تقدير موقف

"اتفاق مكة": هل بدأت الهند دفع ثمن التحالف مع إسرائيل؟

منذ نحو عام كتبتُ مُحذّرًا من مخاطر استدعاء دولتيْ شبه القارة الهندية - العدوّتين النوويّتين اللدودتين - الهند وباكستان إلى الترتيبات الإقليمية في الشرق الأوسط. هذه الترتيبات كانت تتعلّق أولًا بالصراع المزمن على ملء الفراغ الجيوسياسي العربي الذي بدأ منذ استقالة مصر من دورها الإقليمي منذ نصف قرن، لكنّها بدأت تتعلّق أيضًا بارتفاع منسوب الشك وعدم الثقة في قدرة قواعد أميركا على حماية حلفائها العرب بعد الحرب مع إيران والحاجة إلى مظلّات أمن جديدة. وتتعلّق ثانيًا بالتنافس المحموم على التحكّم بممرّات التجارة القائمة والمستقبلية بين العالم العربي وكل من أوروبا وآسيا والتي زاد من حدّتها الحرب بين مشروعي النفوذ الجيوسياسي الأميركي والصيني المتصارعين وهما الـ"PGII" الأميركي و"طريق الحرير" الصيني.

يعزّز "اتفاق مكة" الثلاثي بين السعودية وباكستان وتركيا من دقّة التحذير القديم ويدفع به إلى مركز ورشة صياغة مستقبل المنطقة في مرحلة ما بعد الحرب الأميركية - الإيرانية التي ما زالت معلّقة.

الغموض المتعمّد في إعلان اتفاق مكة عن تحديد طبيعة التهديد الرئيسي الذي اتفق عليه أطرافه كأساس لقيام التحالف العسكري والأمني فجعل البعض يُرجّح أنّه موجّه إلى إيران وحلفائها، وجعل البعض الآخر يرجّح أنه موجّه إلى إسرائيل لمنع نتنياهو من الانفراد بالمنطقة وتشكيل الشرق الأوسط الجديد.

خسارة الهند تتحوّل إلى مكسب صافٍ لحساب باكستان

ولكن إذا كان ملف "على مَن سيُطلق هذا التحالف الثلاثي الرصاص"؟ غير محسوم خاصة في ظلّ ارتباط أطراف التحالف الثلاثة بروابط تحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة، فإنّ ما يبدو محسومًا على الأقل في المدى القصير أنّ تحالف مكة الثلاثي وضع الهند في مكان الخاسر الأول من إنشائه. فحتى لو لم يكن ذلك مقصودًا سعوديًّا وتركيًّا، فإنّ باكستان ستعمل على توجيه دفّته تدريجيًّا في هذا الاتجاه.

بعبارة أوضح بعد 12 عامًا من تولّيه السلطة بلا انقطاع ربما يبدأ رئيس وزراء الهند الآن فقط في دفع التكلفة الإستراتيجية لمغامرته بالانقلاب على السياسة الخارجية الهندية منذ الاستقلال محوّلًا إيّاها من زعيمة من زعماء عدم الانحياز إلى دولة منحازة ومتحالفة مع أميركا ومن دولة صديقة للعرب والفلسطينيين إلى دولة متحالفة مع إسرائيل ومشاركة بأسلحة وذخائر في الإبادة الجماعية لغزّة، بتقرير موثّق من منظمة العفو الدولية.

الهند تهبط سياسيًا على الرغم من أنها ترتفع اقتصاديًا

لا تخسر الهند فقط، ولكن تتحوّل خسارتها إلى مكسبٍ صافٍ لحساب عدوتها اللدودة باكستان التي تزداد ثقة الأطراف العربية فيها. فقد منح السعوديّون إسلام آباد وضع الحليف الاستراتيجي، وتشارك في آليّة تنسيق سياسي رباعية تضم أنقرة والرياض والقاهرة. وحصلت على دعم عربي وتركي وإيراني للعب دور الوساطة الرئيسي بين أميركا وإيران. في ظرف الأشهر الأربعة الأخيرة فقط، تضاعف وزنها في جنوب آسيا والعالم بشكل غير مسبوق، متجاوزةً حتى استقرارها السياسي الهشّ ووضعها الاقتصادي المأزوم الذي لا يؤهّلها تلقائيًّا للصعود، وذلك على حساب الهند التي، ويا للغرابة، تهبط سياسيًّا على الرغم من أنها ترتفع اقتصاديًّا بشكل لافت.

قامر ناريندرا مودي بإهدار تراث نهرو وإنديرا غاندي مع العالم العربي. وبدأ طريقًا قد يتّسع تدريجيًّا لإضعاف علاقات التجارة والثقافة منذ آلاف السنين مع العرب، بل ربما يغامر على المدى الطويل بمصير العمالة الهندية في الخليج. يبدو هذا التطوّر ردًّا على وضع مودي كل البَيْض الهندي الشرق أوسطي في السلّة الإسرائيلية عبر ثلاثة أخطاء استراتيجية:

- تحويل العلاقات مع إسرائيل إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الخاصة باتت نيودلهي معه جزءًا من بنية القوة العسكرية الإسرائيلية عبر شبكة صناعية/عسكرية متكاملة مشتركة في المُسيّرات والصواريخ والأمن السّيبراني والذكاء الاصطناعي.

الصورة النمطية للهند كجار قديم للعرب تتغيّر إلى حليف لإسرائيل يستهدف الإسلام والمسلمين

- التحوّل في لحظات الصراع الكبرى الحاسمة في المنطقة من شريك متعدّد العلاقات مع العرب وإسرائيل وإيران للاصطفاف التامّ مع إسرائيل في لحظتيْن كاشفتيْن: الأولى حرب غزّة التي شاركت نيودلهي فيها بالذخائر، بل بمتطوّعين هنود في حرب الإبادة الجماعية للفلسطينيين و20 ألف عامل هندي للحلول محل العمالة الفلسطينية. واللحظة الكاشفة الثانية في الحرب على إيران حيث كان مودي الزعيم الأجنبي الوحيد الذي زار إسرائيل قبل حرب 28 شباط مباشرة، ورفع فيها العلاقة رسميًّا إلى مستوى "شراكة استراتيجية خاصّة" متعهدًا بالوقوف إلى جانب إسرائيل.

- الخطأ الثالث هو تزامن توثيق التحالف مع إسرائيل في مواجهة العرب بتبنّي مودي وحزبه للقومية الهندوسية المتطرّفة خاصةً في مواجهة مسلمي الهند، ما جعل الصورة النّمطية للهند كجار قديم للعرب تتغيّر إلى حليف لإسرائيل يستهدف الإسلام والمسلمين بحجّة مكافحة الإرهاب، وهي صورة سعى التيار الإسلامي كثيرًا لتسييدها عن الهند منذ عقود ولم ينجح، لكن بعد التحالف مع إسرائيل ولحظة غزّة الكاشفة اكتسبت هذه الصورة السلبيّة أرضًا جديدة.

أخفقت مقامرة مودي بالمراهنة على أنّ إسرائيل ومسيرة الاتفاقات الإبراهيمية عبر "تحالف I2U2" ستكون بوّابته إلى المنطقة. بل حدث العكس بعد طوفان الأقصى وسقوط مشروع "ممر بهارات IMEC" الذي كان سيدمج السعودية في التطبيع الإبراهيمي. بعده صارت التكلفة الاستراتيجية لاندفاع مودي إلى بنية أمن إقليمية مع إسرائيل أكبر بكثير من ميزاتها.

قد يعيد مودي النظر في مغامرته والحيلولة دون تحوّل علاقته بإسرائيل إلى هزيمة استراتيجية كاملة

التطوّر الدّال على تدهور مكانة الهند عقابًا لنهج مودي هو تراجع دورها الجيوسياسي، فاتفاق مكّة الثلاثي يبرز بجلاء أنّ الهند ليست مطروحةً بأي صورة في ترتيبات الأمن الإقليمية المستقبلية لغرب آسيا والشرق الأوسط.

وقد يؤدّي اكتساب باكستان لوظيفة جيوسياسية منتظمة في المنطقة، بعد التحالف الثلاثي وتراجع قيمة الهند، بمودي إلى إعادة النظر في مغامرته والحيلولة دون تحوّل علاقته بإسرائيل إلى هزيمة استراتيجية كاملة. وقد تفلح أميركا في قلب الطاولة وإحياء وتوسيع المسار الإبراهيمي، ولكن حتّى هذا الحين تبدو الهند الخاسر الأكثر وضوحًا من "اتفاقيّة مكة"!.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن