةٍ مُتَواضِعَة، مُقارَنَةً بِحَجْمِ الدُّوَلِ الأَعْضاء.

"كاريزْما" الأَمينِ العام

وَتَلْعَبُ شَخْصِيَّةُ الأَمينِ العامِّ دَوْرًا مَحْدودًا في الجامِعَة، بِسَبَبِ الطَّبيعَةِ السِّيادِيَّةِ القَوِيَّةِ لِلدُّوَلِ الأَعْضاء، إِذْ يَبْقى الأَمينُ العامُّ "مُديرًا إِدارِيًّا" أَكْثَرَ مِنْ قائِدٍ سِياسِيّ. وَمع هَذا، فَالشَّخْصِيَّةُ القَوِيَّةُ، مِثْلُ عَمْرو موسى الأَمينِ الأَسْبَق، قَدْ تُعَزِّزُ الدَّوْرَ، لَكِنَّها لا تُغَيِّرُ الهَيْكَلَ الأَساسِيّ. إذْ يُثْبِتُ الواقِعُ التّاريخِيُّ لِلْجامِعَةِ أَنَّ "الكارِيزْما" الفَرْدِيَّةَ قَدْ تَصْنَعُ صَخَبًا، لَكِنَّها لا تَصْنَعُ سِياسَةً مُسْتَدامَةً، فَقَدْ اسْتُغِلَّتِ "الكاريزْما" الشَّخْصِيَّةُ في عَهْدِ موسى (2001-2011)، لِإِعادَةِ الزَّخَمِ الإِعْلامِيِّ وَالدّيبْلوماسِيِّ لِلْجامِعَة، وَفَتْحِ مَلَفّاتِ المُجْتَمَعِ المَدَنِيِّ وَالتَّطْوِيرِ الهَيْكَلِيّ. لَكِنْ بِمُجَرَّدِ اصْطِدامِ هَذِهِ "الكاريزْما" بِمَلَفّاتٍ سِيادِيَّةٍ صُلْبَة، مِثْلَ غَزْوِ العِراقِ عامَ 2003 أَوْ ثَوَراتِ الرَّبِيعِ العَرَبِيِّ عامَ 2011، اتَّضَحَ أَنَّ حُدودَ الحَرَكَةِ تَنْتَهي بِتَوافُقِ أَوِ اخْتِلافِ العَواصِمِ الفاعِلَة.

جَدَلُ التَّدْوير

وَيُساهِمُ الأَمينُ العامُّ في إِعْدادِ الميزانِيَّة، وَتَنْسيقِ الِاجْتِماعات، وَمُتابَعَةِ القَرارات، لَكِنَّهُ يَعْتَمِدُ عَلى إِرادَةِ الدُّوَلِ الأَعْضاء.

وَأَثارَ اقْتِرابُ انْتِهاءِ وِلايَةِ أَبو الغَيْطِ جَدَلًا حَوْلَ "تَدْويرِ" المَنْصِبِ وَنَقْلِ المَقَرِّ مِنَ القاهِرَة، خاصَّةً نَحْوَ الرِّياض، حَيْثُ يَرى بَعْضُ المُعَلِّقين، أَنَّ الِاحْتِكارَ المِصْرِيَّ (8 أُمَناءَ مِنْ 9) يَعْكِسُ تَوازُناتٍ قَديمَة، وَيُطالِبونَ بِالتَّداوُلِ لِتَعْزيزِ الشُّعورِ العَرَبِيِّ المُشْتَرَك.

وَشَهِدَتِ الأَرْوِقَةُ العَرَبِيَّةُ دَوْرِيًّا تَجاذُباتٍ حادَّةً وَجَدَلًا سِياسِيًّا، لِلْمُطالَبَةِ بِـ"تَدْويرِ المَنْصِب" على غِرارِ المُنَظَّماتِ الدَّوْلِيَّة، بِدَعْوى ضَخِّ دِماءٍ جَديدَةٍ وَتَحْريرِ القَرارِ المُشْتَرَكِ مِنَ الهَيْمَنَةِ البيروقْراطِيَّةِ لِدَوْلَةِ المَقَر.

