بصمات

"ماركيز" ومحرَقَةُ الدّيكتاتور!

في نَهارِ أَحَدِ أَيّامِ العامِ 1986، وتحْديدًا يَوْمَ 28 نوفَمْبِر/تِشْرينَ الثّاني، شَهِدَتْ مَدينَةُ فالبارايسو التّْشيلِيَّةُ واحِدَةً مِن جَرائمِ وفَظائِعِ القَمْعِ المَهولَةِ الَّتي ارْتَكَبَها الدّيكْتاتورُ العاتي شَديدُ القَسْوَةِ أَغوستو بينوشيه، إذْ أَشْعَلَ زَبانِيَّتُهُ ذاكَ النَّهار، وفي أَكْبَرِ ساحاتِ المَدينَة، مَحْرَقَةً كُبْرى أَكَلَتْ نيرانُها آلافَ النُّسَخِ مِن كِتابٍ لِلرِّوائيِّ الكولومْبِيِّ الأَشْهَرِ والأَعْظَمِ غارسيا ماركيز (1927 ـ 2014)، زَيَّنَ غِلافَهُ عُنْوانُ "مُغامَرَةُ ميغيل ليتينَ السِّرِّيَّة" في تْشيلي.

تِلْكَ المَحْرَقَةُ ذَكَّرَتِ البَشَرِيَّةَ آنذاكَ بِأَشْهَرِ مَحارِقِ الكُتُبِ أَوْ "مَحارِقِ العَقْل" المُماثِلَةِ الَّتي شَهِدَتْها البَشَرِيَّةُ في العُصورِ القَديمَة، مِثْلَ تَدْميرِ وَحَرْقِ المَغولِ لِمَكْتَبَةِ بَغْداد، وَمَحارِقِ كُتُبِ العُلَماءِ والفَلاسِفَةِ في العُصورِ الوُسْطى الأوروبِّيَّة، وَكَذلِكَ ما حَدَثَ في الأَنْدَلُسِ بَعْدَ طَرْدِ المُسْلِمينَ مِنْها (حَدَثَ الشَّيْءُ نَفْسُهُ في غَرْناطَةَ الأَنْدَلُسِيَّةِ قُبَيْلَ دُخولِ الإِسْبانِ إِلَيْها، إِذْ أُحْرِقَتْ كُتُبُ العالِمِ والفَيْلَسوفِ المُسْلِمِ ابْنِ رُشْد).

كابوس النازية انتهى وبقيت كوابيس أخرى أخطرها الصهيونية

أمَّا آخِرُ مَحارِقِ العَقْلِ الَّتي عَرَفَها البَشَرُ المُحْدَثونَ فَحَدَثَتْ وَقائِعُها في مَطْلَعِ ثَلاثينِيّاتِ القَرْنِ العِشْرينَ مَعَ صُعودِ الحِزْبِ النّازيِّ في أَلْمانْيا بِقِيادَةِ أَدولْف هِتْلِر الذي سُرْعانَ ما أَطْلَقَ شَياطينَهُ لِتَرْتَكِبَ سِلْسِلَةَ فَظائِعَ وَجَرائِم، مِنْها حَرْقُ عَشَراتِ آلافِ الكُتُبِ تَحْتَ شِعارِ "تَطْهيرِ الثَّقافَةِ الأَلْمانِيَّة" مِنْ كُلِّ الإِنْتاجِ الفِكْرِيِّ الإِنْساني (!!) الذي اعْتَبَرَهُ النّازِيّونَ لا يَتَماشى مَعَ إيدْيولوجِيَّتِهِمُ العُنْصُرِيَّةِ القَبيحَة، فَأَحْرَقَتْ جَحافِلُ شَياطينِهِمْ ذَخائِرَ وَرَوائِعَ صَنَعَها عُلَماءُ وَفَنّانُونَ وَمُفَكِّرونَ وَفَلاسِفَةٌ كِبارٌ أَمْثال: فْرويْد، مارْكس، إِنْغِلْز، بريخت، هِمِنْغواي، توماس مان، هيلين كيلر، جاك لَنْدَن، ماكس برود... وَغَيْرُهُم.

لَكِنَّ كابوسَ النّازِيَّةِ انْتَهى، أَوْ هَكَذا ظَنَّ النّاس (وَإِنْ بَقِيَتْ كَوابيسُ وَشَياطينُ أُخْرى أَخْطَرُها الصُّهْيونِيَّة) بَعْدَ أَنْ دَفَعَتِ البَشَرِيَّةُ جَمْعاءَ ثَمَنًا فادِحًا لِلْخَلاص، وَبَدَتْ أَلْمانيا في مُقَدِّمَةِ صُفوفِ مَنْ دَفَعوا، مَعَ أَغْلَبِ بُلْدانِ أوروبّا.

إِذًا كانَ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ عُقودٍ قَدْ مَرَّتْ عِنْدَما اشْتَعَلَتْ مَحْرَقَةُ تْشيلي الَّتي وَثَّقَها ماركيز في كِتابِهِ المَحْروقِ زَمَنَ الدّيكْتاتورِ التّْشيلِيِّ الذي أَطاحَ في العامِ 1973 بِالرَّئيسِ سَلْفادور أَلْيِنْدي الآتي عَبْرَ نِظامٍ ديموقْراطِيٍّ حَقيقِيٍّ قَبْلَ أَنْ يَنْقَلِبَ عَلَيْهِ بينوشيه بِمُساعَدَةٍ مُباشِرَةٍ مِنَ المُخابَراتِ المَرْكَزِيَّةِ الأَميرِكِيَّة، وَقامَ بِقَتْلِهِ مَعَ آلافِ التّْشيلِيّينَ وَقَتَلَ مَعَهُمْ كُلَّ حَقٍّ لِلشَّعْبِ في الحُرِّيَّةِ وَالدّيموقْراطِيَّة.

الْكِتابُ المَحْروقُ لَمْ يَكُنْ رِوايَةً مِنْ رِواياتِ ماركيز الرّائِعَة، وَإِنَّما تَحْقيقٌ صُحُفِيٌّ مُعَمَّقٌ كَتَبَهُ رِوائِيُّ أَميرِكا اللّاتينِيَّةِ الأَكْبَر... هُنا بِالمُناسَبَة، لا بُدَّ مِنَ الإِشارَةِ إِلى أَنَّ ماركيز كانَ وَظَلَّ صُحُفِيًّا مَرْموقًا حَتّى بَعْدَ أَنْ عَرَفَتِ المَلايينُ أَدَبَه.

المخلصون لقضية الوطن والحرية ينجحون في النفاذ من ثغرات وشروخ في جدران النّظُم الفاشية والديكتاتورية

لِماذا إِذَنْ حُرِقَ كِتابُ ماركيز؟... الإِجابَةُ بِبَساطَة: لِأَنَّ هَذا الكِتابَ التَّحْقيقَ وَثَّقَ بِطَريقَةٍ حاذِقَةٍ تَفاصيلَ مُغامَرَةٍ شُجاعَةٍ قامَ بِها السِّينَمائِيُّ التّْشيلِيُّ الطَّليعِيّ (مِنْ أَصْلٍ فِلَسْطينِيّ) ميغيل ليتين الذي كانَ صَديقًا مُقَرَّبًا مِنَ الكاتِب، وَكَشَفَ ليتين في فيلْمٍ تَسْجيلِيّ، صَوَّرَ مَشاهِدَهُ بِنَفْسِه، آياتٍ مِنَ الفَظائِعِ الَّتي ارْتَكَبَها نِظامُ بينوشيه يَوْمِيًّا تَقْريبًا.

وَحِكايَةُ "المُغامَرَة"... تَبْدَأُ مِنِ اضْطِرارِ ليتين إِلى الهُروبِ مِنْ بَلَدِه، مَعَ المِئاتِ مِنْ مُثَقَّفِي وَمُبْدِعِي تْشيلي، عَقِبَ نَجاحِ الانْقِلابِ الدَّمَوِيّ، لَكِنَّهُ (وَهُنا المُغامَرَة) اسْتَطاعَ أَنْ يَعودَ بَعْدَ سَنَواتٍ إِلى أَرْضِ الوَطَنِ مُتَخَفِّيًا بِاسْمٍ آخَرَ وَمُصْطَحِبًا امْرَأَةً أُخْرَى غَيْرَ زَوْجَتِهِ إِمْعانًا في التَّخَفّي، وَبَعْدَ أَنْ انْطَلَتْ حيلتُهُ عَلى أَجْهِزَةِ أَمْنِ بينوشيه الرَّهيبَة، حَمَلَ ليتين كاميرتَهُ وَراحَ يَجوبُ البِلادَ طولًا وَعَرْضًا، وَتَمَكَّنَ بِأَلاعيبَ وَمُغامَراتٍ عَديدَة، مِنْ تَهْريبِ المَقاطعِ الَّتي صَوَّرَها خُلْسَةً إِلى خارِجِ البِلاد، واحِدَةً خَلْفَ أُخْرى.

وَظَلَّ السِّينَمائِيُّ الشُّجاعُ يُمارِسُ تَصْويرَ فَظائِعِ النِّظامِ الدّيكْتاتورِيِّ لِأَسابيعَ وَشُهورٍ طَويلَةٍ حَتّى بَدَأَ يَشْعُرُ بِأَنَّهُ رُبَّما أَثارَ ريبَةَ أَجْهِزَةِ أَمْنِ بينوشيه، عِنْدَئِذٍ سارَعَ إلى الهُروبِ مُجَدَّدًا عائِدًا إِلى مَنْفاهُ القَسْرِيِّ مُتَنَقِّلًا ما بَيْنَ المَكْسيكِ وَإِسْبانيا وَكوبا، حَيْثُ حَقَّقَ فيلْمًا تَسْجيلِيًّا رائِعًا مُسْتَخْدِمًا مِئاتِ المَشاهِدِ التي صَوَّرَها في رُبوعِ الوَطَن، وَفَضَحَ بِهَذا الفيلْمِ الجَرائِمَ الوَحْشِيَّةَ الَّتي كانَ يَرْتَكِبُها النِّظامُ الدّيكْتاتورِيُّ العَميل، فيما العالَمُ (الغَرْبِيُّ بِالذّات) يَتَدَثَّرُ بِصَمْتِ القُبور.

النّظُم الديكتاتورية قوّتها المادية كاسحة لكنها غبية جدًا

لَقَدْ أَرادَ ماركيزُ بِهَذا الكِتابِ التَّحْقيق، لَيْسَ فَقَطْ تَوْثيقَ هَذِهِ المُغامَرَةِ النَّبيلَةِ الشُّجاعَةِ الَّتي نَفَّذَها صَديقُه، وَإِنَّما أَيْضًا لِيُؤَكِّدَ حَقيقَتَيْنِ اثْنَتَيْن:

أُولاهُما أَنَّهُ مَهْما كانَتْ قَسْوَةُ وَصَرامَةُ النُّظُمِ الفاشِيَّةِ وَالدّيكْتاتورِيَّة، فَإِنَّ المُخْلِصينَ لِقَضِيَّةِ الوَطَنِ وَالحُرِّيَّةِ يَسْتَطيعونَ المُقاوَمَة، بَلْ وَيَنْجَحونَ في النَّفاذِ مِنْ ثَغَراتٍ وَشُروخٍ في جُدْرانِ تِلْكَ النُّظُم.

أَمَّا الحَقيقَةُ الثّانِيَة، فَهِيَ أَنَّ النُّظُمَ الدّيكْتاتورِيَّةَ وَمُؤَسَّساتِها القَمْعِيَّة، عَلى الرَّغْمِ مِنْ قُوَّتِها المادِّيَّةِ الكاسِحَة، لَكِنَّها غَبِيَّةٌ جِدًّا، وَكَثيرًا ما تُعْميها قُوَّتُها الغاشِمَةُ عَنْ رُؤْيَةِ مُناضِلٍ يَتَسَلَّلُ وَهُوَ مُسَلَّحٌ بِالإِخْلاصِ لِقَضِيَّةِ حَقِّ شَعْبِهِ في الحُرِّيَّة.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن