نفاد صبر بوتين على الناتو

فلاديمير بوتين يظهر في أثناء زيارته أحد مراكز قيادة المجموعة المشتركة للقوات الروسية في موقع لم يُكشف عنه (الخدمة الصحافية للرئاسة الروسية - أ.ب)

التصعيد بين روسيا وحلف الناتو وصل إلى حافة الإنزلاق إلى حرب نووية. الرئيس الروسي بوتين صبره ينفد بعد أن تخطى حلف الناتو كل الخطوط الحمراء. وكان بوتين قد هدد بتوسع الحرب إذا جرى تزويد أوكرانيا بصواريخ تضرب العمق الروسي، وخرقت أوروبا والولايات المتحدة التعهدات بعدم تزويد أوكرانيا بتلك الصواريخ، وتكرر الأمر مع تزويدها بطائرات إف 16 القادرة على حمل رؤوس نووية، بل قصفت أوكرانيا مقر إقامة بوتين بالطائرات المسيرة، وبلغ الخطر مداه بقصف مصافي النفط وقواعد الطائرات الإستراتيجية ومصانع الصواريخ والبنية التحتية المدنية والعسكرية.

روسيا ترى أن حلف الناتو هو من يشن الضربات وليست أوكرانيا إلا منصة إطلاق للصواريخ والطائرات، فالأسلحة تأتي من حلف الناتو، ويجرى توجيهها بأقماره الصناعية وطائرات الاستطلاع والتجسس، ويشغلها خبراء عسكريون وضباط وجنود من الحلف، وتعتمد موازنة أوكرانيا على ما تضخه دول حلف الناتو من مساعدات مالية ضخمة، تمكن أوكرانيا من دفع الرواتب وتوفير الخدمات. أي أن الحرب بكل عناصرها يشنها حلف الناتو على روسيا، ولا تتمكن روسيا من الرد على الدول المشغلة والمشاركة في الحرب، وهو ما يضع روسيا في موقف ضعيف، تتلقى فيه الضربات دون أن توجع الأطراف الرئيسية المهاجمة.

تعرض الرئيس بوتين لحملات قاسية من الداخل، وصفته بالمتردد والمرتعش، واتسعت الانتقادات لتشمل شخصيات ظلت الأقرب إلى بوتين، من بينها الكسندر دوجين، الذي يوصف بأنه عقل بوتين، والذى قال إن سياسة بوتين تعرض روسيا وأمنها القومي للخطر، وأن روسيا بحاجة إلى شخصية قوية يمكنها اتخاذ مواقف صارمة تجاه حلف الناتو. دوجين لم يكن الصوت الأعلى فهناك العديد من الشخصيات النافذة التي انتقدت صمت بوتين أو صبره، من بينها سيرجى كاراجانوف السياسي البارز ومستشار الكرملين، والذي يرى ضرورة توجيه ضربات إلى عواصم أوروبية، وإمكانية استخدام السلاح النووي حتى يرتدع الغرب الساعي إلى إضعاف وتقسيم روسيا.

الرئيس بوتين ظل يراهن على حدوث تغيرات في الرأي العام الغربي، وصعود قادة جدد، وأن تفتر حماسة الأوكرانيين لحرب لا يمكنهم كسبها، لكن رهانات بوتين لم تتحقق، ولم يتحرك الرأى العام الأوروبي رفضا لحرب يروج لها الإعلام الغربي بقوة، بل يتهيأ لها، حتى إن دولا أوروبية من بينها هولندا أقامت معسكرات لاستقبال الأسرى من الجنود الروس في الحرب المقبلة.

لا يتحمس بوتين لتوجيه ضربات إلى عواصم الدول الأوروبية التي يراها مشاركة فعليا فى الحرب، وعلى رأسها بريطانيا وألمانيا وفرنسا، وكذلك لا يرى ضرورة لاستخدام أسلحة نووية تكتيكية، لأنها ستكون سابقة خطيرة لا يمكن التكهن بنتائجها، فماذا سيفعل بوتين تجاه رأي عام غاضب وضربات لا تتوقف للعمق الروسي؟ خطة بوتين تعتمد على تكثيف الضربات لأوكرانيا، وقطع خطوط إمدادها بالأسلحة والذخيرة، وتدمير كل المنشآت المستخدمة في إطلاق وتوجيه الطائرات المسيرة، بما فيها المباني المدنية التي تحولت إلى مراكز عسكرية، والاستخدام المكثف لقنابل فاب الإنزلاقية، زنة 1500 و3000 كيلو جرام، والصواريخ فرط الصوتية، وقال بوتين إن القوات الروسية تتقدم بثبات على طول الجبهة، واقتربت من آخر المعاقل في إقليم الدونباس، وعلى أعتاب عاصمة إقليم سومي.

ورغم تردد بوتين في توسيع الحرب لتشمل غرب أوروبا، فإنه لا يستبعد استمرار الاستفزازات لتصبح الحرب المباشرة مع حلف الناتو لا يمكن تجنبها، وتتهيأ روسيا لهذه الخطوة، خاصة مع استمرار استعدادات دول الناتو للحرب، وتحديد ميزانيات ضخمة، وتطوير وتوسع الصناعات العسكرية وأعداد الجيوش، لهذا اتخذت روسيا عدة خطوات من بينها التوسع في الصناعات العسكرية وزيادة عدد الجيش وبناء شبكة حلفاء سيخوضون الحرب إلى جانب روسيا إذا اندلعت المواجهات مع دول الناتو، وتحشد روسيا مزيدا من القوات لاجتياح عدد من المقاطعات الأوكرانية، خاصة خاركيف وأوديسا وسومي، وهي مقاطعات تعتبرها روسيا من أراضيها التاريخية، وأغلب سكانها يتحدثون الروسية، ليكون التصعيد فرصة لتحقيق الحلم الروسي القومي باستعادة أراضيها التاريخية. أما توقيف السفن التجارية الروسية، خاصة ناقلات النفط فقد زودتها روسيا بأسلحة ستجعل محاولة توقيفها ومصادرتها اشتباكا عسكريا.

هكذا تقترب المواجهة الشاملة والمباشرة بين روسيا وحلف الناتو لحافة الإنفجار رغم ما تحمله من مخاطر المواجهة النووية، فلا دول حلف الناتو يمكنها قبول انتصار روسيا في الحرب الأوكرانية، ولا روسيا يمكنها تحمل ضربات دول الحلف في العمق الروسي، وكل خطوة تصعيد من جانب يقابلها تصعيد من الجانب الآخر، ليصبح العالم على حافة حرب عالمية بين أكبر قوتين نوويتين.

(الأهرام المصرية)

يتم التصفح الآن