كانَ ذَلِكَ زِلزالًا مُدَوِّيًا اكْتَسَبَ خُطورَتَهُ مِنْ أَهَمِّيَّةِ القَناةِ البالِغَةِ في التِّجارَةِ الدَّوْلِيَّةِ وَاسْتراتيجِياتِ القُوى الكُبْرى. بِقَرارُ التَّأْميمِ رَدَّ اعْتِبارَ الوَطَنِيَّةِ المِصْرِيَّة، وَتَمَكَّنَتْ دَوْلَةٌ مِنَ العالَمِ الثّالِثِ مِنْ تَحَدّي الإِمْبَراطورِيَّتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ البَريطانِيَّةِ وَالفَرَنْسِيَّةِ في صُلْبِ مَصالِحِهِما الِاسْتراتيجِيَّةِ في الشَّرْقِ الأَوْسَط، حَيْثُ مَنابِعُ النَّفْطِ الذي تَمُرُّ حُمولاتُهُ عَبْرَ قَناةِ السُّوَيْس.
جَسارَةُ التَّحَدّي تَأْخُذُ مَعْناها الحَقيقِيَّ مِنْ سِياقِها في الصِّراعِ على الشَّرْقِ الأَوْسَط، فَقَدْ حاوَلَتْ مِصْرُ بَعْدَ "ثَوْرَةِ يولْيو" الخُروجَ مِنْ دَوائِرِ النُّفوذِ الِاسْتِعْمارِيَّة، قاوَمَتِ الأَحْلافَ وَالقَواعِدَ العَسْكَرِيَّةَ وَسِياساتِ مَلْءِ الفَراغ، وَكَسَرَتِ احْتِكارَ التَّسْليحِ بِصَفْقَةِ الأَسْلِحَةِ السّوفياتِيَّة، وَأَيَّدَتْ حَرَكاتِ التَّحْريرِ الوَطَنِيِّ في العالَمِ العَرَبِيّ، وَدَعَمَتْ بِالإِعْلامِ وَالسِّياسَةِ وَالتَّمْويلِ وَالسِّلاحِ الثَّوْرَةَ الجَزائِرِيَّة، وَلَعِبَتْ دَوْرًا جَوْهَرِيًّا في تَأْسيسِ قُوَّةٍ دَوْلِيَّةٍ جَديدَة، خارِجَ اسْتِقْطابِ الحَرْبِ البَارِدَة، لِلدُّوَلِ المُسْتَقِلَّةِ حَديثًا في "بانْدونْغ".
لكلّ استقلال تكاليفه وتضحياته ومعاركه
بِالحِسابِ التَّقْليدِيّ، فَإِنَّ فِعْلَ التَّأْميمِ مُغامَرَةٌ بِالمَصيرِ بَعْدَ أَسابيعَ مِنْ جَلاءِ آخِرِ جُنْدِيٍّ بَريطانِيٍّ عَنْ مِصْر، قَدْ تُفْضي إلى إِعادَةِ احْتِلالِها مِنْ جَديد، أَوْ إِطاحَةِ نِظامِها بِانْقِلابٍ يُشْبِهُ ما تَعَرَّضَ لَهُ قَبْلَ سَنَواتٍ قَليلَةٍ الزَّعيمُ الإِيرانِيُّ الدُّكْتور مُحَمَّد مُصَدِّق، بَعْدَ تَأْميمِهِ بُتْرولَ بِلادِه.
لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الحِسابُ غائِبًا عَنْ عَبْدِ النّاصِر، وَهُوَ يُقْدِمُ على قَرارٍ يَكادُ يَكونُ شِبْهَ مُسْتَحيل، لَكِنَّهُ قَبِلَ "المُخاطَرَةَ المَحْسوبَةَ"، وَعَرَّضَ مُسْتَقْبَلَهُ وَحَياتَهُ لِلخَطَرِ الدّاهِم، كَسْبًا لِاسْتِقْلالٍ وَطَنِيٍّ حَقيقِيٍّ، وَأَنْ تَمْتَلِكَ مِصْرُ مَقاديرَها وَقَرارَها.
حَسَبَ ما هُوَ مُؤَكَّدٌ بِالأَوْراقِ وَالمُسْتَنَدَاتِ وَالشَّهادَات، أَخَذَ قَرارُ التَّأْميمِ وَقْتَهُ في الدِّراسَةِ وَجَمْعِ المَعْلومات، وَالتَّحْضيرِ لِإِدارَتِها بَعْدَ تَأْميمِها.
إِذا كانَ هُناكَ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اسْتِقْلالَ القَرارِ الوَطَنِيِّ يُمْنَحُ وَلا يُنْتَزَعُ فَهُوَ واهِمٌ، فَلِكُلِّ اسْتِقْلالٍ تَكاليفُهُ وَتَضْحِياتُهُ وَمَعارِكُه.
فِكْرَةُ التَّأْميمِ لَمْ يَخْتَرِعْها عَبْدُ النّاصِر، وَلا طَرَأَتْ على رَأْسِهِ فَجْأَة. قَبْلَ "ثَوْرَةِ يولْيو"، تَرَدَّدَتْ دَعَواتٌ مُتَناثِرَةٌ تَضَمَّنَتْها ـ أَحْيانًا ـ دِراساتٌ تَتَبَنّى هَذِهِ الخُطْوَة، لَكِنَّها كانَتْ أَقْرَبَ إلى الأَحْلامِ البَعيدَةِ وَالتَّخَيُّلاتِ المُحَلِّقَة.
كانَ شارْل رو، رَئِيسُ مَجْلِسِ إِدارَةِ شَرِكَةِ قَناةِ السُّوَيْس، وَاضِحًا مَعَ شيمون بيريز، رَجُلِ ديفيد بِنْ غورْيون: "مَطامِعُ المِصْرِيّينَ لا تَقِفُ عِنْدَ حَدّ، وَجَمال عَبْدِ النّاصِر هُوَ العَدُوُّ الحَقيقِي".
كانَ ذَلِكَ قَبْلَ تَأْميمِ القَناة. بَعْدَ تَحَدّي السُّوَيْسِ خَرَجَتْ مِصْرُ قُوَّةً إِقْليمِيَّةً عُظْمى، وَتَحَوَّلَتْ عاصِمَتُها، القاهِرَة، إلى أَحَدِ المَراكِزِ الدَّوْلِيَّةِ التي لا يُمْكِنُ تَجَاهُلُها. اكْتَسَبَتْ أَدْوَارَها القِيادِيَّةَ في أَفْريقْيا بِوُضوحِ سِياساتِها وَقُدْرَتِها على المُبادَرَةِ وَالإِسْنادِ لِتَحْريرِ القارَّة، كَما اكْتَسَبَتْ أَوْزانًا اسْتِثْنائِيَّةً في عالَمِها الثّالِثِ بِإِلْهامِ أَنَّ دَوْلَةً نامِيَةً واجَهَتْ تَحَدِّيًا شِبْهَ مُسْتَحيلٍ وَكَسَبَتْه.
أَلْهَمَ هَذا المَعْنى ـ بِالذّات ـ حَرَكاتِ التَّحَرُّرِ الوَطَنِيِّ في العالَمِ الثّالِثِ كُلِّه.
في الحَرْبِ الأَميرِكِيَّة ـ الإِسْرائيلِيَّةِ على إيرانَ تَبَدّى ذَلِكَ الإِلْهامُ مُجَدَّدًا، وَجَرى اسْتِدْعاءُ "لَحْظَةِ السُّوَيْسِ" على نِطاقٍ واسِعٍ.
تَجَلَّتْ في حَرْبِ السُّوَيْسِ حِساباتُ عالَمِ ما بَعْدَ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثّانِيَة، وَحَقائِقُ القُوَّةِ فيه، وَمَدى تَأْثيرِ حَرَكاتِ التَّحَرُّرِ الوَطَنِيّ.
تَقَوَّضَتْ أَوْزانُ الإِمْبَراطورِيَّتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ البَريطانِيَّةِ وَالفَرَنْسِيَّة، وَتَصَدَّرَتِ القُوَّتانِ العُظْمَيانِ، الأَميرِكِيَّةُ وَالسّوفياتِيَّة، مَسارِحَ السِّياسَةِ الدَّوْلِيَّة.
شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ يَحْدُثُ الآن. بِأَثَرِ الإِخْفاقِ الأَميرِكِيِّ في الحَرْبِ على إيران، لَمْ يَعُدْ مُمْكِنًا الحَديثُ عَنْ قُوَّةٍ دَوْلِيَّةٍ واحِدَةٍ تَتَحَكَّمُ في مَقاديرِ العالَم، لَكِنَّ التَّفاعُلاتِ سَوْفَ تَأْخُذُ وَقْتَها حَتّى تَتَّضِحَ الحَقائِقُ الجَديدَة.
العالم العربي يعاني انكشافًا استراتيجيًا يكاد يضع وجوده بين قوسين كبيرين
إِلْهامُ السُّوَيْسِ أَخَذَ مَداهُ قَبْلَ بَلْوَرَةِ مَشْروعِ "ثَوْرَةِ يولْيو" بِكامِلِ قِيَمِهِ الرَّئيسِيَّة.
بَعْدَ أَقَلَّ مِنْ عامَيْنِ بَدا العالَمُ العَرَبِيُّ يَوْمَ 22 فِبْرايِر/شُباطَ (1958) على مَوْعِدٍ مَعَ حُلْمٍ آخَرَ شِبْهَ مُسْتَحيل.
"انْتَصَرَتْ إِرادَةُ العَرَب... لا فَراغَ في الشَّرْقِ الأَوْسَطِ وَلا مَناطِقَ نُفوذ".
هَكَذَا تَحَدَّثَ الرَّجُل، الذي آلَتْ إِلَيْهِ قِيادَةُ المِنْطَقَة.
كانَتِ الوَحْدَةُ المِصْرِيَّةُ ـ السّورِيَّةُ خُطْوَةً مُتَقَدِّمَةً أَكَّدَتْ قُدْرَةَ العالَمِ العَرَبِيِّ على مَلْءِ الفَراغِ بِنَفْسِهِ مِنْ دونِ حاجَةٍ إلى أَحْلافٍ تَخْضَعُ لِحِساباتٍ اسْتراتيجِيَّةٍ ضِدَّ مَصالِحِهِ وَمُسْتَقْبَلِه.
هَذا مَعْنًى جَوْهَرِيٌّ يَحْتاجُهُ العالَمُ العَرَبِيُّ بِقَسْوَةٍ أَمامَ الِانْكِشافِ الِاسْتراتيجِيّ، الذي يُعانيهِ وَيَكادُ يَضَعُ وُجودَهُ بَيْنَ قَوْسَيْنِ كَبيرَيْن.
لَمْ يَكُنْ تَأْميمُ القَناة، كَما لا يَصِحُّ أَنْ نَنْسى، سِوى خُطْوَةٍ في مَشْروعٍ امْتَدَّ إلى كُلِّ مَناحي تَحْسينِ جَوْدَةِ الحَياة، وَإِشاعَةِ العَدْلِ الِاجْتِماعِيّ.
جَرى بِناءُ السَّدِّ العالي، أَكْبَرِ مَشْروعٍ هَنْدَسِيٍّ في العالَمِ في القَرْنِ العِشْرين، بَنَتْ "يولْيو" بِقَدْرِ ما اسْتَطاعَتْ مَصانِعَ وَمَدارِسَ وَمُسْتَشْفَيات، وَعَمَّرَتِ الرّيف، وَنَهَضَتْ بِالطَّبَقَةِ الوُسْطى، وَانْحازَتْ إلى قُوى الإِنْتاجِ وَالطَّبَقاتِ الأَكْثَرِ حِرْمانًا.
السِّياساتُ أَخَذَتْ زَخمَها مِنْ قُوَّةِ الفِعْلِ وَحَجْمِ التَّطَلُّعِ إلى تَحْسينِ أَحْوالِ المُواطِنين، وَأَخَذَتْ تَتَبَلْوَرُ مِنْ خُطْوَةٍ إلى أُخْرى حَتّى اكْتَسَبَتْ "يولْيو" مَشْروعَها.
أَيُّ مَشْروعٍ يَكْتَسِبُ قيمَتَهُ مِنْ قُدْرَتِهِ على صِياغَةِ إِرادَةِ التَّغْييرِ في مُجْتَمَعِهِ بِما يَتَّسِقُ مَعَ احْتِياجاتِهِ وِفْقَ رُؤْيَةٍ لِلمَكانِ وَالزَّمانِ وَالإِنْسان.
أَسَّسَ السَّدُّ العالي لِعَصْرِ التَّصْنيعِ الثَّقيل، وَتَمْصيرِ الِاقْتِصادِ المِصْرِيّ، وَبِناءِ قِطاعٍ عامٍّ قَوِيٍّ وَقادِرٍ على التَّنْمِيَةِ وَالوَفاءِ بِمُتَطَلَّباتِ الِانْتِقالِ إلى عَصْرٍ جَديدٍ أَكْثَرَ عَدْلًا اجْتِماعِيًّا.
ارْتَبَطَ بِتَوْليدِ الكَهْرَباءِ إلى مُعَدَّلاتٍ غَيْرِ مَسْبوقَةٍ بِحِساباتِ زَمانِها، وَزِيادَةِ رُقْعَةِ الأَراضي الزِّراعِيَّة، مَعَ اتِّساعِ الخِدْماتِ الصِّحِّيَّةِ وَالتَّعْليمِيَّة.
اكْتَسَبَ السَّدُّ العالي رَمْزِيَّتَهُ مِنْ سِياقِ مَشْروعِه.
المَشْروعُ القَوْمِيُّ هُوَ مَجْموعَةُ "القِيَمِ الأَساسِيَّة"، التي تَحْكُمُ الحَرَكَةَ إلى المُسْتَقْبَل، وَتُمَثِّلُ المُشْتَرَكَ الأَعْظَمَ بَيْنَ جَميعِ القُوى وَالِاتِّجاهاتِ السِّياسِيَّة.
أفكار عبد الناصر كانت موجودة في الجو السياسي والثقافي العام قبل "ثورة يوليو"
المَشْروعُ القَوْمِيُّ لَمْ يَخْتَرِعْهُ عَبْدُ النّاصِر، فَهُوَ لَمْ يَخْتَرِعِ الوَحْدَةَ العَرَبِيَّة، وَلا خَلَقَ مِنْ فَراغٍ أَحْلامَها وَتَطَلُّعاتِها، وَهُوَ لَمْ يَخْتَرِعْ مَطْلَبَ الِاسْتِقْلالِ الوَطَنِيِّ وَالِاسْتِعْدَادَ لِلتَّضْحِيَةِ في سَبيلِه، وَلَمْ يُؤَلِّفْ دَوْرَ مِصْرَ في المِنْطَقَة، حَيْثُ حَقائِقُ الجُغْرافْيا وَالتّاريخِ تَدْعو إِلَيْه، وَلَمْ يَكْتَشِفْ مُقْتَضَياتِ العَدْلِ الِاجْتِماعِيّ.
الأَفْكارُ الرَّئيسِيَّةُ لِعَبْدِ النّاصِر كُلُّها ـ تَقْريبًا ـ كانَتْ مَوْجودَةً في الجَوِّ السِّياسِيِّ وَالثَّقافِيِّ العامِّ قَبْلَ "ثَوْرَةِ يولْيو"، لَكِنَّهُ حاوَلَ بِقَدْرِ ما يَسْتَطيعُ أَنْ يَضَعَها مَوْضِعَ التَّطْبيقِ العَمَلِيّ، وَاكْتَسَبَ شَعْبِيَّتَهُ الِاسْتِثْنائِيَّةَ مِنْ مَشْروعِه، الذي لا يُغادِرُ المُخَيِّلَةَ العامَّةَ أَمَلًا في مُسْتَقْبَلٍ أَكْثَرَ تَحَرُّرًا وَعَدْلًا.
(خاص "عروبة 22")