وَتَصْطَدِمُ مُحاوَلاتُ التَّدْويرِ هَذِهِ بِعَقَبَتَيْنِ رَئيسِيَّتَيْن:

الأولى، الخَشْيَةُ مِنْ أَنَّ فَتْحَ بابِ التَّنافُسِ عَلَى المَنْصِبِ قَدْ يُحَوِّلُهُ إلى ساحَةِ صِراعٍ وَاسْتِقْطابٍ سِياسِيٍّ مُتَجَدِّدٍ يُعَمِّقُ الِانْقِساماتِ العَرَبِيَّةَ بَدَلًا مِنْ مُعالَجَتِها.

وَالثّانِيَةُ، القَناعَةُ الرّاسِخَةُ لَدى دَوْلَةِ المَقَرِّ بِأَنَّ بَقاءَ القِيادَةِ ضِمْنَ ديبْلوماسِيَّتِها يَمْنَحُ الجامِعَةَ الحَدَّ الأَدْنى مِنَ الِاسْتِقْرارِ اللّوجيسْتِيِّ وَالسِّياسِيِّ اللّازِمَيْنِ لِاسْتِمْرارِها، مِمّا يَجْعَلُ الإِبْقاءَ عَلَى العُرْفِ القائِمِ حَلًّا دِفاعِيًّا لِتَفادي انْهِيارِ المُؤَسَّسَة، وَإِنْ كانَ ذَلِكَ عَلَى حِسابِ طُموحاتِ التَّجْديد.

مِرْآةُ الخِلافات

وَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ فَهْمي جاءَ كَمُرَشَّحٍ تَوافُقِيٍّ لِإِنْهاءِ هَذا الجَدَلِ مُؤَقَّتًا، يَرى بَعْضُ النُّقّادِ أَنَّ التَّدْويرَ قَدْ يُعَزِّزُ الشَّرْعِيَّة، بَيْنَما يُحَذِّرُ آخَرونَ مِنْ أَنَّهُ قَدْ يُضْعِفُ الِاسْتِقْرارَ الإِدارِيَّ مِنْ دونِ إِصْلاحاتٍ أَعْمَق.

لَدى فَهْمي فُرْصَةٌ لِتَعْزيزِ الدَّوْرِ الدّيبْلوماسِيِّ في أَزْماتٍ إِقْليمِيَّة، لَكِنَّ النَّجاحَ يَعْتَمِدُ عَلَى قُدْرَةِ الدُّوَلِ الأَعْضاءِ على تَجاوُزِ الِانْقِساماتِ أَكْثَرَ مِنْ شَخْصِيَّتِه، فَمِنْ دونِ إِصْلاحٍ مالِيٍّ وَمُؤَسَّسِيّ، يَبْقى السّينارْيو "تَكْرارًا" لِلْإِحْباطاتِ السّابِقَة.

وَفيما تَبْدو الجامِعَةُ كَـ"مِرْآةٍ" لِلْخِلافاتِ العَرَبِيَّة، وَلَيْسَ كَـ"فاعِلٍ" لِتَسْوِيَتِها، فَإِنَّ أَيَّ رُؤْيَةٍ لِتَطْوِيرِ العَمَلِ المُشْتَرَكِ تُجْهَضُ فَوْرًا بِسَبَبِ فيتو "الإِجْماعِ" التَّقْليدِيّ، وَتَنافُسِ المَحاوِرِ الإِقْليمِيَّة، إِذْ تَحَوَّلَتِ الجامِعَةُ مِنْ جِهازٍ تَنْفيذِيٍّ يَمْتَلِكُ أَذْرُعًا، كَأَدَواتِ الرَّدْعِ أَوِ الوَساطَة، إلى مُجَرَّدِ "مَساحَةٍ بْروتوكولِيَّةٍ" لِالْتِقاطِ الصُّوَرِ وَإِصْدارِ بَياناتِ الإِدانَةِ وَالشَّجْبِ التي تَفْتَقِرُ إلى آلِيّاتِ التَّنْفيذ!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن