علي خامِنَئي يُشْبِهُ رُسْتَم، لا لِأَنَّهُ بَطَلٌ بِالمَعْنى الأَخْلاقيّ، بَلْ لِأَنَّهُ تَحَوَّلَ إِلى ما هُوَ أَكْبَرُ مِنَ الدَّوْلَةِ نَفْسِها، إِلى الأَصْلِ المُؤَسِّسِ الذي لَمْ يَعُدِ النِّظامُ قادِرًا عَلى تَخَيُّلِ نَفْسِهِ مِنْ دونِه. رُسْتَمُ في الشّاهْنامَةِ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ مُحارِب، بَلْ كانَ تَجْسيدًا لِفِكْرَةِ الحِمايَةِ الَّتي تَتَحَوَّلُ تَدْريجِيًّا إِلى احْتِكارٍ لِلْقَدَر. هكَذا أَيْضًا خامِنَئي: مِنْ حارِسٍ لِلثَّوْرَةِ إِلى شَرْطٍ لِبَقائِها، وَمِنْ مَرْجِعٍ لِلشَّرْعِيَّةِ إِلى مَرْكَزٍ يَمْتَصُّها كُلَّها. غَيْرَ أَنَّ مَأْساةَ رُسْتَم لَمْ تَكُنْ في قُوَّتِه، بَلْ في عَجْزِهِ عَنِ الاعْتِرافِ بِالمُسْتَقْبَلِ حينَ ظَهَرَ أَمامَهُ في هَيْئَةِ الابْن.
هُنا يُطِلُّ مُجْتَبى خامِنَئي بِوَصْفِهِ سُهْرابَ اللَّحْظَةِ الإِيرانيَّة: الابْنُ الَّذي يَتَشَكَّلُ في الظِّلّ، لا في الضَّوْء، الوارِثُ المُمْكِنُ الذي يَقْتَرِبُ مِنْ مَرْكَزِ السُّلْطَة. وَسُهْرابُ في المَلْحَمَةِ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ ابْن، بَلْ كانَ سُؤالَ المُسْتَقْبَلِ نَفْسِه، سُؤالَ الانْتِقالِ الذي لا يَجِدُ لُغَةً شَرْعِيَّةً لِيَحْدُث. في الجُمْهوريَّةِ الإِسْلامِيَّةِ تَكْمُنُ المُفارَقَةُ هُنا بِوُضوحٍ: نِظامٌ تَأَسَّسَ ضِدَّ مَبْدَأِ التَّوْريث، لَكِنَّهُ يَجِدُ نَفْسَهُ مَحْكومًا بِمَنْطِقِهِ الدّاخِلِيّ. فَكُلُّ سُلْطَةٍ طَويلَةِ العُمْرِ تُنْتِجُ مَيْلًا إِلى السُّلالَة، حتّى لَوْ أَنْكَرَتْ ذلِكَ إيدْيولوجِيًّا. وَالسُّؤالُ لَيْسَ إِنْ كانَ مُجْتَبى سَيَرِث، بَلْ إِنْ كانَ النِّظامُ قادِرًا عَلى تَحَمُّلِ فِكْرَةِ الوِراثَةِ مِنْ دونِ أَنْ يَنْقُضَ أُسُسَهُ الرَّمْزِيَّة.
هل ستنتهي إيران إلى إنتاج شاه جديد بلباس ديني؟
لَكِنْ في الشّاهْنامَة، يُقْتَلُ سُهْرابُ قَبْلَ أَنْ يَكْتَمِل. وَهذِهِ لَيْسَتْ فَقَطْ مَأْساةَ أَبٍ وَابْن، بَلْ مَأْساةُ الزَّمَنِ السِّياسِيِّ حينَ يَعْجِزُ عَنِ الانْتِقالِ مِنْ جيلٍ إِلى آخَرَ إِلّا عَبْرَ العُنْف. وَهُنا تَكْمُنُ عُقْدَةُ إيران: هَلْ سَيُقْصى مُجْتَبى كَما أُقْصِيَتْ قَبْلَهُ إِمْكاناتُ الانْتِقالِ الطَّبيعيّ؟ أَمْ أَنَّ الجُمْهوريَّة، التي أَطاحَتِ الشّاهَ بِاسْمِ الثَّوْرَة، سَتَنْتَهي إِلى إِنْتاجِ شاهٍ جَديدٍ بِلِباسٍ دينيّ؟.
في المُقابِلِ، يَظْهَرُ مَسْعود بِزِشْكِيان بِوَصْفِهِ إِسْفَنْدِيار: رَجُلَ المُؤَسَّسَة، حامِلَ الشَّرْعِيَّةِ الإِجْرائِيَّة، لَكِنَّهُ لَيْسَ مالِكَ المَعْنى النِّهائِيِّ لِلسُّلْطَة. وَإِسْفَنْدِيار في المِخْيالِ الفارِسِيِّ هُوَ بَطَلُ الواجِب، لا بَطَلُ التَّأْسيس. يَتَحَرَّكُ ضِمْنَ القانون، لَكِنَّهُ لا يَصْنَعُه. هكَذا يَبْدو بِزِشْكِيان: وَظيفَةً داخِلَ بُنْيَة، لا مَرْكَزًا لَها. وُجودُهُ يَكْشِفُ أَنَّ السُّلْطَةَ الإِيرانيَّةَ لَمْ تَعُدْ وَحْدَةً صُلْبَة، بَلْ طَبَقاتٍ مُتَراكِبَة: قُوَّةُ الأَصْلِ عِنْدَ خامِنَئي، وَإِمْكانُ الوارِثِ عِنْدَ مُجْتَبى، وَشَرْعِيَّةُ الجِهازِ عِنْدَ بِزِشْكِيان. ثَلاثُ طَبَقاتٍ تَتَجاوَرُ مِنْ دونِ أَنْ تَتَطابَق.
إيران تعرف أنّ مشروعها يحتاج إلى محيط مذهبي يُعيد إنتاجه
لَكِنْ ما يَجْعَلُ المَشْهَدَ أَكْثَرَ تَعْقيدًا هُوَ أَنَّ فِرْدَوْسي صاحِبَ الشّاهْنامَةِ نَفْسَهُ ما زالَ حاضِرًا، لا كَشاعِرٍ، بَلْ كَبُنْيَةِ وَعْي. فِرْدَوْسي هُوَ الذّاكِرَةُ الإيرانيَّةُ التي حاوَلَتْ إِنْقاذَ فارِسَ مِنَ الذَّوَبان، وَإِعادَةَ تَأْسيسِ هُوِيَّةِ ما قَبْلَ الإِسْلامِ داخِلَ اللُّغَةِ الإِسْلامِيَّةِ ذاتِها. غَيْرَ أَنَّ المُفارَقَةَ الكُبْرى أَنَّ الجُمْهوريَّةَ الإِسْلامِيَّة، وَهِيَ تُدافِعُ عَنْ قَوْمِيَّةٍ إيرانيَّةٍ ضِمْنِيَّة، تَفْعَلُ ذلِكَ بِلُغَةِ شَرْعِيَّةٍ عَرَبِيَّةٍ - شيعِيَّة. نِصْفُ لِسانِها فارِسِيّ، وَنِصْفُ مُخَيِّلَتِها عَرَبِيٌّ. وَهَذا لَيْسَ تَفْصيلًا لُغَوِيًّا، بَلِ انْقِسامٌ أَنْطولوجِيٌّ في بُنْيَةِ الدَّوْلَةِ نَفْسِها: بَيْنَ الأُمَّةِ بِوَصْفِها ذاكِرَةً قَوْمِيَّة، وَالأُمَّةِ بِوَصْفِها جَماعَةً عَقائِدِيَّةً عابِرَةً لِلْقَوْمِيّات.
وَمِنْ هُنا يُمْكِنُ فَهْمُ الحِضْنِ الباكِسْتانِيِّ العَميقِ لِإيران، لا كَتَحالُفٍ جيوسياسيٍّ عابِر، بَلْ كامْتِدادٍ لِحاجَتِها إِلى فَضاءٍ إِسْلامِيٍّ أَوْسَعَ يُعيدُ تَثْبيتَ شَرْعِيَّتِها حينَ تَضيقُ حُدودُ القَوْمِيَّة. إِيرانُ تَعْرِفُ أَنَّ مَشْروعَها لا يَكْتَمِلُ داخِلَ فارِسَ وَحْدَها، إِنَّهُ يَحْتاجُ دائِمًا إِلى مُحيطٍ مَذْهَبِيٍّ يُعيدُ إِنْتاجَه. لَكِنَّ هَذا التَّوَسُّعَ نَفْسَهُ يُعَمِّقُ التَّوَتُّرَ الدّاخِلِيَّ بَيْنَ الشّاهْنامَةِ وَالدَّعْوَة، بَيْنَ رُسْتَمَ وَفِرْدَوْسي مِنْ جِهَة، وَالحَوْزَةِ وَالعَقيدَةِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرى.
السُّؤالُ الإِيرانيُّ اليَوْمَ لَيْسَ فَقَط: مَنْ سَيَخْلُفُ خامِنَئي؟ بَلْ كَيْفَ يَنْتَقِلُ النِّظامُ مِنْ زَمَنِ المُؤَسِّسِ إِلى زَمَنِ الوارِثِ مِنْ دونِ أَنْ يَنْفَجِرَ مِنْ داخِلِه؟ فَكُلُّ الأَنْظِمَةِ الثَّوْرِيَّةِ تَصِلُ لَحْظَةً تَتَحَوَّلُ فيها مِنْ فِكْرَةٍ إِلى سُلالَة، وَمِنْ وَعْدٍ تاريخِيٍّ إِلى إِدارَةٍ لِلْوِراثَة. هُنا يُصْبِحُ الانْتِقالُ اخْتِبارًا لِلْحَقيقَة: هَلْ كانَتِ الثَّوْرَةُ مَشْروعًا لِتَجاوُزِ المَلَكِيَّة، أَمْ مُجَرَّدَ إِعادَةِ إِنْتاجٍ لَها بِصيغَةٍ لاهوتِيَّة؟.
مأساة الجمهورية الإسلامية أنها ما زالت تؤجّل سهراب خوفًا من أن تعترف بأنّ رستم قد قُتل
رُبَّما مَأْساةُ إِيرانَ لَيْسَتْ في مَنْ يَحْكُمُها، بَلْ في أَنَّ كُلَّ انْتِقالٍ فيها يَبْدو أَقْرَبَ إِلى التّْراجيدْيا مِنْهُ إِلى السِّياسَة. فَفي المَلْحَمَةِ كَما في الواقِع، لا يُقْتَلُ الأَبْناءُ لِأَنَّهُمْ ضُعَفاء، بَلْ لِأَنَّ الزَّمَنَ لَمْ يَتَعَلَّمْ بَعْدُ كَيْفَ يُسَلِّمُ نَفْسَهُ لِمَنْ يَأْتي بَعْدَه. وَهُنا تَحْديدًا تَكْمُنُ مَأْساةُ الجُمْهوريَّةِ الإِسْلامِيَّة: أَنَّها ما زالَتْ تُؤَجِّلُ سُهْراب، خَوْفًا مِنْ أَنْ تَعْتَرِفَ بِأَنَّ رُسْتَمَ قَدْ قُتِل.
وَهُنا السُّؤالُ الأَعْمَق: كَيْفَ سَتَنْتَقِلُ إيران؟ هَلْ مِنْ رُسْتَمَ إِلى سُهْراب؟ أَمْ أَنَّ سُهْراب، كَما في المَلْحَمَة، سَيَبْقى مُسْتَقْبَلًا مَقْتولًا قَبْلَ أَنْ يولَد؟.
رُبَّما هَذا هُوَ السُّؤالُ الإِيرانيُّ اليَوْم: هَلْ تَعيشُ الجُمْهوريَّةُ لَحْظَةَ عُبورٍ مِنْ زَمَنِ رُسْتَمَ إِلى زَمَنِ سُهْراب؟ أَمْ أَنَّها ما زالَتْ تُؤَجِّلُ الابْنَ عَبْرَ مُؤَسَّساتِ إِسْفَنْدِيار، فيما يُواصِلُ فِرْدَوْسي - المَخِيَّلَة - تَأْجيلَ النِّهايَة؟!.
(خاص "عروبة 22")

