تقدير موقف

المُحافِظونَ والإصلاحِيّونَ في إيران: صِراعُ السُّلطَةِ أَمْ صِراعُ الرُّؤى؟

مُنذُ نِهايَةِ الحَرْبِ العِراقِيَّةِ - الإيرانِيَّة (1988)، أَصْبَحَ الجَدَلُ بَيْنَ المُحافِظينَ والإِصْلاحِيّينَ أَحَدَ أَبْرَزِ مَلامِحِ الحَياةِ السِّياسِيَّةِ الإيرانِيَّة. فَقَدْ نَشَأَ هَذا الانْقِسامُ مع انْتِقالِ الجُمْهورِيَّةِ الإِسْلامِيَّةِ مِنْ مَرْحَلَةِ الثَّوْرَةِ وَالتَّعْبِئَةِ العامَّةِ إِلى مَرْحَلَةِ بِناءِ الدَّوْلَةِ وَإِدارَةِ الاقْتِصادِ وَالمُجْتَمَع. وَخِلالَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثَةِ عُقودٍ تَعاقَبَتْ حُكوماتٌ وَشَخْصِيّاتٌ تُمَثِّلُ اتِّجاهاتٍ مُخْتَلِفَةً في إِدارَةِ الشَّأْنِ العام، بَيْنَما حافَظَتِ البُنْيَةُ السِّياسِيَّةُ العُلْيا عَلى قَدْرٍ كَبيرٍ مِنَ الاسْتِمْرارِيَّة.

المُحافِظونَ والإصلاحِيّونَ في إيران: صِراعُ السُّلطَةِ أَمْ صِراعُ الرُّؤى؟

بَعْدَ وَفاةِ "آيَةِ اللهِ الخُمَيْني" عامَ 1989، دَخَلَتِ الجُمْهورِيَّةُ الإِسْلامِيَّةُ مَرْحَلَةً جَديدَةً اتَّسَمَتْ بِإِعادَةِ بِناءِ مُؤَسَّساتِ الدَّوْلَةِ وَالاقْتِصاد. وَجاءَتْ رِئاسَةُ هاشِمي رَفْسَنْجاني مُعَبِّرَةً عَنْ هَذِهِ المَرْحَلَة، حَيْثُ اتَّجَهَتِ السِّياساتُ العامَّةُ نَحْوَ البْراغْماتِيَّةِ الاقْتِصادِيَّةِ وَالانْفِتاحِ النِّسْبِيِّ على البيئَةِ الإِقْليمِيَّةِ وَالدَّوْلِيَّةِ بِهَدَفِ تَوْفيرِ المَوارِدِ اللّازِمَةِ لِإِعادَةِ الإِعْمار.

خِلالَ هَذِهِ الفَتْرَةِ بَدَأَتْ مَلامِحُ تَمايُزٍ داخِلَ النُّخْبَةِ السِّياسِيَّةِ بَيْنَ اتِّجاهٍ يَمْنَحُ الأَوْلَوِيَّةَ لِلتَّنْمِيَةِ الاقْتِصادِيَّةِ وَالتَّفاعُلِ مع المُتَغَيِّراتِ الدَّوْلِيَّة، وَاتِّجاهٍ آخَرَ يُرَكِّزُ عَلى الحِفاظِ على الزَّخَمِ الثَّوْرِيِّ وَتَعْزيزِ الهُوِيَّةِ الإيدْيولوجِيَّةِ لِلدَّوْلَة. وَقَدْ أَسْهَمَ هَذا التَّمايُزُ في تَشْكيلِ الأَرْضِيَّةِ الفِكْرِيَّةِ وَالسِّياسِيَّةِ الَّتي انْطَلَقَ مِنْها التَّيّارُ الإِصْلاحِيُّ لاحِقًا.

خاتَمي وَصُعودُ المَشْروعِ الإِصْلاحِي

جاءَ انْتِخابُ مُحَمَّد خاتَمي عامَ 1997 لِيَعْكِسَ تَحَوُّلاتٍ اجْتِماعِيَّةً وَثَقافِيَّةً مُتَراكِمَةً داخِلَ المُجْتَمَعِ الإيرانِيّ. فَقَدْ حَظِيَ مَشْروعُهُ القائِمُ عَلى سِيادَةِ القانونِ وَتَوْسيعِ المُشارَكَةِ السِّياسِيَّةِ وَالانْفِتاحِ الثَّقافِيِّ بِتَأْييدٍ شَعْبِيٍّ واسِع، خُصوصًا بَيْنَ الشَّبابِ وَالطَّبَقاتِ الوُسْطى.

التجربة الإصلاحية واجهت حدودًا مؤسسية فرضتها طبيعة النظام السياسي

شَهِدَتْ تِلْكَ المَرْحَلَةُ نَشاطًا مَلْحوظًا في الصَّحافَةِ وَالحَياةِ الفِكْرِيَّة، كَما اكْتَسَبَ مَفْهومُ "حِوارِ الحَضاراتِ" حُضورًا بارِزًا في السِّياسَةِ الخارِجِيَّةِ الإيرانِيَّة. وَبَدَتِ الجُمْهورِيَّةُ الإِسْلامِيَّةُ آنَذاكَ أَمامَ فُرْصَةٍ لِإِعادَةِ صِياغَةِ العَلاقَةِ بَيْنَ الدَّوْلَةِ وَالمُجْتَمَعِ مِنْ خِلالِ إِصْلاحاتٍ تَدْريجِيَّةٍ تَسْتَجيبُ لِلتَّحَوُّلاتِ الاجْتِماعِيَّة.

غَيْرَ أَنَّ التَّجْرِبَةَ الإِصْلاحِيَّةَ واجَهَتْ حُدودًا مُؤَسَّسِيَّةً واضِحَةً فَرَضَتْها طَبيعَةُ النِّظامِ السِّياسِيِّ الإيرانِيّ. فَقَدِ احْتَفَظَتِ المُؤَسَّساتُ السِّيادِيَّةُ بِأَدْوارِها المِحْوَرِيَّةِ في تَحْديدِ المَساراتِ الكُبْرى لِلدَّوْلَة، الأَمْرُ الذي جَعَلَ عَمَلِيَّةَ الإِصْلاحِ تَتَحَرَّكُ ضِمْنَ نِطاقاتٍ مُحَدَّدَةٍ سَلَفًا. وَأَدّى ذَلِكَ إِلى اتِّساعِ الفَجْوَةِ بَيْنَ سَقْفِ التَّطَلُّعاتِ الشَّعْبِيَّةِ وَالقُدْرَةِ الفِعْلِيَّةِ عَلى إِحْداثِ تَغْييراتٍ سِياسِيَّةٍ عَميقَة.

أَحْمَدِي نِجاد وَإِحْياءُ الخِطابِ الثَّوْرِي

مَثَّلَ وُصولُ مَحْمود أَحْمَدي نِجاد إِلى الرِّئاسَةِ عامَ 2005 تَحَوُّلًا مُهِمًّا في المَشْهَدِ السِّياسِيِّ الإيرانِيّ، إِذْ أَعادَ الاعْتِبارَ لِخِطابِ العَدالَةِ الاجْتِماعِيَّةِ وَالاعْتِمادِ على الذّاتِ وَالتَّشَدُّدِ في مُواجَهَةِ الضُّغوطِ الغَرْبِيَّة، مُسْتَفيدًا مِنْ تَراجُعِ الثِّقَةِ بِقُدْرَةِ المَشْروعِ الإِصْلاحِيِّ على تَحْقيقِ وُعودِه. وَشَهِدَتْ هَذِهِ المَرْحَلَةُ مُنْعَطَفًا حاسِمًا مع انْتِخاباتِ عامِ 2009 وَانْدِلاعِ "الحَرَكَةِ الخَضْراءِ" الَّتي مَثَّلَتْ واحِدَةً مِنْ أَوْسَعِ مَوْجاتِ الاحْتِجاجِ السِّياسِيِّ مُنْذُ الثَّوْرَة، وَكَشَفَتْ عَنِ اتِّساعِ المَطالِبِ المُرْتَبِطَةِ بِالمُشارَكَةِ السِّياسِيَّةِ وَالشَّفافِيَّة، في حينِ أَظْهَرَتْ مُؤَسَّساتُ الدَّوْلَةِ قُدْرَةً كَبيرَةً على احْتِواءِ الأَزْمَةِ وَاسْتِعادَةِ السَّيْطَرَة، بِما عَزَّزَ مَوْقِعَ المُؤَسَّساتِ السِّيادِيَّةِ وَأَكَّدَ دَوْرَها المَرْكَزِيَّ في رَسْمِ مَسارِ النِّظامِ السِّياسِيِّ الإيرانِيّ.

روحاني وَالرِّهانُ على التَّسْوِيَةِ الدَّوْلِيَّة

حَمَلَ انْتِخابُ حَسَن روحاني عامَ 2013 عَوْدَةً لِلنَّهْجِ البْراغْماتِيِّ القائِمِ على تَوْظيفِ الدّيبلوماسِيَّةِ لِمُعالَجَةِ الأَزْماتِ الاقْتِصادِيَّةِ وَتَخْفيفِ التَّوَتُّرِ مع الغَرْب، وَتُوِّجَ هَذا المَسارُ بِالاتِّفاقِ النَّوَوِيِّ عامَ 2015 الذي عَزَّزَ الآمالَ بِتَحْقيقِ انْفِراجٍ اقْتِصادِيٍّ وَسِياسِيّ. إِلّا أَنَّ انْسِحابَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ مِنَ الاتِّفاقِ عامَ 2018، وَما تَبِعَهُ مِنْ تَصاعُدِ العُقوباتِ الاقْتِصادِيَّة، أَضْعَفَ جَدْوى هَذا الرِّهان، وَأَلْقى بِآثارِهِ على الأَوْضاعِ المَعيشِيَّةِ وَالاسْتِقْرارِ الاجْتِماعِيّ، الأَمْرُ الَّذي انْعَكَسَ على مَكانَةِ التَّيّارِ الإِصْلاحِيّ، وَأَدّى إِلى تَراجُعِ الثِّقَةِ بِقُدْرَتِهِ على تَحْقيقِ التَّغْييرِ التَّدْريجِيِّ عَبْرَ التَّفاهُماتِ الدَّوْلِيَّة.

بُنْيَةُ النِّظامِ وَآلِيّاتُ الاسْتِمْرارِيَّة

أَظْهَرَ تَطَوُّرُ العَلاقَةِ بَيْنَ المُحافِظينَ وَالإِصْلاحِيّينَ أَنَّ جَوْهَرَ الصِّراعِ يَرْتَبِطُ بِطَبيعَةِ النِّظامِ السِّياسِيِّ الإيرانِيِّ القائِمِ على مَزيجٍ مِنَ المُؤَسَّساتِ المُنْتَخَبَةِ وَالمُؤَسَّساتِ السِّيادِيَّةِ ذاتِ الصَّلاحِيّاتِ الدُّسْتورِيَّةِ وَالاسْتراتيجِيَّةِ الواسِعَة.

فجوَة مُتزايدة بين سرعة التحوُّلات المجتمعية وإيقاع التكيُّف السياسي والمؤسسي

وَقَدْ أَفْرَزَ هَذا البِناءُ نَموذَجًا يَسْمَحُ بِقَدْرٍ مِنَ التَّنافُسِ السِّياسِيِّ وَتَداوُلِ المَواقِعِ التَّنْفيذِيَّةِ ضِمْنَ إِطارٍ يُحافِظُ على الثَّوابِتِ المُرْتَبِطَةِ بِوِلايَةِ الفَقيهِ وَالأَمْنِ القَوْمِيِّ وَالتَّوَجُّهاتِ الاسْتراتيجِيَّةِ لِلدَّوْلَة، الأَمْرُ الَّذي جَعَلَ التَّنافُسَ بَيْنَ التَّيّارَيْنِ يَدورُ حَوْلَ أَوْلَوِيّاتِ الإِدارَةِ وَالسِّياساتِ العامَّةِ وَوَتيرَةِ التَّغْييرِ وَحُدودِه، في ظِلِّ تَوافُقٍ على الأُسُسِ الحاكِمَةِ لِلْجُمْهورِيَّةِ الإِسْلامِيَّة.

المُجْتَمَعُ الإيرانِيُّ وَتَحَوُّلاتُ ما بَعْدَ 2022

شَهِدَ المُجْتَمَعُ الإيرانِيُّ خِلالَ العُقودِ الأَخيرَةِ تَحَوُّلاتٍ ديموغْرافِيَّةً وَثَقافِيَّةً عَميقَة. فَقَدْ نَشَأَتْ أَجْيالٌ جَديدَةٌ بَعيدَةٌ زَمَنِيًّا عَنْ تَجْرِبَةِ الثَّوْرَةِ وَالحَرْب، وَأَكْثَرُ اتِّصالًا بِالعالَمِ عَبْرَ التِّكْنولوجْيا وَوَسائِلِ الاتِّصالِ الحَديثَة، وَأَكْثَرُ اهْتِمامًا بِالقَضايا الاقْتِصادِيَّةِ وَالحُرِّيّاتِ الفَرْدِيَّةِ وَأَنْماطِ الحَياةِ المُعاصِرَة.

قدرة النظام على التوْفيق بين مُتطلّبات القوّة والاستقرار واستحقاقات التحوُّل المجتمعي والتنمية تُحدّد مسار المرحلة

وَعَكَسَتِ احْتِجاجاتُ عامِ 2022 حَجْمَ هَذِهِ التَّحَوُّلات، حَيْثُ بَرَزَتْ مَطالِبُ اجْتِماعِيَّةٌ وَثَقافِيَّةٌ تَجاوَزَتِ الأُطُرَ التَّقْليدِيَّةَ لِلصِّراعِ السِّياسِيِّ بَيْنَ المُحافِظينَ وَالإِصْلاحِيّين. وَأَصْبَحَ المَشْهَدُ الإيرانِيُّ أَكْثَرَ تَعْقيدًا مع ظُهورِ فَجْوَةٍ مُتَزايِدَةٍ بَيْنَ سُرْعَةِ التَّحَوُّلاتِ المُجْتَمَعِيَّةِ وَإيقاعِ التَّكَيُّفِ السِّياسِيِّ وَالمُؤَسَّسِيّ.

ما بَعْدَ المُواجَهَةِ العَسْكَرِيَّة

أَدَّتِ المُواجَهَةُ العَسْكَرِيَّةُ مع الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وَإِسْرائيلَ إِلى إِعادَةِ تَرْتيبِ أَوْلَوِيّاتِ الدَّوْلَةِ الإيرانِيَّة، حَيْثُ تَعَزَّزَتْ مَكانَةُ الاعْتِباراتِ الأَمْنِيَّةِ وَالدِّفاعِيَّةِ وَحُضورُ مُؤَسَّساتِ الأَمْنِ القَوْمِيِّ في عَمَلِيَّةِ صُنْعِ القَرار. كَما دَفَعَتْ هَذِهِ التَّطَوُّراتُ إِلى تَوْسيعِ النِّقاشِ حَوْلَ قُدْرَةِ الدَّوْلَةِ على المُوازَنَةِ بَيْنَ مُتَطَلَّباتِ الأَمْنِ وَالاسْتِقْرارِ وَمُتَطَلَّباتِ التَّنْمِيَةِ وَالتَّحْديث، في ظِلِّ ضُغوطٍ خارِجِيَّةٍ تُسْهِمُ في تَعْزيزِ التَّماسُكِ الدَّاخِلِيّ، بِالتَّوازي مع تَحَدِّياتٍ اقْتِصادِيَّةٍ وَاجْتِماعِيَّةٍ قَدْ تُؤَدّي إِلى تَعْميقِ التَّبايُناتِ داخِلَ المُجْتَمَعِ الإيرانِيِّ وَتَوْسيعِ نِطاقِ الجَدَلِ حَوْلَ أَوْلَوِيّاتِ المَرْحَلَةِ المُقْبِلَة.

وَفي ضَوْءِ هَذِهِ المُتَغَيِّرات، تَبْدو إيرانُ مُقْبِلَةً على مَرْحَلَةٍ يَتَحَدَّدُ مَسارُها بِمَدى قُدْرَةِ النِّظامِ على التَّوْفيقِ بَيْنَ مُتَطَلَّباتِ القُوَّةِ وَالاسْتِقْرارِ وَاسْتِحْقاقاتِ التَّحَوُّلِ المُجْتَمَعِيِّ وَالتَّنْمِيَة، وَهِيَ مُعادَلَةٌ سَتُشَكِّلُ مُسْتَقْبَلَ الدَّوْلَةِ وَمَكانَتَها الإِقْليمِيَّةَ خِلالَ السَّنَواتِ المُقْبِلَة.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن