تقدير موقف

عَوْدَةُ السّورِيِّينَ إلى بِلادِهِم!

تَسَبَّبَتِ الحَرْبُ السّورِيَّةُ في سَنَواتِ 2011-2026 بِإِعادَةِ انْتِشارِ السّورِيِّينَ في سورْيا وَمِنْ خِلالِها في قارّاتِ العالَمِ الخَمْس. وَاليَوْمَ تَعيشُ أَعْدادٌ مُتَفاوِتَةٌ مِنَ السّورِيِّينَ في أَكْثَرَ مِنْ مائَةٍ وَعِشْرينَ بَلَدًا في قارّاتِ العالَمِ الخَمْس، وَأَغْلَبُ هؤُلاءِ وَصَلوا إِلى تِلْكَ البُلْدانِ في سَنَواتِ الحَرْب، وَيُقَدَّرُ عَدَدُهُمْ بِأَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ سُكّانِ سورْيا في تِلْكَ الفَتْرَة، أَيْ ما بَيْنَ 12 مِلْيونَ نَسَمَة وَ14 مِلْيونًَا.

عَوْدَةُ السّورِيِّينَ إلى بِلادِهِم!

تَتَرَكَّزُ الكُتْلَةُ الرَّئيسِيَّةُ مِنَ الانْتِشارِ السّورِيِّ في دُوَلِ الجِوارِ السّورِيِّ وَالقَريبَةِ مِنْها، حَيْثُ العَدَدُ الأَكْبَرُ في تُرْكيا، ثُمَّ في لُبْنانَ وَالأُرْدُن، وَثَمَّةَ تَجَمُّعاتٌ كَبيرَةٌ في دُوَلٍ عَرَبِيَّةٍ أَبْرَزُها مِصْرُ وَبُلْدانُ الخَليجِ العَرَبِيَّة، وَخاصَّةً في المَمْلَكَةِ العَرَبِيَّةِ السُّعودِيَّةِ وَدَوْلَةِ الإِمارات، وَهُناكَ انْتِشارٌ مَحْدودٌ في شَمالِ أَفْريقْيا، أَغْلَبُهُ في ليبْيا وَالجَزائِرِ وَالمَغْرِب. وَغالِبِيَّةُ هَذِهِ الكُتْلَةِ مَحْسوبَةٌ في الإِقامَةِ الإِنْسانِيَّة، كَما هُوَ حالُ السّورِيّينَ في تُرْكيا، وَأَغْلَبُ البَقِيَّةِ خاضِعٌ لِأَنْظِمَةِ "إِقامَةِ الأَجانِبِ" المَعْمولِ بِها في تِلْكَ البُلْدان.

القِسْمُ الثّاني مِنَ الانْتِشارِ السّورِيِّ في أَنْحاءٍ أُخْرى مِنَ العالَم، وَيَتَمَرْكَزُ أَغْلَبُهُ في بُلْدانِ وَسَطِ وَغَرْبِ أوروبّا، وَالأَكْثَرِيَّةُ في أَلْمانْيا وَالسُّوَيْد، وَالبَقِيَّةُ مُوَزَّعَةٌ مِنَ الأَكْثَرِ إِلى الأَقَلِّ عَدَدًا في هولَنْدا وَالنَّمْسا وَفَرَنْسا، ثُمَّ في بَريطانْيا وَبِلْجيكا وَغَيْرِها، وَوَصَلَ أَغْلَبُ هؤُلاءِ إِلى أوروبّا في مَوْجاتِ هِجْرَةٍ عَبْرَ تُرْكيا وَاسْتَقَرّوا لاجِئين، وَحَصَلوا عَلى إِقامات، وَأَعْدادٌ مُتَزايِدَةٌ مِنْهُمْ أَخَذَتْ جِنْسِيّاتٍ أوروبِّيَّة.

الفارِقُ بَيْنَ القِسْمَيْنِ الرَّئيسِيَّيْنِ مِنَ الانْتِشارِ السّورِيّ، أَنَّ القِسْمَ الأَوَّلَ لَمْ يَشْهَدْ تَغْييراتٍ جَوْهَرِيَّةً في حَياتِهِ هُناكَ وَعَلاقاتِهِ مَعَ البُلْدانِ المُضيفَة، فَعاشَ أَغْلَبُهُمْ لاجِئينَ في تَجَمُّعاتٍ وَمُخَيَّماتٍ تَخُصُّهُمْ كَما في لُبْنانَ وَالأُرْدُن، وَبَعْضُ المُقيمِينَ عاشوا بِصورَةٍ كَيْفِيَّةٍ خارِجَ التَّجَمُّعات، وَتَوَفَّرَتْ لَهُمْ ظُروفُ حَياةٍ أَفْضَل، لَكِنَّها كانَتْ لِبَعْضِهِمْ صَعْبَةً وَمُكْلِفَة.

تغييرات عميقة في حياة اللاجئين في أوروبا

بِاسْتِثْناءِ الشَّكْلِ السّابِقِ مِنْ حَياةِ السّورِيّينَ في بُلْدانِ الجِوارِ وَالمُحيط، فَقَدْ تَوَفَّرَتْ بيئَةُ انْدِماجٍ مَحْدودَةٌ في بَعْضِ البُلْدان، كانَتْ بَيْنَها تُرْكيا وَمِصْر. فَفي الأولى تَوَفَّرَتْ لِقِسْمٍ كَبيرٍ مِنَ السّورِيّينَ أَنْ يَعيشُوا حَسَبَ قُدْراتِهِمْ وَإِمْكانِيَّاتِهِم، وَاسْتَطاعَ بَعْضُهُمْ تَغْييرَ حَياتِهِ مِنْ خِلالِ التَّعْليمِ وَرَفْعِ القُدُرات، وَلا سِيَّما تَعَلُّمَ اللُّغاتِ وَالمِهَن، وَاسْتَطاعوا الانْدِماجَ في سوقِ العَمَل، وَدُخولَ عالَمِ الاسْتِثْمار، وَفَتْحَ مَشاريعَ وَشَرِكاتٍ مُخْتَلِفَة، وَحَصَلَ مِئاتُ آلافِ السّورِيِّينَ وَعائِلاتُهُمْ عَلَى الجِنْسِيَّةِ التُّرْكِيَّة. وَفِي مِصْر، حَقَّقَ كَثيرٌ مِنْ رِجالِ الأَعْمالِ وَالمُسْتَثْمِرينَ وَالحِرَفِيّينَ نَجاحاتٍ مَلْموسَةً عَلى نَحْوِ ما فَعَلَ أَقْرانُهُمْ في تُرْكيا، وَآخَرونَ مِمَّنْ تَوَفَّرَتْ لَهُمْ فُرَصٌ مُناسِبَةٌ في بُلْدانٍ أُخْرى.

وَاخْتَلَفَ مَسارُ القِسْمِ الرَّئيسِيِّ الثّاني مِنَ السّورِيّينَ الذين اسْتَقَرّوا في أوروبّا، حَيْثُ ارْتَبَطَتْ حَياةُ هؤُلاءِ وَمُسْتَقْبَلُهُمْ بِسِياساتِ حُكوماتِ الدُّوَل، التي أَدارَتْ مُؤَسَّساتُها وَأَجْهِزَتُها وَمُنَظَّماتُ المُجْتَمَعِ المَدَنِيِّ فيها شُؤونَ اللاجِئينَ وَالمُعادِ تَوْطينُهُمْ وَحَياتُهُمْ بِكُلِّ جَوانِبِها بِصورَةٍ مُنَظَّمَة، وَساعَدَتْ في رَسْمِ مُسْتَقْبَلِهِمْ عَبْرَ سِياسَةِ الانْدِماجِ في مَسارَيِ التَّعْليمِ وَالعَمَل، مِمّا أَدّى إِلى تَغْييراتٍ عَميقَةٍ في حَياةِ اللاجِئين، فَجَعَلَتْ كَثيرًا مِنْهُمْ أَقْرَبَ إِلى حَياةِ مُواطِني تِلْكَ البِلاد، وَخاصَّةً وَسْطَ المُتَعَلِّمينَ وَأُسَرِهِم.

إِنَّ الاسْتِعْراضَ المُكَثَّفَ لِظُروفِ وَأَوْضاعِ السّورِيّينَ في الشَّتات، ضَرورِيٌّ لِفَهْمِ الظُّروفِ المُحيطَةِ بِعَوْدَتِهِمْ إِلى بِلادِهِمْ وَبُيوتِهِم، وَالتي تُحِيطُ بِها عَوامِلُ مُتَناقِضَة، لا بُدَّ مِنَ تَوَقُّفٍ وَلَوْ سَريعٍ عِنْدَها.

من الصعب على حكومة محدودة الخبرات أن تتجاوز معيقات العودة بصورة سريعة

وَإِذا كانَ مِنَ المُؤَكَّدِ أَنَّ رَغْبَةَ السّورِيّينَ في العَوْدَةِ إِلى بِلادِهِمْ وَبُيوتِهِم، التي طُرِدوا مِنْها وَأُجْبِروا عَلى مُغادَرَتِها تَحْتَ الخَطَر، واحِدَةٌ مِنْ أَبْرَزِ العَوامِلِ الضّاغِطَةِ لِلْعَوْدَة، مُضافًا إِلَيْها رَغْبَةُ الكَثيرِينَ بِالمُشارَكَةِ في إِعادَةِ بِناءِ البَلَد، التي تُوَفِّرُ لَهُمْ فُرَصًا لِلْكَسْبِ وَالعَيْش، فَإِنَّ ثَمَّةَ عَوامِلَ تَمْنَعُ عَوْدَتَهُمْ أَوْ تَحُدُّ مِنْها، بَيْنَها ما فَرَضَتْهُ الحَياةُ مِنْ مُتَغَيِّراتٍ في حَياتِهِمْ مِنْ طِرازِ نَمَطِ العَيْشِ وَالرِّعايَةِ الاجْتِماعِيَّةِ وَالصِّحِّيَّةِ وَفُرَصِ الِارْتِقاء، وَظُروفِ الأَوْلادِ مِنْ حَيْثُ التَّعْليمِ وَالعَمَل. وَكُلُّها تُضافُ إِلى ظُروفٍ صَعْبَةٍ، تُحيطُ بِواقِعِ بَلَدِهِمْ وَصُعوباتِ الحَياةِ فيه بَعْدَ سَنَواتٍ طَويلَةٍ مِنَ الحَرْبِ وَالدَّمارِ وَانْهِيارِ البُنى التَّحْتِيَّة، وَتَقْصيرٍ حُكومِيٍّ عَنِ القِيامِ بِخُطُواتٍ تَدْعَمُ العَوْدَة، وَكُلُّها وَقائِعُ تُؤَكِّدُ أَنَّهُ مِنَ الصَّعْبِ عَلى حُكومَةٍ مَحْدودَةِ الخِبْرات، وَمِنْ دونِ خُطَطٍ واضِحَةٍ وَظُروفُها صَعْبَة، أَنْ تَتَجاوَزَ مُعيقاتِ العَوْدَةِ بِصورَةٍ سَريعَة.

وَسْطَ الظُّروفِ المُتَعَدِّدَةِ وَالمُعَقَّدَةِ التي تُحيطُ بِعَوْدَةِ السّورِيّينَ، يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّنا أَمامَ ثَلاثَةِ مَساراتٍ في عَوْدَةِ السّورِيِّينَ إِلى بِلادِهِمْ وَبُيوتِهِم:

الأَوَّل، مَسارُ عَوْدَةٍ غَيْرِ مَشْروطَةٍ مِنْ أَوْساطٍ شَعْبِيَّة، تُواجِهُ في الشَّتاتِ ظُروفًا مَعيشِيَّةً صَعْبَة، وَهِيَ تَرْغَبُ في إِغْلاقِ مَلَفِّ غُرْبَتِها بِكُلِّ مُحْتَوَياتِهِ وَتَفاصيلِه، وَهُوَ مَسارٌ ظاهِرٌ في أَوْساطِ سورِيّي تُرْكيا وَلُبْنانَ وَالأُرْدُنِّ خاصَّة. وَضِمْنَ هَذا المَسارِ تَنْدَرِجُ ظاهِرَةُ عَوْدَةِ ناشِطينَ وَفاعِلينَ سِياسِيّينَ وَمَدَنِيّين، وَخاصَّةً مِنَ الشَّباب، يَرَوْنَ أَنَّ فُرْصَتَهُمْ حانَتْ لِلْعَوْدَةِ وَالمُساهَمَةِ في إِعادَةِ بِناءِ بَلَدِهِمْ وَمُشارَكَةِ أَهْلِهِمْ تَحَدِّياتِ ما بَعْدَ إِسْقاطِ نِظامِ الأَسَد.

المَسارُ الثّاني وَهُوَ مَسارٌ اشْتِراطِيٌّ انْتِظارِيّ، يَرى أَنَّ العَوْدَةَ مُمْكِنَةٌ في ظِلِّ تَغَيُّرِ الظُّروف، لَكِنَّ فِكْرَةَ الظُّروفِ هَذِهِ مُتَنَوِّعَةٌ وَواسِعَةُ الطَّيْف، تَبْدَأُ عِنْدَ البَعْضِ وَقَدْ لا تَنْتَهي عِنْدَ الكَثيرِين، وَفي المُقَدِّمَةِ مِنْها طَبيعَةُ وَمَسارُ النِّظامِ السِّياسِيِّ وَالاقْتِصادِيّ، وَإِعادَةُ بِناءِ مَنْظومَةِ الخِدْماتِ الأَساسِيَّةِ الشّامِلَة، وَخاصَّةِ النِّظامَيْنِ الصِّحِّيِّ وَالتَّعْليمِيّ، وَالاعْتِقادُ بِأَنَّ قَليلًا مِنَ السّورِيّينَ سَوْفَ يَتَّبِعونَ هَذا المَسار، فَلَيْسَ في القَريبِ العاجِلِ مُؤَشِّراتٌ إِلى تَغْييراتٍ إِيجابِيَّةٍ سَريعَةٍ في واقِعِ سورْيا الحالِيَّة، وَأَغْلَبِيَّةُ الَّذينَ يَتَبَنَّوْنَ هَذا السّينارْيو موسِرونَ وَرِجالُ مالٍ وَأَعْمالٍ وَمُسْتَثْمِرونَ وَكِبارُ المُتَعَلِّمين.

المَسارُ الثّالِث، وَيُمْكِنُ تَسْمِيَتُهُ مَسارَ اللّاعَوْدَةِ المُعْلَن، وَأَصْحابُهُ مِنْ نُخْبَةِ الجالِيات، وَبَيْنَهُمْ رِجالُ مالٍ وَأَعْمال، أَصْحابُ مَشاريعَ ناجِحَةٍ وَوَظائِفَ رَفيعَةٍ في بُلْدانِ الشَّتات، يَميلونَ إلى الِاسْتِقْرارِ حَيْثُ يُقيمون، وَقَدِ اعْتادوا حَياتَهُمْ وَأَعْمالَهُمْ وَعَلاقاتِهِم، وَانْدَمَجوا فيها، وَتَوَطَّنوا مَعَ عائِلاتِهِمْ في البُلْدانِ الجَديدَة، وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ العَلاقَةَ مَعَ بَلَدِهِمُ الأَصْلِيّ، يُمْكِنُ أَنْ تَسْتَمِرَّ وَتَكونَ فاعِلَة، حَتّى لَوْ لَمْ يَكونوا يُقيمُونَ فيه.

يجب تعزيز مساهمة السوريين في انتقال بلدهم إلى مستقبل أفضل

خُلاصَةُ القَوْلِ في مَوْضوعِ عَوْدَةِ السّورِيّينَ إلى بِلادِهِمْ وَبُيوتِهِم، إِنَّها يَنْبَغي أَنْ تَكونَ حَقًّا مَحْفوظًا لا نِقاشَ فيه، وَإِنَّ واجِبَ الحُكومَةِ تَشْجيعُهُمْ على العَوْدَة، وَتَوْفيرُ أَفْضَلِ الظُّروفِ لِعَوْدَتِهِم، خاصَّةً لِلضُّعَفاءِ مِنْهُمْ وَالَّذينَ يَعيشونَ ظُروفًا صَعْبَةً في الشَّتات. كَما أَنَّهُ مِنَ الحَقِّ أَنْ تَتَشارَكَ الحُكومَة، وَكُلُّ حُكومَةٍ سورِيَّةٍ تالِيَة، مَعَ السّورِيّينَ في الشَّتاتِ بِجَماعاتِهِمُ المُخْتَلِفَة، وَخاصَّةً المَدَنِيَّةَ وَالاجْتِماعِيَّة، مِنْ أَجْلِ إِقامَةِ أَوْثَقِ الرَّوابِطِ وَالعَلاقاتِ بَيْنَ السّورِيّينَ في الشَّتاتِ وَبَلَدِهِم، لِتَعْزيزِ وَتَقْوِيَةِ مَكانَةِ السّورِيّينَ في شَتاتِهِم، وَتَحْسينِ عَلاقاتِ وَطَنِهِمُ الأُمِّ مَعَ وَطَنِهِمُ الجَديد، لِما فِيهِ خَيْرُ الِاثْنَيْن، وَتَعْزيزِ مُساهَمَتِهِمْ في تَطْبيعِ حَياةِ مُواطِنيهِمْ في سورْيا، وَالمُساعَدَةِ على انْتِقالِ بَلَدِهِمْ إلى مُسْتَقْبَلٍ أَفْضَل!.

(خاص عروبة 22)
?

في ظل ما أظهرته إيران من عدوانية تجاه العرب وعدم فعالية القواعد الأميركية في حماية الخليج العربي، هل تؤيد تشكيل "ناتو" عسكري عربي؟



الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن