تقدير موقف

الطَّرَفُ الثّالِث

يَعرِفُ الذين عاشوا، وَدَفَعوا ثَمَنَ ثَوْراتِ الرَّبيعِ العَرَبِيِّ المُجْهَضَة ـ تَعبيرَ "الطَّرَفِ الثَّالِث"، الذي كانَ يَعْني أَيادٍ خَفِيَّة، وَإِنْ كُنّا نَعْرِفُ مَنْ وَراءَها تَسْتَخْدِمُ كُلَّ طَريقَةٍ مُمْكِنَة، بِما فيها العُنْفُ بِالطَّبْعِ لِإِفْسادِ "سِلْمِيَّةِ" التَّظاهُراتِ مِن ناحِيَة، أَو لِلعَبَثِ بِكُلِّ ما يُمْكِنُ الوُصولُ إِلَيْهِ بُغْيَةَ قَطْعِ الطَّريقِ على الأَهْدافِ النَّبيلَةِ التي كانَ يَسْعى إِلَيْها شَبابُ "المَيْدان". كانَ "المَيْدانُ"؛ "التَّحْرير" في الحالَةِ المِصْرِيَّة، أَو غَيْرُهُ مِنَ المَيادينِ في هذِهِ العاصِمَةِ العَرَبِيَّةِ أَو تِلْك، السّاحَةَ المَنْطِقِيَّةَ لِعَمَلِ "الطَّرَفِ الثّالِث"، وَعُمَلائِه. شَيْءٌ مِنْ هذا يَحْدُثُ الآنَ في "مَيْدانِ" الشَّرْقِ الأَوْسَطِ الكَبير.

الطَّرَفُ الثّالِث

شِئْنا أَمْ أَبَيْنا، فالحَرْب؛ التي أَرادَها البَعْض، وَالتي لَمْ تُحَقِّقْ أَيًّا مِنْ أَهْدافِ مَنْ أَشْعَلَها في ذلك الفَجْرِ الرَّمَضانِيّ؛ الجُمُعَةِ الثّامِنِ وَالعِشْرينَ مِنْ فِبْرايِر/شُباطَ الماضي - لَنْ تَنْتَهي، أَيًّا كانَتْ تَفاصيلُ النِّهايَةِ مِنْ دونِ أَنْ تَتْرُكَ آثارَها الجِيوسِياسِيَّةَ العَميقَةَ في المِنْطَقَةِ التي يُعادُ تَشْكيلُ خَرائِطِها، أَو عَلى الأَقَلِّ تَوازُناتِها. سَواءٌ عادَتِ الحَرْب؛ التي لا يَدْفَعُ ثَمَنَها الأَكْبَرَ سِوى الجيران، أَو انْتَهَتْ إِلى إِعادَةٍ لِصورَةِ وَزيرَيْ الخارِجِيَّةِ جَواد ظَريف وَجونْ كيري مَعَ فيديريكا موغيريني، عَشِيَّةَ تَوْقيعِ الاتِّفاقِ النَّوَوِيِّ الإِيرانِيّ (JCPOA) في فْيينّا (2015).

الذين لَمْ يَرْتاحوا في العامِ 2015، سَواءٌ أَعْلَنوا ذَلِكَ بِوُضوحٍ مِثْلَ إِسْرائيل، أَو لَمْ يُعْلِنوا، لَمْ يُخْفوا اليَوْمَ مُفاجَأَتَهُم، أَو أَنَّهُمْ لَيْسوا مُرْتاحينَ لِما جَرى في إِسْلامَ آباد، ثُمَّ سْويسْرا، مَمْهورًا بِالتَّوْقيعِ النَّرْجِسِيِّ المُـمَيَّزِ لِدونالْد ترامب، وَالذي اخْتارَ أَنْ تَكونَ صورَتُهُ في قَصْرِ فِرْساي؛ المُثْقَلِ بِالنّوسْتالْجيا وَالتّاريخ؛ حُروبًا وَمُعاهَدات.

سَمِّها صَفْقَةً أَو مُذَكِّرَةَ تَفاهُمٍ أَو اتِّفاقًا، لا يُهِمّ. الأَهَمُّ هُوَ ما سَتَؤولُ إِلَيْهِ في نِهايَةِ المَطاف. وَهَلْ هُناكَ مِنْ بَيْنِ "غَيْرِ المُرْتاحينَ" مَنْ سَيَعْمَلُ عَلى إِجْهاضِها؟ وَهَلْ سَيَنْجَحُ في ذَلِكَ؟

الإسرائيليون لم يتورَّعوا يومًا عن اللجوء إلى أيّ أساليب مهما كانت قذرة لتحقيق أهدافهم

لا أَحَدَ مَعَ ما نَعْرِفُهُ مِنْ مُقَدِّمات، وَطَبيعَةِ شُخوص؛ تَصادَفَ أَنَّها تَتَوَلّى مَسْؤولِيَّةَ القَرارِ يُمْكِنُهُ أَنْ يَعْرِفَ الإِجابَة. وَلَكِنَّنا جَميعًا نَعْرِفُ أَنَّ إِسْرائيلَ (وَلَيْسَ فَقَطْ نِتِنْياهو) كانَتِ الأَكْثَرَ وُضوحًا في إِعْلانِ صَدْمَتِها وَرَفْضِها لِلصَّفْقَة، عَلى الرَّغْمِ مِمّا في ذَلِكَ مِنْ مُقامَرَةٍ بِخَسارَةِ الحَليفِ الوَحيد.

بِحُكْمِ المَوْروثِ الثَّقافِيّ، يُجيدُ هؤُلاءِ الانْحِناءَ لِلْعاصِفَة، أَو بِالأَحْرى المُراوَغَة، وَاللَّعِبَ تَحْتَ الطّاوِلَة، أَو فَوْقَها بِاسْتِخْدامِ كُلِّ أَوْراقِ الضَّغْطِ المُمْكِنَة.

عَلى الرَّغْمِ مِمّا نَعْرِفُهُ عَنْ تاريخِ الرَّئيسِ الأَميرِكِيّ، وَعَلى الرَّغْمِ مِنَ الشَّواهِدِ الكَثيرَةِ على عَلاقَةِ الموسادِ بِالسِّمْسارِ/القَوّادِ الأَميرِكِيِّ الشَّهيرِ "إِبْسْتين"، فَقَدْ لا يَكونُ دَقيقًا ما ذَكَرَهُ Ari Ben-Menashe مَسْؤولُ الاِسْتِخْباراتِ الإِسْرائيلِيِّ السّابِقُ قَبْلَ أَيّامٍ على الهَواءِ مُباشَرَة مِنْ أَنَّهُ لا يَسْتَبْعِدُ أَنْ يُلَوِّحَ نِتِنْياهو مِنْ طَرَفٍ خَفِيٍّ بِنَشْرِ مَلَفّاتِ إِبْسْتين التي تَسْتَهْدِفُ مَسْؤولينَ في الحُكومَةِ الأَميرِكِيَّة، بِمَنْ فيهِمْ ترامب.

رُبَّما لا أَكونُ في مَوْضِعٍ يَسْمَحُ لي بِتَأْكيدِ ما ذَكَرَهُ رَجُلُ الاِسْتِخْباراتِ الإِسْرائيلِيِّ مِنْ تَفاصيلَ (غَيْرِ مُسْتَبْعَدَة)، وَلَكِنّي قَطْعًا لَسْتُ بِحاجَةٍ إِلى التَّأْكيدِ على أَنَّ الإِسْرائيلِيّينَ لَمْ يَتَوَرَّعوا يَوْمًا عَنِ اللُّجوءِ إِلى أَيِّ أَساليب، مَهْما كانَتْ قَذِرَة، أَو مُضَرَّجَةً بِالدِّماءِ لِتَحْقيقِ مِثْلِ هَكَذا أَهْداف.

هُمْ اغْتالوا يَوْمًا الكونْت فولْك بِرنادوت، الذي اخْتارَتْهُ الأُمَمُ المُتَّحِدَةُ عامَ 1948 لِيَكونَ وَسيطًا بَيْنَ العَرَبِ وَاليَهودِ بَعْدَ انْتِهاءِ الانتِدابِ البَريطانِيِّ على فِلَسْطين. لا لِشَيْءٍ إِلّا لِوَأْدِ "خُطَّتِهِ لِلسَّلام"، التي اقْتَرَحَ فيها بَقاءَ القُدْسِ بِأَكْمَلِها تَحْتَ السِّيادَةِ العَرَبِيَّةِ وَعَوْدَةَ اللّاجِئينَ الفِلَسْطينِيّينَ الذينَ فَرّوا مِنَ القِتالِ أَو طَرَدَتْهُمُ القُوّاتُ اليَهودِيَّةُ إلى بُيوتِهِمْ وَاسْتِعادَةَ مُمْتَلَكاتِهِم، فَكانَ بِبَساطَةٍ أَنْ اغْتالوهُ في 17 سِبْتَمْبَر/أَيْلول 1948.

المُحاوَلاتُ الاِسْتِخْبارِيَّةُ الإِسْرائيلِيَّةُ لِلتّأْثيرِ على مَجْرَياتِ الأَحْداثِ وَمَوازينِ القُوى في الشَّرْقِ الأَوْسَطِ لَمْ تَتَوَقَّفْ يَوْمًا.

في شَهْرِ يونْيو/حُزَيْران 1954 وَبِهَدَفِ إِفْشالِ المُفاوَضاتِ المِصْرِيَّةِ ـ البَريطانِيَّةِ بِشَأْنِ انْسِحابِ القُوّاتِ البَريطانِيَّةِ مِنْ قَناةِ السُّوَيْس، قامَتِ الاِسْتِخْباراتُ العَسْكَرِيَّةُ الإِسْرائيلِيَّةُ بِتَفْعيلِ خَلِيَّةٍ إِرْهابِيَّةٍ يَهودِيَّةٍ ـ مِصْرِيَّة، لِتَخْريبِ مَرافِقَ بَريطانِيَّةٍ وَأَميرِكِيَّةٍ وَمَصالِحَ غَرْبِيَّةٍ في مِصْرَ وَالإيعازِ بِأَنَّ هذِهِ العَمَلِيّاتِ تَمَّتْ مِنْ قِبَلِ خَلِيَّةٍ مِصْرِيَّة. نَجَحَ المِصْرِيّونَ في نِهايَةِ المَطافِ في إِفْشالِ العَمَلِيَّةِ التي عُرِفَتْ بِاسْمِ "فَضيحَةِ لافون"، نِسْبَةً إِلى وَزيرِ الدِّفاعِ آنَذاك.

أَهْدافُ إِسْرائيلَ الاِسْتراتيجِيَّة (ناهيكَ عَنْ أَهْدافِ نِتِنْياهو الاِنْتِخابِيَّة، "وَالقَضائِيَّة") في إِفْشالِ الاتِّفاقِ الأَميرِكِيِّ ـ الإِيرانِيِّ لا تَقِلُّ بِحالٍ عَنِ الأَسْبابِ التي دَعَتْها إِلى التَّوَرُّطِ في فَضيحَةِ لافون.

ما قاله ترامب عن "محاولة إيرانية لاغتياله" كان مصدره تقرير كتبه الموساد

قَدْ لا يَكونُ ما نَعْرِفُهُ مِنْ مُحاوَلاتٍ إِسْرائيلِيَّةٍ "مُؤَكَّدَةٍ" لِإِفْشالِ اتِّفاقِ إِسْلامَ آباد، وَمُفاوَضاتِ الدَّوْحَةِ بِأَكْثَرَ مِمَّا لا نَعْرِف، مِنْ أَساليبَ اِسْتِخْباراتِيَّةٍ أَو ضُغوطٍ مُتَنَوِّعَةٍ عَلى مَراكِزِ اتِّخاذِ القَرار، وَلَكِنَّهُ جَلِيٌّ وَمُؤَثِّرٌ... وَدالّ.

يَقولُ النَّصُّ "الرَّسْمِيُّ" لِلبَنْدِ الأَوَّلِ مِنْ مُذَكِّرَةِ التَّفاهُمِ تِلْك، كَما وَرَدَ في الوَثيقَةِ التي أَرْسَلَها البَيْتُ الأَبْيَضُ إِلى الكونْغْرِسْ: "تُعْلِنُ الجُمْهورِيَّةُ الإِسْلامِيَّةُ الإيرانِيَّةُ وَالْوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ الأَميرِكِيَّة، وَحُلَفاؤُهُما في الحَرْبِ الحَالِيَّة، بِموجِبِ تَوْقيعِ هذِهِ المُذَكِّرَة، الوَقْفَ الفَوْرِيَّ وَالدّائِمَ لِلْعَمَلِيّاتِ العَسْكَرِيَّةِ عَلى جَميعِ الجَبَهات، بِما في ذَلِكَ لُبْنان، وَتَتَعَهَّدانِ مِنَ الآنَ فَصاعِدًا بِعَدَمِ الشُّروعِ في أَيِّ حَرْبٍ أَو أَيِّ عَمَلِيَّةٍ عَسْكَرِيَّةٍ ضِدَّ بَعْضِهِما البَعْض، وَالاِمْتِناعِ عَنِ التَّهْديدِ بِاسْتِخْدامِ القُوَّةِ أَو اسْتِخْدامِها، وَضَمانِ السَّلامَةِ الإِقْليمِيَّةِ وَالسِّيادَةِ اللُّبْنانِيَّة. وَسَيُؤَكِّدُ الاتِّفاقُ النِّهائِيُّ الإِنْهاءَ الدّائِمَ لِلْحَرْبِ عَلى جَميعِ الجَبَهات، بِما في ذَلِكَ لُبْنان، وَسائِرَ أَحْكامِ هذِهِ الفَقْرَة".

بَعْدَ يَوْمٍ واحِدٍ فَقَطْ مِنْ تَوْقيعِ المُذَكِّرَة، ارْتَكَبَتْ إِسْرائِيلُ 84 خَرْقًا لِلْبَنْدِ المُتَعَلِّقِ بِوَقْفِ العَمَلِيّاتِ في لُبْنان. ناهيكَ عَمّا جَرى بَعْدَ ذَلِك. هَلْ هُناكَ مَنْ يُمْكِنُهُ أَنْ يُجادِلَ في تَأْثيرِ هذا الفِعْلِ الإِسْرائيلِيِّ المَقْصود، وَفي كَوْنِهِ يُعْطي لِلإِيرانِيّينَ ذَريعَةً تَجُرُّ ما وَراءَها؟.

هَلْ يُمْكِنُنا أَنْ نَتَجاهَلَ ما نَقَلَتْهُ شَبَكَةُ "CNN" عَنْ مَصْدَرٍ إِسْرائيلِيٍّ أَنَّ نِتِنْياهو يَسْعى إِلى التَّأْثيرِ في مَسارِ الاتِّفاقِ عَبْرَ تَوْظيفِ شَخْصِيّاتٍ إِعْلامِيَّةٍ مَحْسوبَةٍ عَلى اليَمينِ الأَميرِكِيّ، إِلى جانِبِ أَعْضاءٍ في مَجْلِسِ الشُّيوخِ بِهَدَفِ مُمارَسَةِ ضُغوطٍ غَيْرِ مُباشِرَةٍ عَلى الرَّئيسِ الأَميرِكِيِّ دونالد ترامب؟ بِالمُناسَبَةِ، صَحيفَةُ "يِديعوتْ أَحْرونوتْ" (Ynet) الإِسْرائيلِيَّةُ أَشارَتْ في تَقْريرِها عَنِ المَوْضوعِ إِلى أَسْماءٍ بِعَيْنِها.

الإسرائيلِيون يريدون عودة الحرب ولن يتوقفوا استخباراتيًا وبالاستعانة بلوبياتهم في واشنطن عن محاولة ذلك

هَلْ يُمْكِنُنا أَنْ نَتَجاهَلَ أَنَّ ما ذَكَرَهُ ترامب قَبْلَ يَوْمَيْنِ في أَنْقَرَة عَنْ "مُحاوَلَةٍ إيرانِيَّةٍ لِاغْتِيالِه"، كانَ مَصْدَرُهُ تَقْريرٌ كَتَبَهُ الموسادُ لِيُرْسِلَهُ إلى واشِنْطُن؟ أَلَيْسَ لِمِثْلِ تِلْكَ التَّقاريرِ تَأْثيرُها على مِثْلِ هذا الرَّئيسِ الذي لَمْ يَحْتَرِمْ أَبَدًا تَعَهُّداتِه؟

لَنْ تَسْمَحَ مِساحَةُ هذا المَقالِ لِعَرْضِ التَّقْريرِ المُهِمِّ لِمَرْكَزِ "Atlantic Council" الأَميرِكِيِّ حَوْلَ كَيْفَ يُمْكِنُ لِإِسْرائيلَ التَّأْثيرُ في مَرْحَلَةِ التَّنْفيذِ بَعْدَ أَنْ فاتَها إيقافُ تَوْقيعِ الاتِّفاق. بِاخْتِصار، هِيَ لَنْ تَعْدَمَ الوَسيلَة، وَلَدَيْها؛ ثَقافِيًّا، وَاسْتِخْباراتِيًّا الخِبْرَةُ الطَّويلَةُ في ذَلِك.

وَبَعْد،

فَمِنَ المُؤَكَّدِ أَنَّ الأَميرِكِيّينَ وَالإيرانِيّينَ لا يُريدونَ العَوْدَةَ إلى الْحَرْب، دَعْك مِنَ تَصْريحاتِ ترامب الجَوْفاء. وَلَكِنْ مِنَ المُؤَكَّدِ أَيْضًا أَنَّ الإِسْرائيلِيّينَ يُريدونَها. وَأَنَّهُمْ اِسْتِخْباراتِيًّا وَبِالاِسْتِعانَةِ بِلوبِيّاتِهِمْ في واشِنْطُن، أَو غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَوْراقِ ضَغْط؛ مُعْلَنَةٍ وَغَيْرِ مُعْلَنَة، لَنْ يَتَوَقَّفوا عَنْ مُحاوَلَةِ ذَلِك!.

(خاص عروبة 22)
?

في ظل ما أظهرته إيران من عدوانية تجاه العرب وعدم فعالية القواعد الأميركية في حماية الخليج العربي، هل تؤيد تشكيل "ناتو" عسكري عربي؟



الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن